|
بعد أسبوعين من سقوط جدة نصّب ابن
سعود نفسه ملكاً للحجاز، بعد أن كان
يعيّر الملك حسين بأنه نصّب نفسه
ملكاً خلافاً لمقتضيات الدين! وبعد أن
مضت بضعة أشهر وضع بنفسه (نظاماً)
للمملكة الحجازية كانت نصوصه من
إملائه في أغسطس 1926، تضمن المواد
التالية:
"إن المملكة الحجازية بحدودها
المعلومة (لم تكن الحدود معلومة، حيث
إن الملك بقي يطالب بالعقبة ومعان
باعتبارهما جزءً من الحجاز) مرتبطة
بعضها ببعض لا تقبل التجزئة ولا
الانفصال بوجه من الوجوه ـ وأن الدولة
العربية الحجازية دولة ملكية شورية
إسلامية مستقلة في داخليتها وخارجيتها
ـ وأن مكة المكرمة هي عاصمة الدولة
الحجازية ـ وأن اللغة العربية هي
اللغة الرسمية ـ وتكون جميع إدارة
المملكة الحجازية بيد صاحب الجلالة
الملك عبد العزيز الأول بن عبد الرحمن
آل فيصل آل سعود ـ وأن الأحكام تكون
منطبقة على كتاب الله وسنّة الرسول
صلى الله عليه وسلم وما كان عليه
الصحابة والسلف الصالح ـ وأن يُعيّن
من قبل الملك نائباً عاماً وبقدر
اللزوم مديرون ورؤساء لإدارة أمور
المملكة الحجازية ـ وتكون النيابة
العامة مرجعاً عاماً لجميع دوائر
الحكومة وأقسامها، وتكون النيابة
مسؤولة أمام الملك".
لم تكن التعليمات الأساسية للحجاز
هذه، تعني استقلالاً.. فملك نجد هو
ملك الحجاز، الذي أوكلت إداراته وحكمه
الى الأمير فيصل ـ الملك فيما بعد ـ
أما الإستقلال في الشؤون الخارجية
فأمرٌ لم يكن مُطبقاً، حيث لم يكن
هناك اعتراف من أحد باستقلال الحجاز
كدولة، بل أن الإعتراف من قبل
بريطانيا ومن الإتحاد السوفيتي كانا
قائمين على اعتبار الحجاز جزءً من
المملكة النجدية، مثلما فعلت اتفاقية
دارين ـ القطيف ـ في عام 1915 والتي
وقعها ابن سعود مع المقيم البريطاني
في بوشهر ـ السير بيرسي كوكس ـ، والتي
كانت تستهدف إعطاء الشرعية على عملية
ضم أو إلحاق (القطيف والأحساء والجبيل)
إلى نجد.
لكن التعليمات أعطت في نفس الوقت
شعوراً للحجازيين بأنهم بعيدون ـ رغم
خضوعهم للسلطة السياسية لآل سعود ـ عن
الهيمنة النجدية المُطلقة، وأن الجهاز
الإداري الداخلي سيكون بيدهم من قبيل
البلدية والجمارك والتعليم والصحة،
رغم أن السلطات الدينية السلفية فجّرت
بممارساتها الطائفية في الحجاز نقمة
عارمة أدّت إلى تشكيل حزب معارض حمل
اسم (الحزب الوطني الحجازي) انضم إليه
وجهاء الحجاز، الذين أخذوا على عاتقهم
مهمة تحريره من السيطرة السياسية
والدينية النجدية ـ الوهابية.
وقد أوجدت تحركات الحزب، ونشاطاته في
الخارج (مصر واليمن والهند والأردن)
رأيا عاماً ناقماً على تسلّط آل سعود
على الأماكن المقدسة، وفاقمها الخلاف
المصري السعودي حول مصير الحجاز، ثم
أزمة المحمل المصري التي أدت إلى مقتل
الكثير من الحجاج المصريين على يد
الوهابيين، فقطعت العلاقات بين
البلدين في عهد الملك فؤاد، مما أوجد
بلبلة إدارية في الإقليم الحجازي
وإثارة للعصبيات المذهبية، خاصة وأن
علماء المذهب الرسمي سعوا بشكل حاد
الى إجبار سكان الحجاز على التقيّد
بتعاليم الوهابية، وأثاروا حنق
الأهالي ـ بشكل خاص ـ لتدميرهم معظم
الأماكن الأثرية المقدسة والتي لا
تزال تمثل جرحاً لم يندمل رغم تقادم
السنين في قلوب كل المسلمين حتى
اليوم.
|