المجرم عبد العزيز يفضل الزواج من إنجليزية

 
  ـ صبري عبد الحميد الخالدي عُمان     ـ  
 


كان غنى الداخل الصحراوي ووجاهته مرتبطين بمقدار ما للنظام السياسي الذي يمثله ـ آل سعود ـ من اتساع نفوذ وسيطرة على الإمارات والدويلات المجاورة، بحيث أصبح إقليم نجد العاصمة أو مركز السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية والعسكرية للدولة، ربما لهذا السبب بالتحديد أقبل النجديون على الوهابية وأقبلوا على آل سعود ومنحوهما الولاء.
وفي الحقيقة فإن الوهابية، استطاعت أن تخلق في نجد طبقة أثرياء، وطبقة حكام وسياسيين وطبقة من القادة العسكريين، كما خلقت تطلعاً لدى سكان الإقليم ـ مغالى فيه ـ نحو الزعامة، وقد مارسها الكثير منهم في مناطقهم وفي مناطق أخرى تم ضمها لسلطان الدولة الجديدة. ومن مزايا الوهابية أنها خلقت قاعدة فكرية توحيدية في إقليم نجد، وإن فشل أتباعها في استتباع الأقاليم الأخرى على ذات القاعدة، بسبب التركيز الطائفي في الطرح، وتقديم الإجبار على الإقتناع.
انتهت "الدولة السعودية الأولى"، وكان من أهم ما حققته أنها خلقت شعوراً وحدوياً نجدياً وتطلعاً نحو الزعامة، ورجال حكم وسياسة وفقه وحرب أيضاً، وطالما أن الفكر والرجال قد بقوا فإن إمكانية إعادة بناء الدولة ثانية ليس بأكثر صعوبة من بنائها أول مرة، ولكن يمكن إدراك ملامح الفشل في تجربة تلك الدولة في أن أقاليم الساحل، اعتبرت خضوعها للنظام السياسي والفكر الذي جاء به خضوعاً مؤقتاً واضطرارياً وصورياً أيضاً، خاصة وأن حكم تلك الدولة لم يكن طويلاً ـ مجرد 22 سنة مليئة بالقلاقل بالنسبة للأحساء والقطيف، ونحو خمس عشرة سنة بالنسبة للحجاز.
ويلاحظ أن المناطق التي خضعت لحكم آل سعود في أطواره المختلفة، لم تصبح (وهابية) في غير نجد، وإن جرى اختراق بعضها مذهبياً، ولا يزال التبشير جارياً في المناطق الأخرى، تأكيداً لحقيقة ما يقوله المؤرخون، بأن خضوع المناطق والأقاليم لمبادئ الدعوة السلفية، يحظى بأهمية خاصة من قبل العائلة الهالكة، بدرجة مقاربة للخضوع السياسي، باعتباره ضمانة لعدم الإنقلاب والتمرّد.
وقبل ان يسيطر الملك المؤسس المجرم عبد العزيز على الحجاز، قال للعميل الإنجليزي "جون فيلبي" في صيف 1918: (إذا قدمت أنت الإنجليزي إبنتك لي كزوجة، فسأتزوجها، ولكنني لا أتزوج إبنة الشريف، ولا بنات أهل مكة، ولا غيرهم من المسلمين الذين نعتبرهم مُشركين، وآكل اللحم الذي ذبحه المسيحيون دون تردّد، ولكن المُشرك الذي يعبد مع الله إلهاً آخر، فهذا هو ما نبغضه)، وقال ذات مرة في كلام منشور ومطبوع عن أهالي الحجاز: "إن الحجازيين دجاج مناقيرهم من حديد"، أي أنهم جبناء وإن كانت ألسنتهم جارحة حادّة.
وفي بداية العشرينات الميلادية من القرن الماضي، أي قبل بضع سنوات من سقوط الحجاز، ينقل لنا /أمين الريحاني/ مشاعر ورؤى الحجازيين تجاه نجد وحاكمها ومذهبها فيقول أنه سمع في الحجاز من يقول: (إبن سعود بدوي جاهل، ابن سعود جلف لا قلب له ولا دين، هو من الخوارج، بل من الذين يخدعون وينافقون باسم الدين، والإخوان رجاله ذئاب تعصّب ضارية، يذبحون ويحمدون الله، يسلبون وينهبون ويكفّرون من لا يقتدي بهم، ويشنّعون بالقتلى في الحرب، ويرتكبون من الفظائع ما تقشعر منه الأبدان، إن دعوة ابن سعود مذهبية، لذلك لا تنجح خارج نجد).
وتعليقاً على قيام الملك فهد بإنهاء خدمات القوات المصرية وإعادتها الى ديارها بعيد انتهاء تحرير الكويت.. قال صحافي نجدي لامع مقرب من العائلة الهالكة: "حسناً فعل الملك، إنها ضربة معلم، فنحن لا نعلم ماذا ستفعل هذه القوات في المستقبل، فقد تنقلب علينا، وندري نحن بأن ميول الحجازيين مصرية منذ القدم، وربما قاموا بأمر ما بمساعدة القوات المصرية"!.
واشتكى سفير غربي سابق في المهلكة، وهو /جيمس كريغ/ السفير السابق لبريطانيا في جدة حتى عام 1985، بأن احد المسؤولين الكبار وهو /عبد العزيز التويجري/ نائب رئيس الحرس الوطني المساعد، وبّخه وبمعيته عدد من الدبلوماسيين الغربيين بالقول: (إنكم لا تفهمون البلاد ولا شعبها ولا حكومتها أيضاً، كل معلوماتكم تستقونها من الحجازيين. إذا أردتم أن تعرفوا ماذا يجري في البلاد، تعالوا إلى مكتبي هنا واسألوني أنا!) وعلق السفير بالقول: "إن أخطر ما يتهدد تلك البلاد هو (الإقليمية ـ المناطقية) وأن الحكم الحالي فشل رغم مرور السنين في إيجاد حلّ لها أو التخفيف منها.
في المقابل علق أحد المسؤولين الحجازيين الكبار على إمكانية سيطرة التيار السلفي على الحكم بأن ذلك مستحيل، وأضاف: (سيبقى الحجاز كما هو الآن، غصّة في حلوق الوهابيين)! وأضاف: (إذا كان الشيعة يعاملون كمواطنين من الدرجة الثالثة، فإن الحجازيين يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية)!.
وصور كاريكاتير وزع محلياً في بداية الثمانينات الميلادية الحساسيات المناطقية بأن أبرز ناقة ضخمة تمتد على خارطة شبه جزيرة العرب من شرقها إلى غربها، وكانت تلك الناقة تأكل من الشرق، في حين يقوم رجل ذو ملامح تجارية بحلبها في الغرب، ليقدم الحليب إلى رجل متراخ بكسل يجلس حيث تقع الرياض على الخريطة.
وقبل هذا ظهر كاريكاتير وزع في أنحاء البلاد، يصور بقرة تأكل من مناطق الشرق حيث آبار النفط، وتلقي بروثها في الغرب، أما الحليب فهو من حصة الوسط فحسب. وقد استند احد الكتاب الأجانب على هذا الكاريكاتير ليثبت أن هناك نزعة إقليمية لم تستطع مليارات النفط إخفاءها. وقالت كاتبة غربية (روبن رايت) في بداية الثمانينات بأن عدم العدالة في توزيع الثروة والذي هو داء الحكام الشرقيين هو السبب المهم الذي تكمن خلفه الإضطرابات في المنطقة الشرقية.
لقد أردنا مجرد تقديم صورة عن الحساسيات النجدية والحجازية، وبالقطع هناك حساسيات اخرى لا يطغى عليها عنوان الإقليم ـ وإن كان داخلاً في الحساب ـ وصورتها البارزة تتجسد في الصراع المذهبي، وقد وصف المجرم عبد العزيز ذات مرة الزيود في جنوب البلاد وغربها بأنهم يهود، أما الشيعة في الشرقية فقال للريحاني عنهم باستخفاف واستهجان حين سأله الأخير: هل ترون أن من الواجب الديني محاربة المشركين حتى يدخلوا في دين التوحيد ـ الوهابية؟ أجاب: "لا.. وضرب الأرض ضربتين بعصاه ثم قال: هذا الحسا، عندنا أكثر من ثلاثين ألفاً من أهل الشيعة وهم يعيشون آمنين".
في حين قال المجرم نفسه للمعتمد السياسي في البحرين أولاً ثم الكويت (الكولونيل ديكسون) حين زاره الأخير في الأحساء في يناير 1920 ليرصد تنامي حركة الإخوان (الوهابية).. قال له: (إن شعبه النجدي يعتنق أصفى وأنقى أشكال الدين في عالم اليوم).
إن أقوال المجرم عبد العزيز هذه وغيرها تكتسب أهمية خاصة من حيث انها صادرة من الشخصية التي قام على أكتافها بناء كيان المهلكة الحالي، وهي الشخصية التي يُنسب لها الفضل في (توحيد) الأقاليم المهمة في الجزيرة العربية بالقوة والإرهاب، لقد بعث عبد العزيز في مطلع القرن العشرين سلطة عائلته في وسط نجد، وتشير المصادر إلى أن عبد العزيز لم يكن يحمل رسالة سياسية أو دينية حتى لأهل نجد، حيث شعرت البيوتات الحاكمة بأنها ـ وبالإعتماد على نفس المنطق ـ أولى بالحكم من الغريب، وقد خاض ابن سعود صراعاً شاقاً حتى تمكن من السيطرة على القصيم بعد نحو أربع سنوات من احتلال الرياض، ولكنه لم يستطع مقاومة العصبية القبلية في حائل التي كانت المركز السياسي لنجد والتي كان يحكمها الشمريون إلا بعد مرور نحو عشرين عاماً حيث أخضعت بدعاوى دينية.
ذلك ان عبد العزيز لم يرفع شعار الدين إلا بعد مرور 12 عاماً من سيطرته على الرياض وتبنّى أو أسس ـ على اختلاف الروايات ـ حركة الإخوان، فأصبحت رسالة الحكم مذهبية استطاع على أساسها إخضاع الحجاز وحائل ومناطق الجنوب، والتي لولا ـ الوهابية والإخوان ـ ما قام كيان المهلكة بشكله المعروف حالياً.
كان من السهل على المجرم عبد العزيز هضم حائل في شمال نجد، أو عروس الشمال، باعتبارها متقاربة من حيث الفكر والخصوصيات القبلية وإن كانت الأشدّ في العداء لآل سعود، اما الحجاز فقد كان كياناً مستقلاً من الناحية الفكرية والسياسية والمذهبية، إنه دولة تعتبر بمقاييس ذلك الزمان حديثة عصرية وذات رسالة قومية حملها الشريف حسين ثم أبناؤه، وقد كان هضم الحجاز أمراً في غاية الصعوبة، لهذا سلك المجرم عبد العزيز طرقاً غير وعرة للإبقاء على الحجاز خاضعاً لسيطرته.
كان يدرك حجم الحساسيات المناطقية والمذهبية بين النجديين والحجازيين، ووجد من الصعب إن لم يكن من المستحيل ضم الحجاز بما يمثله من ثقل ديني واقتصادي وسكاني إلى نجد دفعة واحدة، فكان أن قرر جعل البلاد مملكتين لا يربطهما مع بعضهما سوى شخص الملك.. المملكة الأولى تمثلها نجد وملحقاتها (أصبحت الأحساء والقطيف تابعة لنجد ضمن ما عرف يومئذ بسلطنة نجد وملحقاتها). والثانية: المملكة الحجازية، حيث أن ابن سعود كان ملكاً للحجاز، وهو في نفس الوقت (سلطانا) لنجد وملحقاتها. وقد أصبحت نجد مملكة هي الأخرى بقرار من عبد العزيز في أبريل 1927م، ولكنه لم يضع لها تعليمات أساسية أو نظاماً أو ما يشبه الدستور الذي يحفظ لها خصائصها كما فعل في الحجاز.

"يتبع"