|
لم تكن الخلافات الثقافية بين أهالي
نجد والحجاز ذات شأن إذا لم تضف إليها
الجوانب السياسية، فالاختلاف الديني ـ
المذهبي بين الوهابية والمذاهب
الإسلامية الأخرى قابل للمناقشة ولكن
ما أعطى الخلاف وزناً وأهمية أكبر هو
حقيقة أن (الوهابية) كتوجّه ديني، إن
لم نقل مذهباً دينياً مستقلاً وشاذًا،
تم استغلالها من قبل آل سعود لتحقيق
مطامحهم السياسية.. وهذا ما عبّر عنه
فيصل بن الشريف حسين أكثر من مرّة قبل
زوال دولة الأشراف من الحجاز، حيث
اتخذ الأخيرون موقفاً مضاداً للوهابية
وطالبوا بحلّ جناحها العسكري باعتباره
أداة سياسية وعسكرية تُشرعن للاحتلال
والاعتداء وسفك الدماء.
وليس هناك من شك بأن الخلاف التاريخي
بين الحجاز ونجد تعدّى حدود الخلاف
الفكري، فقد أصبح عداءً متراكماً
تاريخياً ونفسياً تزيده ـ اليوم ـ
الوهابية الدينية والسياسية حدّة،
وتدفع الطموحات السياسية والإغراءات
الإقتصادية لمواصلته على الأقل من
جانب بعض المتطرفين النجديين، ولازال
الوضع يسير من سيء إلى أسوأ ولكنه
يتخفّى تحت أردية وأغطية كثيرة خوفاً
ورهبة.
في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع
عشر الميلادي، كان الخلاف الاجتهادي
الديني بين الوهابية وغيرها من
المذاهب الإسلامية في الحجاز يشغل
حيزاً قليلاً وهامشياً من مساحة
الصراع الدموي، إذ لم تتعدّ الخلافات
مسائل ينظر إليها في الوقت الحالي على
أنها خلافات قليلة الأهمية مثل مسألة
القبور وتقديس الأولياء والأنبياء
وطلب الشفاعة وما أشبه، وهي أمور لا
تزال متضخّمة في أذهان مشايخ نجد، إلى
حد يُعتقد معه أن تضخيمها لم يكن إلاّ
لغاية محدّدة، وهي إيجاد المبرّرات
للإختلاف مع الآخر، وفرض الرأي
والثقافة الخاصة بالوهابية وبنجد،
والسيطرة على مقدرات الدولة واحتكار
منافعها.
بيد أن التحوّل من الخلاف الفكري إلى
الخلاف السياسي المسلّح على يد
الوهابيين، لم يكن بغرض تحويل الآخر
المختلف في الحجاز إلى ما يعتقده
الوهابيون ''الدين الصحيح'' أو لإلغاء
الممارسات ''الشركية'' التي يمارسها
السكان كما يزعمون، فهذا لم يحصل حتى
اليوم، وإنما جاء على خلفية الأطماع
السياسية لدى العائلة الهالكة التي
استخدمت الوهابية كمركبة للتوسّع
والاحتلال.
في حياة محمد بن عبد الوهاب، لم تكن
الحجاز ناضجة بما فيه الكفاية، وكان
يرسل مبعوثيه لمناقشة الحجازيين من
أتباع المذاهب ومناظرتهم بحضور الشريف
غالب حاكم مكة آنئذ، ولم تكن النتائج
واضحة المعالم، إذ لم يكن أي طرف يقبل
بمقولات الطرف الآخر، وكلٌّ لديه
حجته، وكلٌّ يدّعي انتصاره الفكري في
الجدل القائم أو المفتعل، شأن ما يحدث
بين كل المذاهب، وفي عهد سعود الكبير
عام 1218هـ تم احتلال الحجاز وسيطر
الوهابيون على نفائس الأماكن المقدسة
وتقاسمها أمراء آل سعود فيما بينهم،
ودمّرت الأماكن الأثرية المقدسة بحجة
عبادتها من دون الله، وخضع الشريف
غالب الذي بقي حاكماً اسمياً، ثم منع
الوهابيون عموم المسلمين من أداء
فريضة الحج، فجنّدت الدولة العثمانية
محمد علي باشا لاحتلال الحجاز وتخليصه
من الوهابيين، هنا انقلب السكان بسرعة
قبائل وحضر ضد الوهابيين وأخرجوهم.
وفي القرن العشرين أعاد التاريخ
نفسه.. جاءت الوهابية لتفرض منهجها
على أهل الحجاز مرة أخرى، وهي الحجة
التي تبرّر احتلاله، لم يتغيّر شيء من
السياسة والخطط سوى الوجوه، فالمجرم
عبد العزيز مثّل دور جده سعود الكبير،
ومثل الشريف حسين دور الشريف غالب،
وكان فرض الوهابية على سكان الحجاز
الحجة ومحور الذرائع النجديّة، أما
شعب الحجاز فلم يتغير بالنسبة للمعتقد
الديني المخالف للوهابية، وإخوان ابن
سعود في القرن العشرين هم أبناء
أسلافهم الذين استخدموا مطيّة
للتوسّع، حتى شرارات الحرب اندلعت
بذات السبب: خلافات حدودية في خرمة
وتربة، وكما كانت الغلبة والقوة
للوهابية في حرب القرن التاسع عشر،
كانت لها في الثانية، في القرن
العشرين، فالعصبية المناطقية النجدية
كانت أقوى منها في الحجاز، وزادت
عصبية المذهب المتطرّف النجديين قوّة
واضطراماً.
زيادة على ذلك، في دولة الوهابيين
الأولى (الدولة السعودية الأولى) سيطر
آل سعود على نجد أولاً، ثم انتقلوا
الى الأحساء ثم الى مناطق الخليج
الأخرى (الزبارة وعُمان) ثم جنوباً
إلى عسير، وأخيراً نضجت فاكهة الحجاز
فسقطت بيدهم، وفي الدولة السعودية
الحالية جرى نفس الترتيب تقريباً،
فسيطر آل سعود على معظم أنحاء نجد
أولاً (عدا حائل) ثم توجهوا إلى
الأحساء فاحتلوها لتكون مموّلا
لمشاريع احتلالية أخرى، ثم أسقطوا
حائل، ثم دانت لهم عسير بنفس الكيفية
التي دانت لأسلافهم، ثم توجهوا إلى
الحجاز واحتلوه.
بل حتى تطور الأحداث يكاد يكون
متشابهاً: حيث يبدأ الخلاف بتكفير أهل
الحجاز ووجوب "أسلمتهم" عبر احتلال
أرضهم، يعقب ذلك فترة مصالحة وسلام،
ثم خلافات حدود يكون سببها اعتناق بعض
القبائل المذهب الوهابي، ثم يبدأ
الزحف النجدي لاحتلال الحجاز مبتدئاً
بالمجازر. الأمر المختلف الواضح هو أن
المُسيطر على المنطقة في دولة آل سعود
الأولى كان الدولة العثمانية، وفي
الثانية الإمبراطورية البريطانية، وقد
استفاد ابن سعود من الظرف الدولي كما
استفاد من ولائه المطلق للبريطانيين
لتلافي نقاط التفجّر، في حين وقع
الشريف حسين في نفس الأخطاء التي وقع
فيها أسلافه أشراف مكّة.
شيء واحد لم يستفد منه آل سعود
الحاليين وهو أنهم عاملوا السكان بنفس
الطريقة التي عاملها بهم أسلافهم، وهي
معاملة قاسية متعالية للمخالف في
المنطقة أو المذهب، فإذا ما تغيّر
العامل الدولي الذي كان يخدمهم فإنهم
سيجدون معظم السكان وقد تحوّلوا
ضدّهم، مثلما تحوّلوا عن أسلافهم،
فحكم القوة والفرض لم يطوّره أمراء آل
سعود إلى علاقة حب ورحمة بالشعب، وإلى
حكم يرضى عنه المواطنون، فشعارهم كان
ولا يزال يقولونه لمن يعترض على ظلمهم
وتمييزهم الطائفي والمناطقي والقبلي
بـ"أنهم أخذوا الحكم بالسيف"،
وبالتالي يحق لهم فعل ما يشاؤون.
ليس هناك أدنى شك اليوم والمهلكة تعيش
لحظات حرجة تاريخية تقرّر مصيرها، أن
آل سعود باتوا ممقوتين في الحجاز كما
في الأحساء والقطيف وفي الجوف وفي
عسير ونجران، ولو دخلت المهلكة أية
معركة في الخارج فلن تجد من يصطف معها
إلاّ بعض النجديين الذين ارتبطت
مصالحهم بهم، وحتى وقوف هؤلاء لن يكون
سوى وقوف الكاره المُضطرّ، لا المدافع
المتحمّس.
والسبب في كل هذا، هو تصرفات أمراء ال
سعود الذين يصرّون على ديمومة وسائل
الاحتلال، ولا يتصرفون كحكام على كل
الشعب، بل على أسس المُحتلّ القاهر
للمواطنين والذي يتعالى على أصولهم
وثقافاتهم ومذاهبهم ويعاملهم بدونيّة،
ويحكم فيهم بالتمييز، ويتعاطى مع
الدولة كمُلك شخصي لهم وحدهم دون
غيرهم.
قد يعتقد بعض آل سعود ـ مخطئين ـ بأن
في مقدورهم ضرب الموالي (وهو في معظم
الأحيان نجدي) ضد الساخط، ولكنّ هذه
اللعبة يصعب أن تطيل في بقائهم أو أن
تديم سياسات باطلة مخالفة لسنن الله
وسنن العصر، خاصة وأن المخالفين أكثر
بكثير من الموالين، ومن حسن حظّهم، أن
أكثريتهم يعيش هاجس الولاء حتى ضمن
نجد نفسها، وآل سعود لم يتوهموا ـ عن
حق ـ وعلى مدار تاريخهم الحديث بأن
الشعب يقف فعلاً معهم. حتى جيش
الإخوان، جيش ابن سعود البارّ المربّى
عقائديا وفي قمّة عطائه يقول الملك
عنه: ''لا تظنّوا يا أخوان أن لكم
قيمة كبيرة عندنا.. لا تظنّوا أنكم
ساعدتمونا وأننا نحتاج إليكم.. قيمتكم
يا إخوان في طاعة الله ثم طاعتنا..
فإذا تجاوزتم ذلك كنتم من المغضوب
عليهم، إي والله، ولا تنسوا أن ما من
رجل منكم إلا وذبحنا أباه أو أخاه أو
ابن عمّه.. وما ملكناكم إلاّ بالسيف..
ترى الصحيح والسيف لا يزال بيدنا.. لا
والله لا قيمة لكم عندنا في تجاوزكم،
أنتم عندنا مثل التراب.. أنتم ما
دخلتم في طاعتنا رغبة بل قهراً وإني
والله أعمل بكم السيف إذا
تجاوزتم''.ذ، هذا ما سجّله /أمين
الريحاني/ من كلام لابن سعود وقد كان
حاضراً مشهده.
فمن الذي له قيمة عند آل سعود، أو
يعترفون له بجميل مهما خدمهم وأخلص
لهم؟ وكيف حال معظم الشعب الذي فرض آل
سعود أنفسهم عليه حكاماً، هل لهؤلاء
قيمة، أو يمحضوا الثقة؟
وغني عن القول بأن دولة كهذه، وعقلية
عائلة هالكة وفاسدة كهذه سادرة في
الطغيان والاعتداد المُغالى فيه
بالذات، لن تصمد في أول مواجهة تختبر
فيها حقيقة ولاء السكان لها، فدولة آل
سعود لا هويّة لها ولا لسكّانها،
والولاء للدولة أو للعائلة الهالكة
ضعيف لأن الأمراء لم يستثمروا فيها
جهداً يخشون أن ينقلب عليهم في قادم
الأيام، ولكن هذه السياسة المستديمة
توقعهم اليوم في شرّ أعمالهم، فأصبحت
تغري الكثيرين في الداخل والخارج
للتعجيل في رسم نهايتهم وإزالة ملكهم
ودولتهم.
|