الدعوة النجدية

 
  ـ صبري عبد الحميد الخالدي عُمان ـ  
 



لقد انطلقت الوهابية من نجد، ويمكن القول بقليل من المجازفة أنها كانت تعبيراً عن شأن محلي وأنها جاءت لحلّ مشكل نجدي بالدرجة الأساس، لدرجة أن الكثير من أتباعها يسمونها بـ (الدعوة النجدية) تعبيراً عن تأثير المكان والبيئة، وتعبيراً عن خصوصية النشأة للفكرة المذهبية، ومع أن السلطة السياسية التي قامت عليها الدعوة قد أخضعت الأقاليم الأخرى لسلطانها، إلا أن الآخرين نظروا إليها كدعوة خاصة للنجديين دون غيرهم، وأنها جاءت لحلّ مشاكل لا توجد لديهم، من قبيل التفكك السياسي، وانتشار الكم الهائل من الخزعبلات، كعبادة الأشجار والأحجار التي تحدث عنها المؤرخون الوهابيون ووقفوا عندها طويلاً، والتي لا يوجد لها ما يماثلها في مناطق الساحل وإن كان الوهابيون يرون في ممارسات سكان الساحل الكثير الاختلاف الفكرى.
زرعت ممارسات النظام السياسي لآل سعود مشاعر الشك والعداء والحسد بين أبناء شبه جزيرة العرب، وقد كان لاستخدام ذلك النظام للنجديين في تعزيز سلطانه أو في تجاوز خصوصيات الآخرين، أثر كبير في إشعال المرارة في النفوس على النظام وكل متعلقاته. والمدهش أن المنتصر في كل المعارك الطائفية والمناطقية هم أمراء العائلة الهالكة، الذين تزداد يوماً بعد يوم سيطرتهم على الحكم واستفرادهم بامتيازاته.
ومن هذا المنطلق، كان ولا يزال يُنظر الى السلطة السياسية في المهلكة والناشئة على أساس قاعدة مذهبية، بأنها تحمل هوية نجدية، وإن كانت تلك السلطة لا تمثل النجديين بمعنى التمثيل الإختياري المتعارف عليه، إذ أن المعارضين لها كثيرون.. كما أن تشبّث العائلة الهالكة بالوهابية في الحاضر كما في الماضي، يعني أمرين هامين: أولهما: نقل السلطة السياسية من الساحل الحضري إلى نجد، وثانياً: إبقاء نجد مركزاً للسلطة الدينية، باعتبارها لا تبشّر بمجرد نظام حكم هو بكل المقاييس أكثر تخلفاً من غيره، بل هي تبشّر بنظام فكري ومذهبي يمدّ النظام السياسي بالشرعية التي يتطلبها، ومن أغرب الأمور أن السلطة الدينية للعالم الإسلامي والتي كانت تتخذ من الحجاز كمقر طبيعي لها، تحوّلت بمجرد ان احتل المجرم عبد العزيز للحجاز 1924-1926 إلى نجد أيضاً، ولا تزال نجد تمثل السلطتين السياسية والدينية لعموم المهلكة .
إن أحد أهم مسببات الحساسية بين مناطق شبه جزيرة العرب وأقاليمها، هو شعور أبناء الأقاليم الأخرى بأن النظام الحاكم لم يسلب منهم سلطاتهم السياسية لصالح إقليم منافس فحسب، بل سلب ـ كما في الحجاز ـ السلطة الدينية أيضاً والتي كان مُعترفاً بها في كل العالم الإسلامي، أو هو يسعى لبسط خياره المذهبي على الأقاليم الأخرى، تعزيزاً لهيمنة الأسرة الهالكة سياسياً.
ولا توصف العلاقة بين الداخل الصحراواي الذي تمثله نجد، وبين أقاليم الساحل، وعلى مر التاريخ، بأنها علاقة حسنة، فقد كان الإقليم الصحراوي أكثر إغراقاً في العصبيات القبلية، وأقلّ ميلاً للخضوع إلى السلطة المركزية، خاصة إذا كانت تلك السلطة تتخذ من الساحل مقراً لها وحتى في عصر الإسلام الأول، رأينا أن الحواضر المدنية أو الريفية في اليمن والبحرين (هجر والخط وأوال) والتي تسمى في الوقت الحالي الأحساء والقطيف والبحرين، كانت أسرع إنقياداً للدعوة الإسلامية.
وإقليم نجد وإن كان قد خضع ردحاً من الزمن ـ وبشكل صوري وإسمي في الغالب ـ ذإلى السلطة المركزية التي مثلتها المدينة المنورة أو الكوفة أو دمشق أو بغداد.. فإن سكان الإقليم قادوا العديد من التمردات التي يمكن وصفها بأنها تمردات ضد الحواضر، وأخذت في بعض الأحيان صفة دينية، كما لعبت القبائل النجدية دوراً سياسياً وعسكرياً هاماً في المناطق المجاورة، وبالخصوص في مناطق الشرق (ما يعرف بإقليم البحرين تاريخياً) واتخذت صفة الهجرة والإقامة في تلك المناطق الحضرية لدعم الحكم القائم هناك.
كانت رئة نجد التي تطلّ منها على العلم هي الحواضر الساحلية في الحجاز وموانئ الشرق، ولذا كانت محكومة في الغالب بسلطانها، وإن كانت نجد نفسها لا تفتح شهيّة حكام الحواضر للسيطرة عليها، لأن تكاليف السيطرة غالية جداً مقابل مردود محدود من الناحية الإقتصادية، حتى أن السلطات البريطانية كانت وإلى مطلع القرن العشرين تنتهج سياسة عدم التورط في شؤون الداخل الصحراوي، وركزت اهتمامها بالساحل إلا إذا ارتبطت أمور الساحل بتمدد من قبل سلطات الداخل، مثلما حدث فيما يسمى بـ "الدولة السعودية الأولى" التي توسعت حتى وصلت الى عُمان والساحل المتصالح، وقامت رأس الخيمة بمضايقة الإنجليز وحلفائهم عن طريق ما أسماه الغربيون بـ (القرصنة)، وحتى حملة محمد علي باشا التي قام بها لتدمير دولة آل سعود الأولى بالنيابة عن العثمانيين، كان من أهم أسباب عدم تحقيق نجاحها النهائي، أن إقليم نجد لم يكن مربحاً، بل لم يغطّي الجزء الضئيل جداً من تكلفة بقاء الحاميات والعسكر فيه.
لقد كانت أقاليم الساحل مكتفية اقتصاديا، وكان تدخلها في موضوع نجد محدوداً، وبعبارة أصح إنه لم يكن يستهدف السيطرة عليها، ويمكن الإستشهاد بحكم الخوالد والأشراف الذين لم يتدخلوا في الشأن النجدي إلا في نطاق محدود، وضمن خارطة التحالفات المحلية النجدية، لكن أحداً لم يفكر في إلحاق نجد بسلطة الساحل، بل يمكن القول أن خشية الحواضر من نجد كانت غير قليلة، رغم عدم وجود سلطة مركزية فيها، أو ربما بسبب غياب تلك السلطة، فجموح القبائل وتعدياتها كان من الأمور الإعتيادية، ولذا كانت سلطات الساحل مهتمة بمعالجة المخاطر التي قد تمتد من إقليم الوسط إليها، ولا شيء أكثر من ذلك.
في الطرف الآخر، كان الإقليم النجدي الذي تعصف به المجاعة والحروب الداخلية، وما يتبعها من هجرات كبيرة ومتواصلة الى أقاليم الساحل الحضري، يبحث عن حل يتغلب به على قسوة الطبيعة من جهة، وعلى الفوضى والتناحر الداخليين.. حل يعطي للإقليم الصدارة في صنع الأحداث والتحكم بمسارات الإقتصاد.
كان إقليم نجد بحاجة إلى رسالة تجديد وإحياء، فكانت الوهابية.
وبانبعاث سلطة الوهابيين في نجد وتوسيعها الى مناطق الساحل، بدأ التركيز على الهوية.. فالنجدي هو المجاهد دفاعاً عن التوحيد وأهله، وهو الجدير بالحكم دون غيره، وهو المسلم الموحد، ودياره هي أرض الإسلام وما عداها فأرض كفر وحرب، يجب اداخلها في الدين بسلطان القوة، وإذا لم يتمكن الموحدون من إدخال البلدة في حظيرة الإسلام فإن من الواجب مغادرتها باعتبارها ديار شرك يجب الهجرة منها، وأصبحت الإمتيازات السياسية والإقتصادية ـ وفق هذه النظرة ـ خاصة به، وفي وقت كان حكام آل سعود يغالون في استخدام أسلوب الغرامات الجماعية والمصادرات في المناطق المفتوحة والذي أشعل النقمة في النفوس، كانت نجد ترفل بالثراء بعد أن امتد سلطان الوهابية إلى المناطق الغنية، وكتب المؤرخين الوهابيين كابن بشر في كتابه بعنوان ـ المجد في تاريخ نجد ـ عن الكثير من الإشارات التي تدل على الثراء المفرط.