|
أحال نظام آل سعود 991 شخصًا إلى ما
يسمى بالقضاء الشرعي وكلهم متهمون
ومتورطون بأنشطة تتعلق بالإرهاب
والتكفير والتفجير ونشر فكر ما يسميه
النظام "الفئة الضالة"، منهم من هو
متهم بأعمال تفجير واقتناء أسلحة،
ومنهم من نظّر لهذه الأعمال عن طريق
أفكار وأطروحات انتشرت على الانترنيت،
أو جمع تبرعات لمساندة عمليات
التفجير، وهم كلهم إنتاج محلي وليس
مستوردًا من الخارج.
يصفهم النظام أنهم لم يفهموا الفكر
الذي قامت عليه دولتهم، بل اجتهدوا
اجتهادات خاطئة تؤدي إلى تطبيق حد
الحرابة والبغي والخروج على الحاكم،
ومن هنا جاءت عمليات تصحيح الفكر الذي
نسّقته الدولة مع أجهزتها الأمنية
والدينية والتربوية لتُصلح أصحاب هذا
الفكر الذين لم يطبقوه وينخرطوا في
أعمال العنف، أما هؤلاء الذين تجري
محاكمتهم حالياً فقد تجاوزوا محاولات
التصحيح واستبقوها لذلك لم يبق لهم
سوى المحاكمة.
ويلتزم النظام الصمت إزاء هذه
المحاكمات والتي تجري تحت حراسة
مشددة، فليس من المعروف أن هذه
المحاكمات ستكون علنية أم ستظل سرية،
وقد طالبت بعض جمعيات حقوق الإنسان
العالمية كـ/هيومن رايتس ووتش/ بوجود
مراقب من قبلها ولكن لم يعلن بعد عن
استجابة نظام آل سعود لهذا الطلب، ومن
المرجح أن تدار هذه المحاكمات من خلف
الكواليس بسرية تامة، لأنه إذا خرجت
تفاصيلها إلى العلن ستكون بمثابة
محاكمة مفتوحة للنظام ذاته، لسبب بسيط
وهو أن هذا النظام نفسه قد قام على
نفس الفكر الذي يحاكمه اليوم.
في الماضي قام نظام آل سعود على فكرة
"تطهير البلاد من البدع" وهو غطاء جمع
تحت أطيافه مشروعًا سياسيًا بحتًا ليس
له علاقة بالبدع، وكان اسلوبه منذ
البداية نفس الأعمال التي يتهم فيها
هؤلاء المجتمعين للمحاكمة.
ألم يُكفّر نظام آل سعود وشيوخه
مُجتمع الجزيرة العربية منذ القرن
الثامن عشر الميلادي.
ألم يرسل شيوخه الرسائل التي تنعت هذا
المجتمع بأبشع النعوت حين شبّهته بأنه
"مُجتمع مُنحرف أشد كفرًا من كفّار
قريش قبل الدعوة الإسلامية"!!.
ألم يستعمل هؤلاء العنف في المدن
والمساجد لقتل وترويع الأبرياء في
الحجاز، والقصيم، وعسير، وحايل، وبقية
مدن وقرى شبه جزيرة العرب كلها.
ألم يقتل آل سعود وشيوخهم الجهلة
المصلون في المساجد، ليس بسبب شركهم
كما زعموا زورًا وبهتانًا، وإنما فقط
للسيطرة على البلاد والعباد.
ألم يقطع "مجاهدو"نظام آل سعود النخيل
والأشجار، ويحرقوا المزارع في مدن
وقرى نائية فقط لمجرد ترويع خلق الله
والسيطرة عليهم.
ألم يحوّل آل سعود الجزيرة العربية
إلى ساحة حرب تدور رحاها من الشرق إلى
الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.
ألم يقطعوا طرق الحج ويروّعوا الحجاج،
ومنعوا الآلاف من حجاج بيت الله
الحرام القادمين من فجاج الأرض من
أداء فريضته والدخول إلى مكة.
ألم يأتوا بأيديهم إلى خراب هذه الأرض
مما استدعى تدخلاً خارجيًا ليقضي على
فتنتهم التي وصلت إلى كل الأماكن
وهددت السلام في مناطق عديدة من
العالم.
كان هؤلاء "المجاهدون" أو هكذا اصطلح
على تسميتهم هم الذين جلبوا التدخل
الخارجي حينما أنيطت مهمة تصفيتهم من
قبل الدولة العثمانية بمحمد علي وابنه
إبراهيم باشا.
والتكفير المتهم به مجموعة من "الفئة
الضالة" كما يسمّيهم النظام هم سمة من
سمات تأسيس نظام آل سعود، والمتهمون
الحاليون لم يخترعوا شيئًا جديدًا، بل
أنهم نتاج محلي لفكر قديم عمره أكثر
من 250 سنة، وأعمالهم ما هي إلا تطوّر
طبيعي لهذا الفكر الذي يستعمل اليوم
وسائل عصرية جديدة كالسيارة الملغومة
بدل قطع الأشجار وحرق المزارع.
إذن التكفير الحديث هو امتداد طبيعي
للتكفير القديم، ولقد جدّد هؤلاء
تعلّقهم بفكرهم وطوّروه ليتلاءم مع
متطلبات العصر الحديث، فبدل الخطب
النارية التكفيرية ورسائل العلماء
السابقة التي كانت تقرأ في المساجد
بعد صلاة الجمعة نحن اليوم أمام
أطروحات تكفيرية تُنشر بوسائل عصرية
خاصة منها "الانترنيت".
وتعتمد هذه الرسائل على أفكار علماء
الدعوة النجدية، ونستطيع أن نجزم أن
شخصًا واحدًا من المتهمين لم تكن
مرجعيته من خارج نطاق هؤلاء الأئمة
القدامى، خذ مثلا أطروحة احد المتهمين
/ناصر الفهد/ والذي بيّن فيها كفر من
أعان الأمريكان، في كتيب انتشرت عند
بدء الاستعدادات الأمريكية لغزو
أفغانستان عام 2000 و2001. ويستعمل
ناصر الفهد نفس المنطق والمنهج الذي
اعتمد عليه طيف كبير من علماء آل سعود
في القرن التاسع عشر عندما فرّ أحد
أمراء آل سعود وطلب مساعدة الوالي
العثماني ضد أحد منافسيه من آل سعود.
واليوم كل ما قام به الفهد هو إسقاط
الفتاوى السابقة على الحالة العصرية
عندما حرّم إعانة الغزاة الأمريكان في
حربهم ضد نظام طالبان والذي اعتبره
النظام التقي الذي يطبق الإسلام ويرفع
رايته، وهذا هو بالفعل موقف الحكومة
السعودية والتي كانت قد اعترفت بنظام
طالبان منذ بداية تأسيسه ولم تقطع
علاقاتها معه وتسحب اعترافها إلا بعد
الضغط الأمريكي. وها هو نظام آل سعود
يلعب الآن دور الوساطة بين طالبان
وحكومة كارزاي.
فإذا كانت تهمة التكفير تهمة موجهة
إلى "الفئة الضالة" كما يسميهم
النظام، فنفس التهمة تنطبق على تاريخ
حافل بالأمثلة والوقائع التي تؤكد أن
نظام آل سعود قام على التكفير ذاته
منذ أيامه الأولى، وهو بالتالي "فئة
ضالة" بل أكثر ضلالاً.
وإذا انتقلنا إلى الحرابة فهي أيضا
سمة قديمة التزم بها السلوك السياسي
للنظام، والأعمال التي تهدد أمن
المجتمع وتتلاعب بسلامته كانت وسيلة
فعالة في ترويع مواطني الجزيرة وتشتيت
شملهم وتهجيرهم من ديارهم، وبالإضافة
إلى أعمال العنف التي تزامنت مع تأسيس
النظام كانت هناك سلسلة من الإجراءات
التي قوضت الرعب الاقتصادي على البشر
من مصادرة أراضيهم ومطاردتهم وتضييق
سبل العيش عليهم حتى هربت جموع كبيرة
من قبائل الجزيرة إلى دول الخليج
المجاورة وبلاد الشام والعراق.
أما "الخروج على الحاكم" فهو أيضًا
نمط قديم تأصّل في الفكر الذي أدّى
إلى نشوء نظام آل سعود نفسه الذي خرج
على الدولة العثمانية التي وصفها آل
سعود ووصموها بالكفر لتبرير تملّصهم
من السلطة المركزية، وليس هذا فحسب،
بل أن هناك الكثير من رموز آل سعود
الذين خرجوا على أقاربهم وهددوا حكمهم
بالزوال، فقد خرج الأمير المعروف بـ"سعود
الكبير" على حكم عبد العزيز بن سعود
عندما التجأ إلى قبيلة العجمان
واستنجد بها ليقوّض الدولة في سنواتها
الأولى.
وكذلك ألم يخرج الملك فيصل على حكم
أخيه الملك سعود في الستينات مما أدى
إلى خلع الملك بعد تدخل العلماء الذين
أفتوا بعدم أهلية سعود للحكم.
هناك الكثير من الأمثلة الأخرى لا
يسعنا أن نعددها هنا ولكنها مؤصلة في
كتب ومراجع تاريخية تجعلنا نعتقد بأن
هناك حبلاً طويلاً يربط ما يُسمى
"الفئة الضالة" الحالية بأصولها
ومراجعها القديمة.
إن معظم كتابات "الفئة الضالة"
الحالية كما يسميها النظام تعكس قراءة
متعمقة وفهمًا جادًا لمنابعها
الفكرية، وليس "سوء فهم" كما يدّعي
نظام آل سعود وقضاته، فمن ناصر الفهد،
إلى سليمان العلوان، مرورًا بعلي
الخضير، وفارس الشويل، نجد تواصلاً
فكريًا عميقًا بين شيوخ النظام
السابقين وممثليهم الحاليين، ولم يأت
هؤلاء بشيء جديد، ولم يستحدثوا بدعة،
كذلك لم تكن مرجعيتهم يومًا ما سيد
قطب أو حسن البنا أو غيرهم من إسلاميي
مصر والعالم الإسلامي، بل كانت
مرجعيتهم شيوخهم الراحلين وممثليهم
الحاليين من شيوخ الصحوة قبل
تراجعاتهم، وشيوخ المؤسسة الدينية
الرسمية التابعة لنظام آل سعود من مات
منهم ومن ما زال حيًا.
إن محاكمات "الفئة الضالة" لو قدّر
لها أن تكون علنية فإنها ستستعرض
معضلة نظام آل سعود على الملأ، وهي
معضلة دولة تنكّرت لفكرها وبدأت
تحاكمه من خلال مجموعة كبيرة من أبناء
الوطن.
ولو أن النظام يحاكم أفراده على خلفية
فكر مستورد أو مُبتدع جديد لكان الأمر
سهلاً ومحسومًا، لكن محاكمة الذات
ستبقى أقسى محكمة في تاريخ نظام آل
سعود، وتتطلب محاكمة الذات قدرة إقناع
كبيرة من أجل الفصل بين من ضلّ عن فكر
النظام، ومن بقي مواليًا له، إنها
عملية تمحيص ونبش للماضي وفكره
واستئصال الأمور التي قد تؤدي إلى
تفعيل عمليات التفجير والقتل والتدمير
دون أن يفقد النظام كل موروثه الفكري،
لأن فقدان هذا الموروث سيحدث فراغًا
وعدمًا لا تستطيع خطابات "حوار
الأديان والتقارب" أن تملأه، وإن كانت
هناك حقيقة ثابتة ارتبطت بقيام النظام
فهي تنطلق من كون فكره يأبى أن يُروّض
ويُدجّن مهما كثرت المؤسسات المناطة
بها عملية الترويض.
ومنذ 1927 وحتى هذه اللحظة يشتعل هذا
الفكر ويثور، ويحاول النظام إطفاء
الحريق بمساعدة خارجية من طائرات
بريطانية في العشرينيات من القرن
المنصرم، إلى كاميرات المراقبة في
العصر الحديث، وأجهزة التنصّت
الحالية، ورغم كل ذلك سيبقى نظام آل
سعود أسيرًا للحلقة المفرغة التي تدور
فيها هي وأنصارها، دون أن تجد المخرج،
وهي معركة ليس فيها خاسر ومنتصر، بل
هي معركة أزلية ودوامة يدفع مجتمع
الجزيرة ثمنها يوميًا.
|