|
الحجازيون هم أهل مكة والمدينة والطائف وما بينها، مثل الأبواء، ورابغ، وينبع، وجدة ، وتلك هي المناطق التاريخية للحجاز ، ( نقلا عن خولة الهاشمي في دراستها عن أشراف الحجاز ).
وإذا أخذنا بالجغرافيا الضيّقة اختصرنا الأمر على أهل مكة والمدينة ، ثم يمكن اختصارها في القرشيين والأنصار دون غيرهم ، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن من استقر في الأماكن المقدسة من غير الحجازيين صار واحداً منهم بعد أن تطبّع بطباعهم المتسامحة، هذا على المستوى الشعبي أو العامي، ولكن على المستوى السياسي فإن أشراف الحجاز ظلت لهم مكانة الحكم والتفسير لأحكام الدين، أي أنهم نزلوا بمنزلة الرأس من الجسد، أو العين من الرأس، وظل للإشراف مكان الريادة في حكم الحجاز نيابة عن الخليفة الحاكم عباسيًا كان أو عثمانيًا.
وقد شهد لهم التاريخ بالتسامح مع كل المسلمين، وظل هذه الوضع قائمًا إلى أن جاء الهجوم الوهابي على تلك المناطق المقدسة.
وتشير الوثائق المصرية ( الفترة المصرية العثمانية )(1228 /1256هـ ) (1813 /1840 م ) التي تعتبر من أهم المصادر التي تشرح تاريخ أشراف الحجاز في تلك الفترة بالذات، إلى أن النظام الجديد ( نظام محمد علي ) قد احتفظ لشريف مكة بمركزه السامي بين الأشراف ليكون وسيلة لفض أي خلافات أو نزاع يقوم بينهم، ويعفي أحمد باشا حاكم الحجاز من إقحام الحكومة في خلافات داخلية بين الأشراف قد تشغله عن مهمته وتجرّ المتاعب بغير جدوى، وقد تمثّل ذلك في رسالة بعث بها محمد علي إلى الشريف يحيى يمتدح فيها وساطته بين أشراف العبادلة عندما نشبت فتنة فيما بينهم وقتل فيها عدد من الأشراف، فتدخل الشريف يحيى ((وأصلح ذات بينهم بحسب قانونهم )) فيقول له :
علمت هذا فسررت مما ظهر على هذه الصورة بين الأشراف من غيرتكم الذاتية وحميتكم الفطرية فيما أن ذاتكم الهاشمية الحميدة الصفات هي الملجأ الذي يرجع إليه أفراد الأشراف، فالأصوب هو أن تتفضلوا فيما بعد لصرف الهمة في تهيئة ما يوجب التأليف بينهم من الوسائل المرضية وفي استكمال أمر رفاهة حالهم وهدوء بالهم (
وفي وثيقة بتاريخ 25صفرسنة 1238هـ (نوفمبر1822 ) أرسل /محمد علي/ إلى محافظ مكة رسالة جاء فيها:
))جاء في الإثني عشر كتاباً المرسلة إلينا من حضرة صاحب السيادة الشريف يحيى أمير مكة مع تابعه الحاج حسين آغا أنه بينما الأحوال والنظام المتّبع بين أشراف الحجاز يقضي عليهم أن يطيعوه ويراعوا الواجب نحوه، فإن بعضهم قد عمد إلى مخالفة ذلك مما أوجب كدره، وقد كتب له الرد بما استلزمه الأمر، وعنينا باطمئنان قلبه، إلا أنه يجب أن تستقدموا إليكم الشريف عبد الله والشريف راجح عواجي ، وجميع من حذا حذوهم وأن تلفتوا نظرهم إلى مقام إمارة الشريف المشار إليه، وأن تعرّفوهم أن عليهم أن يعتبروه كبير الأشراف وأن يرجعوا إليه في الأمور التي تقع بين الأشراف حسب أمورهم المقرّرة، وأن يراعوا بذلك أواصر المودة . . . واجتهدوا في ألاّ يسمحوا لأنفسهم أن يأتوا بحركة منافية لمصالحنا. .
.هذا ولما كان بعض الشرفاء الذين يعملون مع الحكومة في بعض الجهات معذورين في اتخاذ الإجراءات التي تستوجبها مهامهم، فقد كتبت إلى الشريف يحيى بشأن عدم التعرض لهم فراعوا هذه الناحية أيضا وتقيّدوا بها في حديثكم مع الشريف ((.
كما نورد هنا قصة تظهر غيرة الأشراف (بعكس آل سعود فيما بعد) من أية إهانة توجه للإسلام ورموزه، صحيح أن بعض الأشراف وقعوا ضحية خدعة الإنجليز فتعاونوا معهم، مثل الشريف حسين، ولكن تلك قصة أخرى، فالشريف حسين ربط أطماعه الشخصية بمحاولة الحصول على الاستقلال أثناء الحرب العالمية الأولى، وهذا يحتاج لحديث مستقل، وما نورده من حادثة تدلل على أن الحجازيين تمكّنوا من الرد على إهانة وجهت لهم من قنصل أجنبي، "بخلاف ما حدث ولازال يحدث في عهد آل سعود "، بعد أن أجبر الحجازيون على السكوت على إهانة الإسلام نفسه، وهذه الحادثة وقعت بجدة زمن حكم الأشراف ، ذكرها من أرّخ تلك الفترة.
ولعظمة الحادثة وأحداثها المأساوية، أردتُ نقلها لكم للفائدة والعبرة، لمشابهتها من وجه لفتنة الدنمرك التي أهانت فيها نبي الإسلام ولم يحرك آل سعود ساكنًا.
يقول صاحب كتاب " خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام " ( ص 367-370) متحدثًا عن وصول الشريف عبد الله باشا من طرف الدولة العثمانية لتولي حكم الحجاز:
)وينبغي أن نذكر هنا الفتنة التي كانت بجدة قبل وصوله من دار السلطنة، وكانت بعد وفاة والده، لأن الفتنة المذكورة كانت في السادس من ذي القعدة سنة أربع وسبعين ( 1274 )، وملخصها إجمالاً أن ـ صالح جوهرـ أحد التجار بجدة وكان له مركب منشور فيه بنديرة الإنكليز، "البنديرة هي البيرق
ـ العلم ـ" ، فأراد أن يغيّرها ويجعل فيه بنديرة من بنديرات الدولة العلية، فسمع بذلك قنصل الإنكليز، فمنعه من ذلك فلم يمتنع، وأخذ رخصة من ـ نامق باشا ـ فأذن له بوضع بنديرة الدولة العليّة وكتب له منشوراً بذلك، فوضعها ونشرها، وأزال بنديرة الإنكليز، فطلع قنصل الإنكليز البحر ودخل المركب المذكور، وأنزل بنديرة الدولة التي نُشرت، ونشر بنديرة الإنكليز، وشاع أنه لما أنزل بنديرة الدولة وطئها برجله وتكلم بكلام غير لائق، فغضب لذلك المسلمون الذين في جدة، فهاجوا هيجة عظيمة، وقصدوا دار القنصل وقتلوه، وثارت من ذلك فتنة عظيمة قتلوا فيها غيره من القناصل الموجودين ومن كان بجدة من النصارى، ونهبوا أموالهم، وأرادوا أن يقتلوا
ـ فرج يسرـ وهو أحد التجار المشهورين بجدة لكونه كان محامياً عن قنصل الإنكليز ومعدوداً من رعيتهم، فاختفى، فأراد عوام الناس أن ينهبوا داره فمنعهم من ذلك عبد الله نصيف وكيل مولانا الشريف محمد بن عون بجدة، وكان نامق باشا بمكة والشريف علي باشا القائم مقام الإمارة كان قد توجه إلى المدينة المنورة لمقابلة الحج، فلما جاء خبر هذه الفتنة لنامق باشا اهتم لذلك، ثم توجه إلى جدة وسكّن الفتنة، وقبض على بعض الناس الذين نُسب إليهم القتل والنهب ووضعهم في السجن، وأرسل إلى الدولة العلية يخبرهم بما وقع في هذه الفتنة، وطلع إلى مكة لأداء الحج.
فلما كان الثالث من أيام التشريق والناس بمنى، جاء الخبر من جدة بأنه جاءهم مركب حربي للإنكليز وصار يرمي بالمدافع المحشوة بالقُلل على جدة، فخرج كثير من الناس من جدة هاربين بنسائهم وأولادهم وأموالهم ركباناً ومشاة، فانزعج الناس من ذلك انزعاجاً شديداً، فلما فرغ الناس من أداء مناسك الحج، ونزلوا من منى، عقد نامق باشا في مكة مجلساً في ديوان الحكومة أحضر فيه كثيراً من العلماء والتجار وأعيان الناس، وأحضر كثيراً من تجار جدة الذين قدموا مكة لأداء الحج، وكانوا حضروا وقوع الفتنة حين وقعت بجدة، وأخبرهم بمجيء المركب الحربي الذي جاء من الإنكليز وبضربه القلل على جدة وبخروج كثير من الناس منها وقال لهم:
" القصد المشاورة معكم فيما يحصل به تسكين هذا الأمر " ، فقال له كثير من الحاضرين: إن الإسلام ولله الحمد قوي وأهله كثيرون، وذكروا له عدد قبائل الحجاز مثل هذيل، وثقيف، وحرب، وغامد، وزهران، وعسير، وأنكم لو تعطون الناس رخصة ينفرون نفيراً عاماً فيجتمع من ذلك الألوف فيدفعون تعدّي الإنكليز ولا يرضون أن يقع عليهم هذا الذل ".
فقال لهم نامق باشا :
" هذا العدد الذي ذكرتموه من قبائل العرب صحيح، بل يوجد مثله أضعافاً مضاعفة، لكن إذا اجتمعت هذه القبائل غاية ما يقدرون عليه أنهم يصلون إلى مكة وجدة وبعد ذلك يدفعون هذا المركب عن جدة فيحصل من الإنكليز وغيرهم من النصارى تسلّط على بقية مدائن الإسلام، ويجتمعون على محاربة الدولة العلية، وليس عند هؤلاء القبائل التي اجتمعت قدرة على الدفع عن بقية مدائن الإسلام لأنه ليس عندهم مراكب يعبرون فيها ولا ذخائر ولا جبخانات ولا مدافع ولا شيء مما يحتاج إليه أيضاً، مرادنا دفع هذا الضرر الآن، ولا يجتمع هؤلاء القبائل إلا بعد مدة طويلة، فلابد من التدبير الآن في دفع هذا الضرر بالسرعة ".
فقال بعض التجار الحاضرين :
" يأذن لنا أفندينا في تغريق هذا المركب الحربي الذي جاء يرمي بالمدافع المشحونة بالقلل على جدة، فإن كثيراً من أهل البحر الموجودين تحت أيدينا لهم معرفة وصناعة بتغريق المراكب يأتونها من تحت الماء ويغرقونها ببرامات يجعلونها في المراكب ".
فقال لهم:
" ليس هذا صواباً، فإنكم إذا أغرقتم مركباً يأتيكم بعده عشرة مراكب، وإذا أغرقتم العشرة يأتيكم مائة، وهكذا، فيتسلسل الأمر ولا يزول الضرر، وأيضاً ربما يتركون جدة، ويتوجهون إلى إضرار بقية مدائن الإسلام، وإنما الأحسن في تدبير هذا الأمر أنا نتداركه باللطف وحسن السياسة بأن نتوجه إلى جدة أنا وكثير من أعيانكم ونجتمع بقبطان هذا المركب ونعقد معه أمراً يندفع به الضرر".
فاستحسنوا رأيه، فتوجهوا إلى جدة وأخذ معه رئيس العلماء الشيخ جمال شيخ عمر ومعه من العلماء الشيخ صديق كمال، والشيخ إبراهيم الفتا، والشيخ محمد جاد الله، وشيخ السادة السيد محمد بن إسحاق ابن عقيل، وتجار جدة الذين كانوا جاؤوا للحج، فلما وصلوا إلى جدة، صار اجتماعهم بالقبطان المذكور، وعقدوا مجلساً صار القرار فيه على أنه يصير تحقيق هذه القضية ويحصل الانتقام ممن وقع منه التعدي في هذه الفتنة، ويكون ذلك بعد رفع الأمر إلى الدولة العلية وانتظار الجواب منها بما يأمرون به، ورضي الجميع بذلك وكتبوا به مضبطة وختموها بأختامهم.
"يتبع"
|