دور آل سعود في العراق

 
 

أسعد راشد
بغداد

 
 

عندما تقرر السعودية علناً التخلي عن "اللباقة الدبلوماسية" والدخول مباشرة في خطاب هستيري بشأن العراق والتهديد بأنها سوف تتدخل لصالح السنة ودعمهم لقتل الشيعة فان هذا يعني أن آل سعود قد وصلوا إلى نقطة الصفر وخرجوا من القضية العراقية صفر اليدين وفشلوا في تحقيق أهدافهم التي منّوا النفس بها من خلال دعمهم اللا محدود لإسقاط النظام العراقي السابق واستباحة العراق بالكامل على الوضع الذي نراه اليوم .
لقد كان هم السبب في إشعال ثلاثة حروب في المنطقة وإيصال العراق وشعبه إلى الهاوية والى خراب في كل مؤسسات البلاد المدنية, وعلى الرغم من كل ما قدمه هذا النظام الفاسد لاستباحة العراق شعبًا وأرضًا فإنه قد خسر كل أوراقه واخفق في تحقيق أي نفوذ له من خلال الجماعات التي تمكنت مخابرات نظام آل سعود من صنعها في العراق بالمال .
وقد جاء التهديد في أول الأمر على لسان نواف عبيد المستشار الأمني في حكومة آل سعود من خلال مقال نشر في صحيفة "واشنطن بوست" كشف فيه عن خطة نظامه واستراتيجية أسرة آل سعود والوهابية إزاء الأوضاع في العراق حيث قال نواف أن أي انسحاب أمريكي من العراق سيتبعه تدخل سعودي كبير وضخم لمنع ما وصفه قيام الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران بذبح السنة !! ـ علامة تعجب من عندنا ـ .
والغريب أن نواف لم ينشر مقاله في أي صحيفة عربية ولا إسلامية بل كان متعمدًا أن ينشره في الصحيفة الأمريكية ويتبعه بعد عدة أيام بنفي ما جاء في المقال وأن ما تضمنه لا يعكس موقف حكومة آل سعود !! ولدرأ الشكوك فقد قام نظام آل سعود بإقالة المستشار الأمني نواف عبيد ! ليس معاقبة له على تصرفه الفردي وإنما لقيامه بكشف أو الاستعجال بكشف استراتيجية آل سعود إزاء العراق ووضعه الداخلي .
أما لماذا قام نواف بنشر المقال في الصحيفة الأمريكية فإن هناك رأيين للمراقبين والمطلعين على خفايا السياسة الأمريكية ومواقفها الغامضة تجاه بعض الملفات الساخنة في المنطقة ‘ الرأي الأول يقول: إن دوائر في الاستخبارات الأمريكية هي التي تقف خلف نشر المقال وبالتالي فإنها تريد ومن خلاله إيصال رسالة إلى حكومة آل سعود مفاده أن أمريكا سوف تدعم تدخل آل سعود في العراق لدعم السنة بالمال والسلاح وهو بمثابة ضوء أخضر له, فيما يرى الرأي الآخر أن نشر المقال يؤكد على وجود مخطط أمريكي لإشغال نظام آل سعود الذي هو منبع ومصدر الإرهاب والفكر المتطرف بالوضع الداخلي العراقي لاستنزافه وجر أقدامه إلى الوحل العراقي لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية أمريكية :
الهدف الأول: الانتقام من آل سعود ودورهم في تصدير الإرهابيين للعالم وتسببهم في أحداث 11 سبتمبر التي أودت بحياة الآلاف من المواطنين الأمريكيين والتي وجهت ضربة موجعة لهيبة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال ضرب البرجين العالميين واستهداف رمز وقوة الجيش الأمريكي ونظامه أي "البنتاغون"‘ والسماح بتدخل نظام آل سعود في العراق سوف يوفر على أمريكا الكثير من الأموال والرجال والسمعة في سبيل إضعاف نظام آل سعود وإسقاطه, وهو هدف لطالما يصبوا إليه قادة كبار في الإدارة الأمريكية, ولم يخفي بعضهم عن البوح به, بل دعا العديد منهم إلى التخلص من نظام آل سعود وإسقاط الأسرة الحاكمة كون أنها ترعى وتحتضن الإرهاب وفيها مدارس تفرّخ الإرهاب وتصدّره إلى العالم .
الهدف الثاني: صحيح أن حكومة آل سعود بذلت الكثير من الأموال والسلاح لدعم التطرّف في العراق وأنها سهّلت عملية تجهيز الأفراد والانتحاريين ـ أغمض الأمريكيون العين عنهم ! ـ للذهاب إلى العراق لتنفيذ أعمال القتل والاغتيال والتفجير وساعدت القوى الطائفية في ارض الرافدين لذبح أبناء العراق وخاصة الشيعة وقيامهم بعمليات تهجير وتقتيل واسعة ضدهم, إلا أن ذلك لم يكن مؤثرًا في إحداث تغيير داخل الوضع الداخلي لنظام آل سعود, ولم يقلل من شأن الأصوليين المتطرفين الوهابيين في مؤسسات دولة آل سعود ونفوذهم السياسي والديني حيث مازال مشايخ القتل والتكفير لهم كلمتهم في القرار الرسمي السياسي, والدليل هو البيان الأخير لجمع من مشايخ ما يسمّى بـ "الوهابية" ضد الشعب العراقي وشيعته بالتحديد وتحريضهم لشباب ورجال العرب في العالم للذهاب إلى العراق لقتل الشيعة ونشر التطرّف ‘ لذلك فان أمريكا تجد في تدخل آل سعود المباشر في العراق خير وسيلة للقضاء على ما تبقى من المتطرفين والأصوليين وعلى نظام آل سعود بأكمله, كون أن أي حرب يشعلها نظام آل سعود ويتدخل فيها مباشرة كطرف ستكون هي المقتل لذلك النظام, وبالتالي استئصال "السرطان" الوهابي من جذوره وهو أمر لن يتأتّى لأمريكا من خلال الهجوم المباشر على نظام ال سعود ولا من خلال إشعال الوضع الداخلي في شبه جزيرة العرب الذي مازال متماسكًا بسبب أموال النفط وشراء الذمم والتفاف مشايخ التكفير حوله.
إن الأمريكيين بعد دراسة مستفيضة وبمشاركة لجنة "بيكر هاملتون" وصلوا إلى نتيجة غير خافية على أحد وهي أن الوضع في العراق خطير ومتدهور وأن الأطراف الإقليمية لها دور في استقراره أو تخريبه أكثر ‘ لذلك قرروا اتخاذ خطوات سريعة من شأنها إبعادهم عن التورط أكثر وفي نفس الوقت تساعدهم على نجاح مشروعهم وعدم خسارة العراق كموقع قدم, وهذا الأمر لن يتأتّى إلا عبر زجّ الطرف الأكثر دعمًا وتصديرًا للإرهاب في العراق وفي غيره من دول المنطقة والعالم, وهذا الطرف هو نظام آل سعود تمهيدًا لإضعافه ومن ثم إسقاطه لتخليص المنطقة والعالم من شر أسوأ نظام ظلامي متطرف يرعى مدارس تخريج الإرهابيين والأصوليين عرفه التاريخ .
ومن هنا ورغم نفي نظام آل سعود لما جاء في مقال نواف عبيد و ادعاءه بأنه لا يمثل موقف الحكومة, إلا أن هناك عدة قرائن أثبتت أن ما جاء في ذلك المقال بدأ يجد طريقه إلى الظهور والكشف والتنفيذ, حيث خرجت تصريحات وتقارير مؤكدة تفيد بأن نظام آل سعود ليس فقط ماضي في دعم مخططه لإشعال الفتنة الطائفية في العراق من خلال التحريض على قتل الشيعة, بل أنه بدأ بسلسلة خطوات عملية ليس آخرها البيان الطائفي لمجموعة من مشايخ القتل والفتوى الوهابية الذي صدر من الرياض ودون ان تتدخل الحكومة لمسائلتهم أو ملاحقتهم قضائيًا, خاصة وأن البيان فيه تحريض صريح وواضح على قتل الشيعة وإباحة دمائهم ‘ كما أن زيارة ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الأخيرة إلى الرياض والاجتماع بقادة آل سعود لمدة ثمانية ساعات اعتبره المراقبون بأنه موافقة أمريكية على مخطط آل سعود, خاصة مع ورود تقارير حول أن نظام آل سعود قد بدأ منذ فترة بتدريب كتائب تتشكل من الوهابيين للزج بهم من خلال الحدود لداخل العراق تنفيذًا للخطة واستعجالاّ لأمر لم يستوعبه نظام آل سعود بعد وهو أن نهايته قد بدأت وأن الوهابية في طريقها إلى الزوال معه .