|
من تحصيل الحاصل، وتوضيح الواضح القول: إن الشِرك هو أن يدعو الإنسان مع الله إلهاً آخر، بحيث إذا قيل له:
لا إله إلا الله نفر واستكبر، كما في الآية 35 من سورة الصافات: «أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلاّ الله يستكبرون» والآية 5 من سورة ص:
"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب" .
ومن هنا فإن الأحراز والتمائم، واستعمال الرقي والتعاويذ والتطيّر والتشاؤم، وزيارة القبور والصلاة عندها، والتمسّح بها، والتعمير عليها، والحلف بغير الله، وما إلى ذاك لا توجب تكفير الإنسان المُسلم كما فعل الوهابيون..
وعلى افتراض أن هذه الأمور من المحرّمات فإنها من الفروع التي لا تمت إلى التوحيد والأصول بسبب قريب ولا بعيد، وفعلها لا يوجب الكفر ولا الارتداد، بل ولا الحد، ولو أوجب الكفر لما وجد على وجه الأرض مسلم.
والآن نوجه هذه الاسئلة إلى الوهابيين:
قلتم: إن تعمير القبور والتمسّح بها، والطواف حولها، والصلاة لله عندها شِرك، بل قلتم: إن من شكّ وتوقّف عن تكفير من كفّرتم فهو كافر، وإن لم يتعمّد المنكر، بل توقف تورعاً واحتياطاً.. ولم تستثنوا قبراً واحداً من وجوب الهدم، حتى قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم..
إذن، لماذا هدّمتم قبور الأئمة الأطهار في البقيع، وتركتم قبره الشريف؟.
لماذا وقفتم «بالإصلاح» حسب مفهومكم في منتصف الطريق؟..
يقول حفيد الدعي محمد عبد الوهاب في "فتح المجيد" ص242:
"إن عكوف الناس على قبور الأنبياء أعظم، واتخاذها مساجد أشد"، وعليه فقبر الرسول أولى بالهدم، لأنه الأصل، وقبور الآل فرع.
ثم لماذا تمنعون الناس من التمسّح بقبره عليه السلام، وتحيطونه بسياج من الشرطة يمنعونهم من الدنو منه، وتدعونهم يطوفون حوله، ما دام كل من التمسّح والطواف محرماً، وربما كان الطواف أشد؟.
ثم إن مسجد الرسول الحالي قائم على قبره وقبر أبي بكر وعمر، إن جزءاً منه قائم على هذه القبور، وقد قام الوليد بن عبد الملك بهدم المسجد الذي كان على عهد الرسول، وادخل فيه بيوت أزواجه، ومنها بيت عائشة الذي فيه القبور الثلاثة، فصارت هذه القبور ضمن المسجد الموجود الآن، إذن، فالقسم الذي ضم هذه القبور ليس جزءً من مسجد الرسول، لأنه قد حدث بعده، وعلى مذهبكم يجب هدم هذا الجزء الحادث، مع أنكم تقيمون الصلاة جماعة في تمام المسجد الحالي، أي أن كثيراً من المؤتمّين بكم يصلّون في الجزء الحادث الذي فيه القبور، وقد صرح أئمتكم بأنه لا تجوز الصلاة في مسجد بُني على قبر، لأن ذلك يفضي إلى الشرك على حد تعبير
ـ ابن تيميه ـ في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" ص404، بل لا تجوز الصلاة فريضة في مسجد بُني بين القبور، لا عليها، كما قال حفيد الدعيّ محمد عبد الوهاب في "فتح المجيد" ص243.
وإذا لم تجز الصلاة في مسجد بين القبور، فيكف فسحتم المجال لمن يأتي بكم في مسجد، أو في جزء من مسجد توجد القبور في قلبه ووسطه، مع أن ذلك يفضي إلى الشرك بزعمكم؟ وأي فرق بين أن تصلّوا أنتم في هذا الجزء، أو ترضو بالصلاة فيه، بل تكونوا أئمّة لمن صلّى فيه؟.. أليس معنى هذا أنكم من الذين يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما ينكرون، ويكفّرون الناس بما يرتكبون؟..
أم أن كل شيء جائز في منطق الوهابيين.. عباقرة تكفير الأمة.. ونوابغ تشتيت شملها، وتفتيت وحدتها..
وسؤال آخر لا أخير نوجهه اليكم ـ أيها الوهابيون ـ نوجهه للاستفهام لا للتعجيز، ولتقارنوا وتوازنوا بين آرائكم بعضها مع بعض، وهذا هو السؤال: هل عمارة القبور وإقامة المساجد عليها أعظم إثماً عند الله، أم تكفير من قال:
لا إله الا الله محمد رسول الله، وإباحة دمه وماله وذراريه؟.
وبالتالي، فإن المسلمين إذ يعظّمون النبي، ويتوسلون به إلى الله تعالى، ويطلبون منه الشفاعة فإنما يفعلون ذلك من باب أنه وسيلة وليس غاية، وطريق لا هدف، وبهذا يحصل التوازن والتعادل بين الإيمان بالله كمُبدي الخلق ومُعيده، وبين الإيمان بمحمد كنبي مقرّب، وشفيع مُشفع عليه الصلاة والسلام.
|