|
لقد وقع الوهابيون في أشد مما فرّوا منه، لقد زعموا أنهم فرّوا من التأويل، فوقعوا في الإسراف والتعسّف، وهربوا من القول بالرأي إلى القول بالجهل، والرجم بالغيب.. ذلك أنهم زعموا أن يد الله، وكفّه، وعينه، وأذنه الخ " تعالى الله عما يصفون" لا تشبه أعضاءنا هذه في شيء فراراً من مشكلة التشبيه.
وبديهي أن اليد ظاهرة في هذا العضو المعروف، وهو لا ينفك عن المادة بحال، وكذلك العين والسمع، وما إليهما، فإن أبقينا اللفظ على ظاهره كما يقول الوهابيون يلزم أن يكون الله جسماً، كسائر الأجسام، وهم لا يلتزمنون به، وإن صرفناه إلى غير هذه اليد والعين والسمع يلزم التأويل، وقد فرّوا منه، وإن حملناه على معنى مجهول عند السامع والمخاطب، وذلك بأن تكون له يد لا كالأيدي، وعين لا كالأعين على حد تعبيرهم وقعوا في التعسّف، وهو أشد سوء من التأويل، وبكلمة إن أبقوا اللفظ على ظاهره جاءت مشكلة التجسيم، وإن حملوه على معنة مجهول جاء التعسّف..
فتعيّن تأويل اللفظ تأويلاً معقولاً بحمله على معنى يتلاءم مع جلال الله وعظمته على أن تتحمله الصورة اللفظية، ولا يأباه الذوق السليم، كحمل اليد على القدرة، لأنها مظهر لها، والسمع والبصر على العلم، لأنهما سبيلان إليه، وحمل الوجه على الظهور، لأنه المعنى البارز، والاستواء على الاستيلاء، ورؤية الله على رؤيته بالبصيرة لا بالبصر، لأن كلاً منهما طريق إلى المعرفة، إلى آخر ما ذكره المفسّرون وعلماء المعاني والبيان.
وهذا موضوع شائك جداً أحجم عنه الأنبياء والمرسلون، قال علي أمير المؤمنين رضي الله عنه :
«تفكّروا في خلق الله، ولا تفكّروا في ذات الله» ومع ذلك خرج علينا جهابذة الوهابية بتفسيرات وتأويلات لذات الله جلّت قدرته وتعالى اسمه من شأنها أن تزجّ بمن يردّدها ويعتقد بها إلى نار جهنم وبئس المصير، من خلال نسبهم له الايدي والارجل والاعين، كما شرحنا سابقًا، تعلى الله عما يصفون .
|