| |
يقول الجاسوس البريطاني
همفر:
كانت دولة بريطانيا العظمى تفكر منذ وقت طويل حول إبقاء الإمبراطورية واسيعة كبيرة كما هي عليها الآن، من شروق الشمس على بحارها حين تشرق وغروبها في بحارها حين تغرب.
وقد كانت دولتنا كانت صغيرة بالنسبة إلى المستعمرات الكثيرة التي كنا نسيطر عليها في الهند والصين وفي الشرق الأوسط وغيرها, صحيح أننا لم نكن نسيطر سيطرة فعلية على أجزاء كبيرة من هذه البلاد لأنها كانت بيد أهلها، إلا أن سياستنا فيها كانت سياسة ناجحة وفعالة، وكانت في طريق سقوطها بأيدينا كليا فكان اللازم علينا أن نفكر مرتين, مرة لأجل إبقاء السيطرة على ما تم السيطرة عليه بالفعل, ومرة لأجل ضمّ ما لم تتم السيطرة عليه فعلاً إلى ممتلكاتنا ومستعمراتنا .
وقد خصّصت وزارة المستعمرات لكل قسم من أقسام هذه البلاد لجانًا خاصة لأجل دراسة هذه المهمة، وكنت أنا من حسن الحظ موضع ثقة الوزير منذ دخلنا هذه الوزارة.
ولذا كنا نضع الخطط الطويلة الأمد لأجل سيطرة التفرقة والجهل والفقر وأحيانا المرض على البلاد المُستهدفة .
لكن الذي كان يقلق بالنا هو البلاد الإسلامية، على الرغم من أننا عقدنا مع الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) عددًا من المعاهدات وكلها كانت في صالحنا، وكانت تقديرات خبراء وزارة المستعمرات أن الرجل المريض سيلفظ نفسه في أقل من قرن.
في تركيا
أوفدتني وزارة المستعمرات عام (1710) إلى كل من مصر والعراق وطهران والحجاز والأستانة لأجمع المعلومات الكافية التي تعزّز سبل تمزيقنا للمسلمين، ونشر السيطرة على بلاد الإسلام.
وبعد سفرة مضنية وصلت إلى الأستانة وسمّيت نفسي (محمدًا) وأخذت أحضر للمسجد (مكان اجتماع المسلمين لعبادتهم) وراقني النظام والنظافة والطاعة التي وجدتها عندهم، وقلت في نفسي: لماذا نحارب نحن هؤلاء البشر؟ ولماذا نعمل من أجل تمزيقهم وسلب نعمهم؟ هل أوصانا المسيح بذلك؟ ...
وقد التقيت هناك بعالم طاعن في السن أسمه (أحمد أفندم)... ومن حسن الحظ أنه لم يسألني - حتى مرة واحدة- عن أصلي ونسبي...
بعد إتمام سنتين من مكثي في (الأستانة)، استأذنت العودة إلى وطني...
كان الواجب الوطني يجبرني للرجوع إلى لندن لتقديم تقرير مفصّل عن الأوضاع في عاصمة الخلافة، ولأتزود بأوامر جديدة حول مهمتي.
وقد جرت العادة طيلة مكوثي في الأستانة أن أقدم كل شهر تقرير عن حالي وعن التطورات وعما شاهدته إلى وزارة المستعمرات البريطانية...
رفاق الرحلة
كان الرفاق التسعة الآخرون الذين توجهوا إلى مهام مماثلة قد تلقوا أوامر من الوزارة لحضورهم إلى لندن كما تلقيت أنا أيضًا، ولكن لسوء الحظ لم نرجع إلا ستة فقط , أما الأربعة الآخرون فقد صار أحدهم مسلمًا وبقى في مصر كما أخبرنا بذلك السكرتير، لكن السكرتير أظهر ارتياحه بأنه لم يفش السرّ, وألتحق أحدهم بروسيا وقد كان هذا من أصل روسي، وكان السكرتير يبدي قلقًا شديدًا حوله ليس لأنه ألتحق بوطنه الأم ولكن لأن السكرتير كان يظن أن الرجل كان جاسوسًا للروس في وزارة المستعمرات, وعندما انتهت مهمته رجع إلى بلاده, وكان الثالث قد مات في مدينة عمارة (بلد في طرف بغداد) على أثر وباء أجتاح البلاد هناك على ما أخبرنا السكرتير بذلك, أما الرابع فلم يعلم أحد عن مصيره إذ راقبته الوزارة حتى وصوله إلى (صنعاء) في اليمن من بلاد العرب، وكانت تقاريره ترسل بانتظام إلى الوزارة لفترة سنة، ثم انقطعت بعد ذلك، وكلما حاولت الوزارة الاطلاع على أحواله لم تحصل على شيء, وقد كانت الوزارة تعتبر خسارة كل واحد من العشرة كارثة، حيث كنا نحسب لكل إنسان حسابًا دقيقًا, فنحن أمة قليلة العدد كبيرة المهام، وفقدان أي إنسان من هذا الطراز كان كارثة عندنا.
التقرير الاول
كنت قد نجحت نجاحًا باهرًا في تعلم التركية والعربية والقرآن والشريعة، لكني لم أحرز نجاحًا في تقديم تقرير يدل الوزارة على مواقع الضعف في الدولة العثمانية, وبعدما انفضّت الجلسة التي دامت ستة ساعات، لفت نظري السكرتير إلى نقطة الضعف، فقلت له أن مهمتي كانت تعلّم اللغة والشريعة والقرآن، ولذا لم أبذل وقتًا كافيًا لغير ذلك، وسوف أكون عند حسن ظنكم في السفرة القادمة أن أوليتم ثقتكم بي.
تفاصيل مهمته الثانية
قال السكرتير: لا شك أنك ناجح لكني آمل منك أن تحرز قصب السبق في هذه الحلبة، أن مهمتك يا همفر في السفرة القادمة أمران هما:
أولاً - أن تجد نقطة الضعف عند المسلمين والتي نتمكّن بها من أن ندخل في جسمهم ونبدّد أوصالهم ، فإن أساس النجاح على العدو هو هذا.
ثانيًا - أن تكون أنت المباشر لهذا الأمر إذا ما وجدت نقطة الضعف، فإن استطعت تنفيذ المهمة فسوف أطمئن بأنك أنجح العملاء وستستحق وسام الوزارة.
وهكذا بقيت في لندن مدة ستة أشهر... وإذا بالأوامر الصارمة تصدر من الوزارة في أن أتوجه إلى إقليم العراق، البلد العربي الذي استعمرتة الخلافة منذ زمن طويل.
"
يتبع"
|
|