قراءة جديدة في مذكرّات جاسوس بريطاني "2"

 
 

عبد الباسط الدوسري
 جدة

 
 

الوصول الى العراق

 ذات مرة ذكرت لبعض رؤسائي في الوزارة اختلاف السنّة والشيعة وقلت لهم إنهم لو كانوا يفهمون الحياة لتركوا النزاع ووحّدوا كلمتهم, فنهرني الرئيس قائلاً الواجب عليك أن تزيد الشقّة لا أن تحاول جمع كلمة المسلمين, وبهذه المناسبة إن السكرتير قال لي في إحدى الجلسات التي اجتمعت معه قبل سفري إلى العراق:

 أعلم يا همفر أن هناك نزاعات طبيعية بين البشر منذ أن خلق الله (هابيل وقابيل) وستبقى هذه النزاعات إلى أن يعود المسيح: فمن النزاعات لونية \ ومن النزاعات قبلية \ ومن النزاعات إقليمية \ ومن النزاعات قومية \ ومن النزاعات دينية ومهمتك في هذه السفرة أن تتعرف على هذه النزاعات بين المسلمين وتعرف البركان المستعد للانفجار منها، وتزود الوزارة بالمعلومات الدقيقة حول ذلك، وإن تمكنت من تفجير النزاع كنت في قمة الخدمة لبريطانيا العظمى, فإننا نحن البريطانيين لا يمكننا العيش في الرفاة إلا بإلقاء الفتن والنزاع في كافة المستعمرات، كما أننا لا يمكننا تحطيم السلطنة العثمانية إلا بإلقاء الفتن بين رعاياها، وإلا كيف تتمكن أمة قليلة العدد من أن تسيطر على أمة كبيرة العدد؟

 فاجتهد بكل قواك كي تجد الثغرة وأن تدخل من الثغرة، وليكن في علمك أن سلطة الترك وسلطة الفرس قد ضعفتا فليس عليك إلا أن تثير الشعوب على حكامها كما ثار الثوار في كل التاريخ ضد الحكام، فإذا انشقت كلمتهم وتفرّقت قواهم، ضمنا استعمارهم من أسهل طريق.

 وجدت مكاناً عند نجّار تعاقدت معه... وكان اسمه (عبد الرضا) وكان شيعيًا فارسيًا من أهالي (خراسان)، وقد انتهزت فرصة وجودي عنده أن أتعلم منة اللغة الفارسية، وكان الشيعة العجم يجتمعون عنده كل عصر ويتكلمون بكل أقسام الكلام من السياسة إلى الاقتصاد، وكانوا يتهجّمون على حكومتهم كثيرًا, كما يتهجّمون على الخليفة في الأستانة، أما إذا جاء زبون لا يعرفونه انقطعوا عن الكلام وأخذوا يتكلمون في قضاياهم الشخصية، وأنا لا أعلم كيف وثقوا بي كل هذه الثقة لكني علمت أخيرًا أنهم ظنّوا أني من أهالي (أذربيجان) حيث علموا أني أعرف اللغة التركية، وساعدهم على هذا الظن لوني المائل إلى البياض، اللون الغالب على أهالي (أذربيجان)، وهنا وعلى هذه الحالة تعرّفت على شاب كان يتردّد على هذا الدكان يعرف اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية، وكان في زى طلبة العلوم الدينية ويسمى (محمد عبد الوهاب)، وكان شابًا طموحًا للغاية عصبّي المزاج، ناقمًا على الحكومة العثمانية, وكان سبب صداقته مع صاحب المحل (عبد الرضا) هو أن الاثنين كانا ناقمين على الخليفة، وإني لا أعلم من أين كان هذا الشاب يعرف اللغة الفارسية مع أنه كان من أهل السنّة, وكيف صادق مع (عبد الرضا) الشيعي؟

 إن كلا الأمرين لم يكونا غريبين، ففي البصرة يلتقي السنّي بالشيعي كأنهما إخوة كما يعرف الكثير من القاطنين في البصرة اللغتين الفارسية والعربية، وأن كثيرًا منهم يعرف أيضًا اللغة التركية.
 

" يتبع"