قراءة جديدة في مذكرّات جاسوس بريطاني "5"

 
 

عبد الباسط الدوسري
 جدة

 
 

سحب رداء الإيمان ذات مرّة تكلمت مع الشيخ محمد عن الصوم وقلت له: إن القرآن يقول (وأن تصوموا خير لكم) ولم يقل إنه واجب عليكم، فالصوم بنظر الإسلام مندوب وليس واجب، لكنه قاوم الفكرة وقال لي:

 يا محمد تريد أن تخرجني من ديني؟ قلت له: يا عبد الوهاب إن الدين هو صفاء القلب وسلامة الروح وعدم الاعتداء على الآخرين، ألم يقل النبي (الدين الحب)؟ وألم يقل الله في القرآن الحكيم (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)؟ فإذا حصل للإنسان اليقين بالله واليوم الآخر، وكان طيّب القلب نظيف العمل كان من أفضل الناس, لكنه هزّ رأسه علامة النفي وعدم الارتياح. ومرة أخرى قلت له:

 الصلاة ليست واجبة, قال: وكيف؟ قلت: لأن في القرآن يقول الله (وأقم الصلاة لذكري) فالمقصود من الصلاة ذكر الله تعالى، فلك أن تذكر الله تعالى عوضًا عن الصلاة, قال محمد:

 نعم سمعت أن بعض العلماء كانوا يذكرون الله تعالى في أوقات الصلاة عوضًا عن الصلاة, ففرحت لكلامه أيّما فرح، وأخذت أنفخ بهذا الرأي حتى ظننت أني استوليت على لبّه، وبعد ذلك وجدته لا يهتم لأمر الصلاة، فأحيانًا يصلّي وأحيانًا لا يصلّي خصوصًا في الصباح، فإنه كان يترك الصلاة غالبًا، حيث كنت أسهر معه إلى بعد منتصف الليل, وغالبًا كان منهوك القوى عند الصباح فلا يقوم للصلاة. وهكذا أخذت أسحب رداء الإيمان من عاتق الشيخ شيئًا فشيئًا, وأردت ذات مرة أن أناقشه حول الرسول لكنه صمد في وجهي صمودًا كبيرًا، وقال لي:

 إن تكلمت بعد ذلك حول هذا الموضوع قطعت علاقتي بك, وخشيت أن ينهار كل ما بنيته، من أجل ذلك أحجمت عن الكلام، لكني أخذت في إذكاء روحه في أن يكون لنفسه طريقًا ثالثًا غير السنّة والشيعة، وكان يستجيب لهذا الإيحاء كل استجابة، لأنه يملأ غروره ويعزز تحرّره. وبفضل (صفية) التي دامت علاقتها معه بعد الأسبوع أيضًا في متعات متعددة بدون عقد جديد هذه المرة تمكّنا من الأخذ بقيادة الشيخ محمد بشكل كامل. وذات مرة قلت للشيخ:

 هل صحيح أن النبي آخى بين الصحابة؟ قال: نعم, قلت: هل أحكام الإسلام وقتية أم دائمة؟ قال محمد: بل دائمة لأن الرسول يقول (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة, وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة) قلت: إذا فلنتواخى أنا وأنت.

 ومنذ ذلك الحين كنت أتبعه في كل سفر وحضر، وكنت أهتم لأن تأتي الشجرة التي غرستها ثمارها التي صرفت لأجلها أثمن أوقات شبابي, وكنت أكتب بالنتائج إلى وزارة المستعمرات في لندن كل شهر مرة, كما كانت عادتي منذ أن خرجت من لندن, وكان الجواب يأتي بالتشجيع الكافي، فكنت أنا ومحمد نسير بالطريق الذي رسمناه بخطي سريعة، ولم أكن أفارقه لا في السفر ولا في الحضر، وكانت مهمتي أن أنمّي فيه روح الاستقلال والحرية، وحالة التشكيك، وكنت أبشّره دائمًا بمستقبل باهر وأمدح فيه روحه الوقّادة ونفسه النفّاذه.

 ولفّقت له ذات مرة (حلمًا) فقلت له أني رأيت البارحة في المنام رسول الله - وصفته بما كنت سمعته من خطباء المنابر - جالسًا على كرسي وحوله جماعة من العلماء لم أعرف أحدا منهم, وإذا بي أراك قد دخلت ووجهك يشرق نورًا فلما وصلت إلى الرسول قام الرسول إجلالاً وقبّل بين عينيك وقال لك: يا محمد أنت سمييّ ووارث علمي والقائم مقامي في إدارة شؤون الدين والدنيا (فقلت أنت) يا رسول الله إني أخاف أن أظهر علمي على الناس؟

 فقال رسول الله لك:

لا تخف إنك أنت الأعلى. فلما سمع محمد مني هذا المنام كاد أن يطير فرحًا، وسألني مكررًا هل أنت صادق في رؤياك؟ وكلما سأل أجبته بالإيجاب حتى أطمئن، وأظن أنه صمّم منذ ذلك اليوم على إظهار أمره في هذه الأيام جاءتني الأوامر من لندن بأنه عليّ أن أتوجه إلى (كربلاء) و(النجف) مهوى قلوب الشيعة ومركز علمهم وروحانيتهم، ولهذين البلدين قصة طويلة.
 

" يتبع"