قراءة جديدة في مذكرّات جاسوس بريطاني "7"

 
 

عبد الباسط الدوسري
جدة

 
 

بداية البذرة وجلب ابن سعود للجانب البريطاني قال السكرتير لي بعدما بيّن البرنامج المذكور: لا يهولنك هذا البرنامج الضخم فإن الواجب علينا أن نبذر البذرة وستأتي الأجيال الآتية ليكملوا المسيرة، وقد اعتادت حكومة بريطانيا العظمى على النفس الطويل، والسير خطوة خطوة، وهل محمد النبي إلا رجل واحد تمكن من ذلك الانقلاب المذهل؟ فليكن (محمد عبد الوهاب) مثل نبيه (محمد) ليتمكن من هذا الانقلاب المنشود خرجت قاصدًا نحو البصرة، وبعد سفرة مضنية وصلت إليها ليلاً، وذهبت إلى دار (عبد الرضا) وكان نائمًا، ولما رآني رحب بي واستقبلني استقبالاً حارًا, ونمت هناك حتى الصباح, وقال لي: إن الشيخ محمد رجع إلى البصرة ثم سافر وأودع عندي كتابًا موجّهًا إليك, وفي الصباح قرأت الكتاب وإذا به يخبرني فيه أنه سافر إلى نجد، وقد ذكر عنوان محله في نجد.

 سافرت في الصباح وجهة نجد ووصلتها بعد مشقة بالغة, وجدت الشيخ محمد في داره، وقد ظهرت عليه آثار الضعف فلم أبح له بشيء، ثم تبيّن لي فيما بعد أنه تزوج وأنه يُنهك قواه مع زوجته، فنصحته بالإقلاع فسمع كلامي، وقد صار القرار بين وبينه أن أجعل نفسي عبدًا له قد اشتراه من السوق, وأن العبد الآن جاء من السفر، وهكذا كان، فشهر عند أصدقائه أني عبده اشتراه من البصرة وأنه كان في سفر أمره به, وأنه جاء الآن، وتلقاني الناس بهذا الاسم وبقيت عنده سنتين وهيأنا الترتيب اللازم لإظهار الدعوة في سنة 1143 هجرية قويت عزيمته وقد جمع أنصارًا لا بأس بهم فأظهر الدعوة بكلمات مبهمة وألفاظ مجملة لأخصّ خواصّه، ثم جعل يوسّع رقعة الدعوة، وألففت أنا من جهتي حوله عصابة شديدة المراس زوّدناهم بالمال, وكنت أشد عزيمتهم كلما أصابهم خوف من أجل مهاجمة أعدائه، وكلما أظهر الدعوة أكثر صار أعدائه أكثر، وأحيانًا كان يريد التراجع بسبب ضغط بعض الإشاعات ضده، لكني كنت أشد من عزيمته، وأقول له:

 أن محمد النبي رأى أكثر من ذلك وأن هذا طريق المجد, وأن كل مُصلح لابد وأن يتلقّى العنت والإرهاق. وهكذا كنا مع الأعداء بين الكرّ والفرّ وقد وضعتُ على أعداء الشيخ جواسيس اشتريتهم بالمال، فكلما أرادوا إثارة فتنة أخبرنا الجواسيس بقصدهم فنتمكّن من قلب الخطة، وذات مرة أُخبرتُ أن بعض أعدائه أرادوا اغتياله فوضعتُ الترتيبات اللازمة لإفشال الخطة، ولما ظهر قصد أعدائه بإرادتهم (اغتيال الشيخ) انقلبت الخطة عليهم وأخذ الناس ينفرون منهم. لقد وعدني (الشيخ) بتنفيذ كل الخطة السداسية إلا أنه قال: أنه لا يتمكن في الحال الحاضر إلا على الإجهاز ببعضها, وهكذا كان، وقد استبعد الشيخ أن يقدر على (هدم الكعبة) عند الاستيلاء عليها، كما لم يبح عند الناس بأنها وثنية, وكذلك استبعد قدرته على صياغة قرآن جديد, وكان أشد خوفه من السلطة في (مكة) وفي (الأستانة) وكان يقول:

إذا أظهرنا هذين الأمرين لابد وأن يُجهّز إلينا جيوش لا قبل لنا بها، وقبلت منه العذر لأن الأجواء لم تكن مهيأة, كما قال الشيخ. بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة في لندن من جلب (محمد بن سعود) إلى جانبنا فأرسلوا إليه رسولاً يبيّن لي ذلك ويظهر وجوب التعاون بين (المحمدين) فمن محمد عبد الوهاب الدين, ومن محمد السعود السلطة، ليستولوا على قلوب الناس وأجسادهم، فإن التاريخ قد أثبت أن الحكومات الدينية أكثر دوامًا وأشدّ نفوذًا وأرهب جانبًا, وهكذا كان, وبذلك قوي جانبنا قوة كبيرة, وقد اتخذنا من (الدرعية) عاصمة للحكم (والدين الجديد( وكانت الوزارة تزوّد الحكومة الجديدة سرًا بالمال الكافي, كما اشترت الحكومة الجديدة في الظاهر عددًا من العبيد كانوا خيرة ضباط الوزارة الذين دُرّبوا على اللغة العربية والحروب الصحراوية, فكنت أنا وإياهم (وعددهم أحد عشر) نتعاون بوضع الخطط اللازمة, وكان (المحمدان) يسيران على ما نضع لهما من الخطط ، وكثيرًا ما نناقش الأمر مناقشة موضوعية إذا لم يكن هناك أمر خاص من الوزارة. وهكذا تزوجنا جميعًا من بنات العشائر، وقد أعجبت بإخلاص المرأة المسلمة لزوجها, وبذلك اشتبكت أواصر الصلة بيننا وبين العشائر أكثر فأكثر, والأمر الآن يسير من حسن إلى أحسن، والمركزية تتقوّى يومًا بعد يوم, وإذا لم تقع كارثة مفاجئة فقد بذرت البذرة الصالحة لأن تنمو وتنمو حتى تؤتي الثمار المطلوبة. وبعد... فتلك كانت أجزاء من مذكرات الجاسوس البريطاني

 ـ همفرـ والتي احتوت على الكثير من المعلومات الهامة عن كيفية تمكن المخابرات البريطانية من تجنيد الدّعي محمد بن عبد الوهاب ثم محمد بن سعود فيما بعد لخدمة أهدافها في ضرب ما تبقى من السلطنة العثمانية في شبه جزيرة العرب, ومن خلالها ضرب تنامي الإسلام في المنطقة , وهو هدف لم يخفي الإنجليز حقيقة كونه أنه كان في تلك الفترة من أهم أهدافهم الاستراتيجية. وما كشفته هذه المذكرات أن كلا الرجلين محمد بن عبد الوهاب, ومحمد بن سعود, كانا ومنذ البداية مجرد عميلين بعلمهما أو بدون علمهما لوزارة المستعمرات البريطانية, وأنهما قبلا العمل مع من قام بتجنيدهم لتحقيق هدف الحكومة البريطانية .

هذا من جهة , ومن جهة أخرى, فقد عمل كلا الرجلين على تنفيذ المخطط الخاص بهما وهو محاولة ضرب المسلمين في عقيدتهم, ومحاولة بلبلة أفكارهم بأقوال ونظريات جديدة دخيلة على الإسلام تلبس لباسه, وحقيقة أمرها العمل ضده على طول الخط , وهكذا خرجت للعالم ما أطلقوا عليه اسم ( الوهابية ) التي عملت منذ اللحظة الأولى لوجودها على تكفير كافة المسلمين ما لم يؤمنوا بتلك النظرية ويؤّدوا دعاتها , وهو الأمر الذي ترتّب عليه مقتل مئات الآلاف من أبناء شبه جزيرة العرب بشكل خاص ممن عارضوا ووقفوا في وجه تلك البدعة . والان .. فالامر في غاية الوضوح .. فالعمالة واضحة , والبدعة أوضح, والعملاء وإن تفرّخوا وازدادوا عددًا فإن منهجهم مستهجن من كافة المسلمين منذ وجد وحتى الآن ,رغم الدولارات والريالات .
 

" إنتهت"