|
أخذت الازدواجية التي تكرّست مبدئيًا كورقة عمل بين الحركة الوهابية وبين آل سعود كسلطة سياسية، ومنذ البداية طابعاً شبه ابتزازي واستغلالي في التعامل بين الجانبين، أي بين اتباع محمد بن عبد الوهاب وتلامذته وبين آل سعود وحاشيتهم، إذ إن الوهابيين اتّخذوا من السلطة السياسية وسيلة لفرض مذهبيتهم بالقوة والعصبية القبلية النجدية خصوصًا، وبالتالي حصلوا على مساندة السلطة في تصدير هذه المذهبية على المستوى الخارجي كتطلع واستشراف لبسط مذهبيتهم خارج حدود شبه جزيرة العرب، بدعوى السلفية وإصلاح العقيدة وما إلى ذلك من المصطلحات التي يتذرعون بها ويتوهّمون في أنفسهم أنهم وحدهم المؤهلون للتبليغ وفهم العقيدة على وجهها الصحيح، أما غيرهم "بزعمهم" فليسوا سوى "مبتدعة" وهذا الشعار هو محتوى كل خطاباتهم ومدار نقاشاتهم وأفكارهم المذهبية، بحيث يوظفونه بشكل إسقاطي وضيّق حتى يمكن أن يوصف بأنه "كلمة حق أريد بها تضييق مجالاته"، مما يؤدي إلى تصادم كبير بينهم وبين الفئات الإسلامية عبر أنحاء العالم من أهل السنّة أنفسهم، وقبل ذلك الشيعة وطوائفهم المختلفة.
وهكذا عرفت عدة جهات من العالم الإسلامي تسرّب الوهابية تحت عدة غطاءات منها ذات طابع ثقافي على شكل نشر تآليف تخدم المذهبية الوهابية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، كطبع فتاوى ابن تيمية، وكتب ابن قيم الجوزي، وكتب محمد بن عبد الوهاب وأخباره، والتآليف المدافعة عن سلفيته وما إلى ذلك، والتي يتم وبدعم مالي من نظام آل سعود طبعاً وتوزيعها بالمجان على العامة، وبالإضافة إلى ذلك، إحداث مراكز ثقافية في مختلف البلدان الإسلامية أو التي توجد فيها جاليات إسلامية ورعايتها عن طريق سفارات آل سعود الحارس السياسي الأمين للمذهبية الوهابية بالتدخلات المباشرة أو بالوساطات والتمويل وما إلى ذلك.
وهكذا يمكن أن يتوفر المال وتسهيلات السفر وإنشاء الجمعيات لكل من يعلن انتماءه للوهابية بالتأييد وانتقاده لأولياء الله الصالحين، وخاصة الصوفية منهم، بل إذا كان الشخص من المثقفين والكتاب فإنه يبادر إلى طبع كتبه في أسرع وقت وبتشجيع مادي وإعلامي مهم جدًا!
شرط أن يكون الكتاب يطرح موضوع البدعة بالمفهوم الوهابي الضيّق ويطرح رفض التوسّل بالأولياء والصالحين، وتبديع من يشدّ الرحال لزيارتهم، وما إلى ذلك من الآراء التي أصبحت من أهم خصوصيات الوهابية في الجدل والمراء والتفسير الضيّق والسطحي للنصوص الإسلامية.
أما إذا كان المؤلف ممن يخالف المذهب الوهابي ولو في جزئياته فإنه قد تصادر كتبه بل قد يرفض طبعها حتى لو كانت أهم من الكتب الوهابية وأصدق تعبيرًا وأعمق فكرًا، إذ أصبح الفكر لدى أغلبيتهم محتكرًا بسلاطة اللسان وسيف السلطان، وهذه السلاطة والتحكم في صياغة أسلوب الدعوة على المنهج الوهابي سيتعدى مجتمعهم ليصبح ذا أثر سلبي على تعامل فئات من المسلمين في شتّى بقاع الأرض.
وسأعرض بعض نماذجه فيما يحكيه الدكتور /محمد سعيد رمضان البوطي/ من مشاهد واقعية وحديثة تبيّن هذه الآثار السلبية لاستغلال الوهابية للمال والسلطان في الدعوة التي يرومون فرض مذهبيتهم من خلالها.
وفي هذا يقول:
"كنت في هذا العام المنصرم 1406 هـ واحدًا ممن استضافتهم رابطة العالم الإسلامي للاشتراك في الموسم الثقافي، وأتيح لي بهذه المناسبة أن أتعرف على كثير من ضيوف الرابطة الذين جاءوا من أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا وأكثرهم يشرفون في الأصقاع التي أتوا منها على مراكز الدعوة الإسلامية أو يعملون فيها، والعجيب الذي لا بد أن يهيّج آلامًا ممزّقة في نفس كل مسلم أخلص لله في إسلامه أنني عندما كنت أسأل كلاً منهم عن سير الدعوة الإسلامية في تلك الجهات أسمع جوابًا واحدًا يطلقه كل من هؤلاء الإخوة على انفراد بمرارة وأسى خلاصته:
المشكلة الوحيدة عندنا هي الخلافات والخصومات الطاحنة التي تثيرها بيننا جماعة السلفية...
ولقد اشتدت هذه الخصومات منذ بضع سنوات في مسجد واشنطن إلى درجة ألجأت السلطات الأمريكية إلى التدخل ثم إلى إغلاق المسجد لبضعة شهور! ...
ولقد اشتدت هذه الخصومات ذاتها واهتاجت في أحد مساجد باريس منذ ثلاثة أعوام حتى اضطرت الشرطة الفرنسية إلى اقتحام المسجد، والمضحك المبكي بآن واحد أن أحد أطراف تلك الخصومة أخذته الغيرة الحمقاء لدين الله ولحرمة المساجد لما رأى أحد الشرطة داخلاً المسجد بحذائه فصاح فيه أن يخرج أو يخلع حذاءه ولكن الشرطي صفعه قائلاً :
"وهل ألجأنا إلى اقتحام المسجد على هذه الحال غيركم أيها السخفاء؟!".
وفي إحدى الأصقاع النائية حيث تدافع أمة من المسلمين الصادقين في إسلامهم عن وجودها الإسلامي وعن أوطانها وأراضيها المغتصبة تصوّب إليهم من الجماعات السلفية سهام الاتهام بالشرك والابتداع لأنهم حسب زعمهم "قبوريون توسليون"، ثم تتبعها الفتاوى والاتهامات.
ويقول هؤلاء الإخوة متحسّرين: "يا عجباً لإخوة يرموننا بالشرك مع أننا نقف بين يدي الله كل يوم خمس مرات ونقول: "إياك نعبد وإياك نستعين" ولكن النداء يضيع ويتبدد في الجهات دون أي متدبّر أو مُجيب! " .
"
يتبع"
|