|
إن "جماعة السلفية" لا يُقصد بها في أغلب الاستعمال الاصطلاحي المعاصر غير الجماعة الوهابية التي تريد أن تحتكرمصطلح السلفية لصالحها وتحصره بصفة خاصة في ثالوث تاريخي مرحلي يمثله ابن تيمية، وابن قيم الجوزي، ومحمد بن عبد الوهاب، وهذا الثالوث سيعرف حضوراً مهما لدى أغلب الجماعات الإسلامية من حيث صياغة أفكارها واستنزافها لمفهوم السلفية، وخاصة تلك التي لها تطلعات سياسية من حيث المبدأ والغاية، والتي أصبح يصطلح على توجهاتها وأفكارها جزافًا بـ"الإسلام السياسي"، وذلك لارتباط الدعوة عند هؤلاء ارتباطًا مبدئيًــا ونهائيًا بالسياسة واعتماد السلطة والعنف في فرض المذهبية الخاصة.
أما فيما يخص استغلال نظام آل سعود كسياسة للمذهبية الوهابية فإنها أوسع من استغلال الوهابية كمذهبية فقهية أو دعوية لذلك النظام، إذ ستصبح تلك الامتيازات المخوّلة لعلماء الوهابية في داخل المجتمع الوهابي أو خارجه ليست سوى طعم سياسي يعتمد سلاح العلم المُحرّف في إضفاء المشروعية على كل خطوة سياسية سواء وافقت الشريعة الإسلامية في غايتها أم لم توافقها، إذ سيدخل هذا الطعم السياسي العلماء الوهابيين في مرحلة أو في حقل علمنة الفتوى الشرعية، وهكذا ستكون تلك الامتيازات المخوّلة لعلماء الوهابية وأذيالهم في الخارج بمثابة تعويض عن أخطر دور يقومون به لإضفاء المشروعية على تصرفات نظام آل سعود السياسية سواءً على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية.
فقادة نظام آل سعود كما يقول
/رجاء غارودي/
"يمكنهم بفضل وسائلهم الضخمة تمويل جميع الحركات الإسلامية في العالم كله لخدمة مقاصدهم".
فعلى المستوى الداخلي أفتى علماء الوهابية بإيعاز من السلطة الحاكمة عند وجود خلافات داخل البيت الحاكم حول من يستحق السلطة بترجيح كفّة هذا الذي يؤيّدونه على الآخر الذي لا يجد من طرفهم قبولاً، دون مراعاة الاستحقاقات الدستورية "إن كان يوجد دستور" وما إلى ذلك، ولكن سلاح الفتوى يستعمل في تغيير دواليب الحكم والسياسة بمجرد الميل المُفتعل، وحسب منطق السلطة للغالب أو تحت ستار المصلحة العامة والتي لا تعني سوى مصلحة البيت الحاكم وقوة عصبيته، وبذلك يكونون مُقرّرين للتغيير السياسي في الظاهر بينما في الحقيقة ليس لهم دور سوى التبرير والتمرير.
وقد ظهر هذا الأمر بوضوح في فتوى العلماء الوهابيين مثلا حينما انحازوا إلى صف الأمير فيصل في صراعه مع أخيه الملك سعود في نوفمبر 1964.
فإن الفتوى التي أصدروها كانت هي المرجع الأخير الذي أنهى الصراع لصالح الملك فيصل الذي صار ملكا وإبعاد أخيه سعود عن الحكم.
واحتوت فتوى العلماء الوهابيين على فكرة منع الفتنة وتحقيق المصلحة العامة" .
وكذلك توظف الفتوى عند حدوث أي طارئ سياسي معارض لنظام آل سعود، إذ يلجأ إلى الفتوى إما بالتبديع أو التكفير أو ما إلى ذلك حسب مقتضيات الموقف السياسي وإيعازاته، وذلك كفتوى استعمال القوة بالسلاح لإنهاء حركة المتمردين على نظام آل سعود في حادث اقتحام الحرم المكّي، وكل ذلك كان يتم بتغطية إعلامية وإضفاء المشروعية عليه بفتاوى وهابية لا يستسيغها أو يقرها العلماء من غير الوهابيين.
"يتبع"
|