|
إن الذي لم تستطع أن تجد له الوهابية في ثوبيها المذهبي الفقهي والسياسي مبررًا مُقنعًا فكريًا وشرعيًا لضمان الحفاظ على تطلعاتها في توسيع دائرة تأثيرها خارج مركزها، هو ذلك الاضطراب الذي أصاب علماء الوهابية وساستها معًا في مواجهة ما يُعرف بأزمة الخليج وتداعياتها بحيث ما بين عشية وضحاها انقلبت الفتاوى ووسائل إعلامها رأساً على عقب، وأصبح موضوع "الولاء والبراء" الذي كانت تتغنّى به الوهابية كمكسب سلفي خاص بها موضع التأويل والإسقاط والتحريف للحقائق الشرعية التي لا تقبل التأويل.
فبالأمس كان علماء الوهابية يعتبرون الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الغرب الصليبي شرّ الدول وأعدى عدو للإسلام والمسلمين، فما أن دخل العراق إلى الكويت بجيوشه بسبب صراع خاص، حتى سارع ساسة الوهابية إلى استعداء الغرب على العراق وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وهذا ما كان يتحرّج من إبدائه علنًا الساسة الوهابيون منذ تأسيس نظام آل سعود، وخاصة في عهدها الثاني، إذ كما يقول غارودي :
"إن الشاغل الأساسي لقادة آل سعود هو إخفاء انحيازهم الكامل للغرب، فمنذ 1913 وقبل إنشاء المملكة سنة 1928 وقّع عبد العزيز معاهدة القطيف مع بريطانيا العظمى التي تلتزم هذه الأخيرة بموجبها في الدفاع عنه مقابل التزامه بالخط السياسي البريطاني، وجرى تحديد تلك العلاقات – علاقات الحماية من جهة والإذعان من جهة ثانية - في معاهدة جدة سنة 1927 ووفّت انجلترا بالتزاماتها، فقامت سنة 1948 بسحق انتفاضة القطيف المسلحة ...".
) .
وهذه العلاقات التي تميّزت بها دولة آل سعود الوهابية في عهدها الثاني فيما يخص الاحتماء أو الاعتماد على الغرب في الحماية ورعاية المصلحة المشتركة ربما قد تُزكّي الشُبهات المُثارة حول التأسيس الأولي سواءً للحركة الوهابية كمذهب دعوي مشبوه، أو لنظام آل سعود كجهاز سياسي، وذلك فيما يتعلق بدور الجاسوس البريطاني (مستر همفر) في التقريب بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود، والذي يقول بالحرف الواحد:
"بعد سنوات من العمل تمكّنت الوزارة ـ وزارة المستعمرات البريطانية
ـ من جلب محمد بن سعود إلى جانبنا، فأرسلوا إليّ رسولاً يُبيّن لي ذلك ويُظهر وجوب التعاون بين (المُحمّدين)، فمن محمد بن عبد الوهاب الدّين، ومن محمد بن سعود السلطة، ليستولوا على قلوب الناس وأجسادهم، فإن التاريخ قد أثبت أن الحكومات الدينية أكثر دوامًا وأشدّ نفوذًا وأرهب جانبًا".
ثم يُبيّن كيف تمّ التركيز على محمد بن عبد الوهاب لتوظيفه كمطية للسياسة والذود عنه بسلاح الفتوى، فيقول:
"أتتنا أوامر الوزارة بالتوجه إلى العراق مرة أخرى لتكميل الشوط مع محمد بن عبد الوهاب، وقد أمرني سكرتير وزارة المستعمرات بأن لا أفرّط في حقّه مقدار ذرّة حيث قال: أنه حصل من مختلف التقارير الواردة إليه من العملاء أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أفضل شخص يمكن الاعتماد عليه ليكون مطية لمآرب الوزارة"
"مذكرات مستر همفر".
طبعة المركز الإسلامي بروما ص 80 -81 .
؛ مجلة "الإسلام وطن" عدد(2) ص 30.
وهذه الاعترافات جاءت على لسان شخص مسؤول كان يتولى باعترافه تنسيق مواقف المُحمّدين كما وصفهما، وهو تنسيق من المؤكد أنه لم يكن يستهدف سوى تحقيق مصلحة بريطانيا وما يخدم مشاريعها في المنطقة، خاصة وأنها وجدت في الرجلين خير معين على تنفيذ تلك السياسة والتي كانت تستهدف القضاء على الدولة العثمانية وانهاء نفوذها في تلك المنطقة بشكل خاص وبقية مناطق العرب بشكل عام، إضافة إلى تمهيد الطريق لقيام دولة الكيان الصهيوني في فلسطين .
وقد حاول نظام آل سعود طويلاً تكذيب ما جاء في تلك المذكرات وما تم تناقله في غيرها من الوثائق عن عمالتهم لبريطانيا، إلا أن حرب الخليج الثانية جاءت الضربة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى موقف نظام آل سعود وكذلك أغلب المبرزين من علماء الوهابية، الذين كانت فتاويهم أسرع من قرار ساستهم في نظام آل سعود لتبرير استعداء الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضد العراق، وصدرت في صورة تحريف لمعاني الآيات القرآنية والسيرة النبوية للتأكيد جزافًا {على جواز الاستعانة بالأجنبي الكافر لقتل ومحاربة المسلم}.
وهكذا اقتربت الوهابية المتزعمة في زعمها لمبدأ الولاء والإبراء من الصليبية، أعدى عدو للإسلام والمسلمين ضدًا على مسلمي العراق، ليس على مستوى السياسة والمصالح المادية المشتركة فقط، وإنما على مستوى الفتوى التي هي أخطر بكثير من الإجراء السياسي المادي الذي لا يرى في سلوكاته وقراراته سوى انتهاز المصلحة الخاصة وحمايتها مادة وسلطة من الاستهلاك والانتهاك...
"يتبع "
|