|
لقد عرّت حرب الخليج الثانية ضد العراق قصور المنهج الوهابي عن أن يصبح منهجًا ثابتًا يمثل الدعوة الإسلامية في بعدها الشمولي والاستمراري بحيث لا يتأثّر بالظروف والحيثيات والضغوط السياسية والمادية، كما قد عرّى عن مستوى التبعية الحمائية التي يخضع لها النظام السياسي الوهابي في تعامله مع الغرب الذي طالما تستّر ظاهريًا بمعارضته "معارضة الدلال"، كما قد بيّن عدم قدرة الوهابية مذهبًا وسياسة على حماية ثغور البلاد بالإمكانيات الذاتية وخاصة الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة، فكيف بها ستدّعي تحرير القدس الشريف وفلسطين!؟.
ولئن كان بعض العلماء الوهابيين ربما قد أبدوا معارضة لهذه الفتاوى أو أفتوا "مُكرهين" تحت الضغط، إلا أنه كما قلت لم تعد الفتوى الوهابية هي التي تقرّر وإنما أصبحت مجرد مبرّر، ولقد كان من المتوقع بعد هذا الحدث التاريخي الامتحاني بصدمته أن يحثّ علماء الوهابية لأن يراجعوا مواقفهم من المذاهب الإسلامية غير المنضوية تحت ثالوث السلفية المرحلية، ممّن لا يستسيغون تشدّد الوهابية، وذلك بإبداء تفتّح وقبول للنقاش واستدراك أخطائهم الفكرية والتاريخية، وذلك بتوسيع مفهوم السنّة والبدعة في قاموسهم لكي لا يصبح التشبّث الضيّق بمصطلح البدعة هو عين البدعة التي وقعت فيها الوهابية حتى اختلطت عليها أوراق الولاء والبراء!!!
لكن الموقف بقي كما كان عليه من قبل، بل كتعويض عن الهزيمة التاريخية في مجال الفتوى واضطراب المواقف التي وقع فيها الوهابيون بسبب أزمة الخليج فقد لجؤوا إلى تشديد اللهجة في الدفاع عن السلفية وبثّ النفوذ بقوة المال في البلدان الإسلامية وجالياتها في الخارج قصد تغطية النكسة التي أسقطتهم فيها فتاواهم في حرب الخليج، وهي في الحقيقة ليست سوى وهابية سياسية في محركها وغايتها!.
كما لجأ سياسيوهم إلى القيام بتحركات مشبوهة ومشلولة حول القضية الفلسطينية بعد مجازر جنين والضفة الغربية كمحاولة لتعويض هذه السقطة التاريخية، لكنها في الحقيقة زادتهم سقطة أخرى وتكشّف مهين وواضح للتبعية والولاء لأمريكا!.
إن علاقة الوهابية المذهبية بنظام آل سعود السياسي هي كعلاقة الجوهر بالعرض، والموضوع بالمحمول، والصورة بالماهية، لا يمكن انتزاع هذا عن ذاك، وإلاّ سقط وتحلّل التكوين الأصلي للبناء الوهابي السعودي ولم يبق في علاقتهما عرض ولا جوهر.
وهذا هو مشكل الوهابية المذهبية المعاصرة، خصوصًا إذ أصبحت عرضًا ولم تعد جوهرًا، وأصبحت صورة ولم تبق ماهية، ولهذا فهي بعدما كانت مغيّرة أصبحت مُتغيّرة، لأن تأسيسها الأول مدخول ويعاني من انشطارية بنيوية، ولئن كانت المبادرة للعلماء الوهابيين في العهد الأول من دولة آل سعود فإن المسألة انعكست في العهد الثاني على شكل تسليم السلط، أو تبادل الأدوار، ولكن هذا التبادل جاء حتميًا وليس اختياريًا، لأنه مؤسّس على السلطة بشقيها الفقيهي المذهبي والسياسي المادي.
وهذه الحتمية في التغيّر الذي ستعرفه الوهابية السياسية في تفاعلها مع الوهابية المذهبية، قد عرفت البداية لتأسيس هذه الدولة سلطة كبيرة للزعيم الروحي على توجيه السياسة، ولكن بعد ذلك ستعرف الزعامة الروحية تقلصًا في مستوى التحكّم في القرار السياسي، وسيصبح المُتزعم للتسيير السياسي يفلت من قضية الزعامة الروحية وذلك بدعوى الانفتاح على العالم وفك حصار العزلة وتصدير الثورة بالأساليب السياسية وما إلى ذلك، وهذا ما يؤشّر بحدوث تغيرات سياسية وسلوكية على مستوى القمة والقاعدة، وتحوّل الزعامة الروحية إلى مُبرّر بعدما كان مقررًا كمًا! بل إن الوهابية قد سكتت عن أخطر تحوّل يعرفه مجتمعها بدعوى الانفتاح، ويتجلّى ذلك من خلال الصحف والمجلات الخاصة بالجمال والفن وما إلى ذلك مما يدخل في إطار خلع العذار ونشر صور الفنانات الحسناوات والراقصات دون تحفّظ أو مراعاة لآداب الحشمة، ومنع الاختلاط الذي تزعّمت تطبيقه جزئيًا الوهابية في عهدها الأول، مما يترتّب عن هذا الإعلام غير المقيّد بالآداب الإسلامية خطابًا وصورة من آثار سلبية، بالإضافة إلى ما يجري ويقع في الكواليس وفي غياب التغطية الإعلامية الشيء الذي أصبح مضرب الأمثال في الانحراف السلوكي والاندفاع الشهوي الذي طغى على سلوك فئات من المجتمع الوهابي المُدّعي للسلفية بسبب طفرة البترول والمال الذي فوجؤوا به ولم يحسنوا التصرف فيه!!!
فخرج منهم الفاسدون بالمئات، وخرج منهم مئات غيرهم ممن استسهلوا بيع الدعارة الاعلامية من خلال القنوات الفضائية التي أصبحت في أيديهم مطية ووسيلة لاصطياد الساقطات من كل جنس ولون.
"يتبع"
|