|
لست هنا في هذه الحلقات بصدد توجيه نقد مركّز للوهابية في علمائها وساستها، لأن طرح هذا الموضوع بشقية المقارن والناقد سيفضي بنا إلى تشعّب كبير روحيًا وسلوكيًا وسياسيًا، خاصة بعد أن أصبح التضارب والتعارض واضحًا على قارعة الطريق! ..
ومن هنا فمصير الوهابية مرتبط بمصير نظامها السياسي ـ نظام آل سعود ـ ومصير نظام آل سعود مرتبط بمصير أوليائه في دول الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مرتبط بحسب رضاهم أو سخطهم عن دوره في رد صولة الشعوب المُنتفضة ضد مصالحهم، لكن حينما يخفت هذا الدور أو يبلى ينقلب الولاء إلى البراء، والمودة إلى العداء وهذا ما تفشّى جلياً وبقوة علنية بين نظام آل سعود والولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بنيويورك، إذ الحالب لم يعد يجد ما يحلب بقوة، فانقلب ضدًا على الشادّ يوبّخه ويطارده بحثًا عن بقرة أخرى حلوب يوظّفها لخدمة مصالحه بعدما أغرقه في المديونية والتبعية الاقتصادية حتى الأنف!.
لكن لا الحالب ولا الشادّ في القرنين سواء بين الوهابية ونظام آل سعود السياسي، أو بينهما والولايات المتحدة الأمريكية قد يستقر أمره على حال إذ بوادر الانهيار قد بدأت وإشاراته لاحت في الأفق، ومهما كان وضع التواطؤ بين الجانبين ونوع الطغيان الذي يؤدّي إليه المال والسلاح والعدد والعدّة، فإن المآل يكون دائمًا هو السقوط على نمط البرجين الذين سقطاً في نيويورك وغيرها من المدنيات المادية الطاغية!، وهذا ما نتحقق به نصًا وشعوراً باطنياً قوياً من خلال قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ "إنه حق على الله ما ارتفع شيء من الدنيا إلا وضعه"، وقول الله تعالى " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
فقد تتفكّك وتنحسر الوهابية كحركة ومذهب رسمي ومعها آل سعود كنظام سياسي بالتلازم، كما قد تنهار وتتفتّت تداعيًا الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها الصهيونية وكيانها، وكذا كل الحركات أو المذهبيات والأنظمة المؤسّسة على العنف وعلى البناءات المادية الهشّة والخالية من المعنى الروحي والعقدي التنزيهي الصحيح، إما تبعاً أو موازاة أو قبلاً، ولكن قد تبقى الآثار العقدية والنفسية والمذهبية متشعّبة في المجتمعات التي حكمتها أو غزتها مما يحتاج معه إلى إعادة البناء على نمط مخالف وقوي شكلاً وجوهرًا في تحريك الوجدان وإصلاح القلوب بعد هذه الصدمات التاريخية والاجتماعية والسياسية، وذلك بالبحث عن البديل المفيد، الذي يرجّحه الواقع ضرورة بأن لا يكون سوى العودة إلى الفهم الإسلامي الصحيح وهو ما يعطي للروح مكانتها ودورها في الحركة والحياة، وهذا ما يمثله الاتجاه الصوفي التربوي السنّي في تطلعاته، والذي أصبح مطلباً عالميًا لإنقاذ البشرية من الدمار المزدوج : دمار الأرواح والأجساد.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
" يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقى حفالة كحفالة الشعير والتمر لا يباليهم الله بالة"، و" لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله".
ويقول الله تعالى :
"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" صدق الله العظيم.
"انتهى "
|