|
منذ أن اندثرت التعددية الإعلامية العربية ومصادر تمويلها التي ولّت مع أفول محاور عربية قديمة، وجد إعلام آل سعود الممول ـ إما مباشرة من خزينة الدولة أو من جيوب الأمراء الرسميين أو غير الرسميين ـ نفسه سيد الموقف، وباستثناء تجربة خاطفة تحت راية "قناة الجزيرة" القطرية نقف اليوم وجهاً لوجه أمام حقبة إعلامية يحاول نظام آل سعود السيطرة عليها بلا منازع.
ومن هنا لا بد لنا أن نقيّم هذا الإعلام ونحدّد تأثيره على العالم العربي من خلال سياساته المتناقضة والهادفة إلى تفتيت هذا العالم من الداخل، وإن كانت الهجمة الأمريكية على المنطقة العربية والتي بدأت بالعراق أمراً خارجياً يقاومه من يقاومه على طريقته الخاصة، إلا أن العالم العربي المُتلقي لخطاب وصور إعلام آل سعود فاقد للمناعة والقدرة على المقاومة بانعدام وسائل إعلامية قوية التمويل والخطاب وقادرة على التصدّي والتحدي بنفس الأسلوب الذي يتّبعه إعلام آل سعود.
هناك محاور عدّة مُدمّرة ظهرت بوضوح للقارئ والمُشاهد والمُستمع لما تنشره الوسائل الإعلامية التابعة لنظام آل سعود والموجهة للعالم العربي، وعلى الرغم من معرفة الجميع لتلك المحاور المشبوهة التي يسير عليها إعلام آل سعود لتمرير خطابه المُوجّه من قبل النظام لتمرير المخططات الأمريكية في المنطقة والقبول بالتعايش السلمي مع الكيان الصهيوني المزروع في قلب الأمة العربية والإسلامية، إلا أن أخطر مسارات هذا الإعلام المشبوه ينطلق من سياسة التعرية والخلاعة والرقص والمجون التي تتبناها بعض القنوات المملوكة من قبل أمراء آل سعود والذين يوجهون ذبذباتها إلى أكبر شريحة اجتماعية في العالم العربي ألا وهي الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، حيث يتلقي هؤلاء الفنون الاستهلاكية والطرب الماجن المُمتزج بالابتذال، وهو ما انعكس بكل تأكيد على ما أصبحنا نعيشه ونراه كل يوم من ارتفاع معدلات الاعتداء على المرأة والتحرّش بالاطفال والعنف الأسري وحالات الطلاق المرتفعة التي تم تسجيلها وبمعدلات لم يشهدها أي قطر عربي آخر في المنطقة.
إنها المرة الأولى في تاريخ العرب التي يجد فيها المشاهد نفسه وجهاً لوجه أمام حالة انفصام اجتماعي وتناقضات نفسية حيث يعيش المرء في ما يسمي مجتمع الفضيلة محاطاًً بقيود ثقافية ودينية تحرّم عليه الانغماس في الإباحية، بينما هو يتلقي صوراً وإيحاءات مُفرطة في شهوانيتها يتم بثها عبر قنوات يمتلكها أمراء من آل سعود بشكل خاص.
إن من حقنا أن نتساءل هنا ..
لماذا اختار ممولو إعلام آل سعود خط بث كل أنواع الفن الرخيص؟ فهل هو الرغبة في الثراء الناتج عن ثورة الاتصالات الحديثة؟ أم هل هو لبث الفسق والمجون والنعرات الطائفية والاسترخاء في أحضان المشاريع الأمريكية؟.
هل هو محاربة لما يسمونه "التطرف الإسلامي"من خلال الانغماس في الإباحية والشهوات التي تصرف الشباب عن الانخراط في مشاريع أبعد من الذات وشهواتها والجسد ورغباته؟.
إن إعلام آل سعود الممول بطريقة مباشرة من قبل أشخاص داخل قيادة نظام آل سعود أصبح خطرًا على المجتمعات العربية بسبب كونه يعمل على تفكيكها من الداخل ويعمل على تقويض السلم الاجتماعي في كثير من المناطق، إنه إعلام انتجته أموال النفط وليس الباع الطويل في العمل الإعلامي وتراكم الخبرات والتجربة والرؤية المستقلة لحاضر العرب ومستقبلهم ومحنهم المتراكمة.
إنه إعلام الصراخ الطائفي وتبني المشاريع الهمجية القادمة من الخارج والتي تستهدف أمن المنطقة وتركيبتها الاجتماعية وحقبات التعايش السلمي بين فئاتها المختلفة.
|