|
صمود الهوية الحجازية
ما يقوله الكتاب أنه مع نجاح آل سعود في ضم المناطق الحجازية وعلى رأسها مكة والمدينة وجدة إلى حكمه بدأت شمس الحجاز المتنوعة بالغروب لصالح أحادية التمثيل والسيادة النجدية المتحالفة مع المذهب الوهابي المتشدد ؛ على أن ذلك الغروب لم يكن مودياً, إلى اندثار أو موت الهوية الحجازية التي ظلت تشتعل كما كانت وإن يكن بهدوء أو من دون ضجيج.
لكن كيف "صمدت" الهوية الحجازية إلى هذا الوقت وظلت تحافظ على خصوصياتها رغم المحاولات الفوقية للدولة لفرض "سعودة" شاملة تطال كل مناطق المملكة؟
تقول المؤلفة إن تلك الهوية لم تختر لا الصدام المباشر مع السلطة المركزية وحكم آل سعود , ولا التعبير عن نفسها بشكل مباشر أو فج إذ لم يكن لها أية أجندة سياسية ولم تدع إلى فصم الحجاز والعودة بالتاريخ إلى الوراء.
هنا , وعند نفي مي يماني الواضح لأي تفسير لكتابها قد يُفهم منه أنها تدعو إلى ذلك,
صحيح أن دعوتها لإعادة الاعتبار للهوية الحجازية فيها تحقيق القوة الحقيقية لمشروع التوحد الذي تعيشه السعودية.
كما تقول, أي أن الاعتراف بالتنوع وتقديره وعدم محاولة لجمه بقوة السياسة أو قوة المذهب يعطي منعه لأي مشروع توحيدي على عكس ما قد يُظن ظاهراً.
فالمجتمعات برمتها, وليس العربية والإسلامية فحسب, ليست مقدودة على مقاس واحد, بل فيها تنويعات واختلافات وطوائف وتجمعات متباينة, وهذا مما لا يضيرها بالتعريف.
بخلاف ذلك فإن محاولة قمع الهويات المحلية ومطاردة تعبيراتها الثقافية والاجتماعية والدينية هو المهدد الأكبر للوحدة الوطنية المأمولة ؛ فالذي يحدث في هذه الحالات هو أن تلك التعبيرات لا تختفي, ولكنها تغيب عن الواجهة المرئية فيما تظل تعمل في الخلفية الاجتماعية لهذه الشريحة أو تلك.
وهكذا فإن الأشكال المميزة لأية هوية تخلق لنفسها فضاء خاصاً بها وطرائق لتموه على أنماط القسر والرغبة الفوقية الحاكمة بصهر الهويات الفرعية في هوية وطنية أو قومية جامعة.
وهذا في الواقع الممارس تاريخياً لا يقود إلا إلى نتيجة معاكسة لما تريده السلطة الفارضة, أي أنها تعزز خصوصية تلك الهويات بدل أن تخفف من حدتها ؛ وتاريخ القرن العشرين يعج بالأمثلة الساخنة, أبرزها المشروع السوفيتي في تخليق هوية قومية جامعة للمجتمعات المنضوية تحت اتحاده, والمشروع اليوغسلافي الذي قام على فكره مشابهة, وكليهما فشل فشلا ذريعاً, حيث عادت الهويات الوطنية والفرعية إلى الظهور والتعبير عن نفسها بتطرف وحدة جارفة في أكثر الأحيان.
|
|