|
تميز الحجاز بمسألتين شديدتي الخصوصية على المستويين الجغرافي والتاريخي ؛ الأولى أن الحجاز على المستوى الجغرافي أرض صحراوية ؛ قاحلة ونادرة المياه فلم تغري أي قوة عسكرية في التاريخ الإنساني لاحتلالها ؛ ومن ثم ظلت الأرض الحجازية بكرا وسرا مكنونا لاستشراف دعوة السماء الأخيرة ؛ و لم يكن في الحجاز سلطة سياسية بالمعنى السياسي المعروف فظل الحجازيون أحرارا لا يدينون لأي سلطة قامعة ؛ اللهم إلا الولاء للقبيلة ؛ ولكن لم يكن ذلك الولاء بالذي يغني عن الولاء لدولة ؛ وهذا يرتبط بالمستوى الثاني التاريخي لأن الحجازيين اعتبروا أنفسهم أحرارا حتى داخل إطار الدولة الإسلامية فقد ترك لهم حرية الاختيار المذهبي فقد كانت السلطة التي تفرض نفوذها على الحجاز تكتفي بالولاء السياسي لجذب الشرعية ؛ أما الولاء المذهبي فلم يكن يعني السلطة الحاكمة0
من تلك الخصوصية اعتبر الحجازيون أن فرض أي مذهب هو ما يخالف الخصوصية الحجازية ؛ لأن الحجاز ( في مكة المكرمة والمدينة المنورة ) يستقبل المسلمين من جميع البلاد بمذاهبهم المختلفة ؛ ومنهم من لا يعود إلى بلده مرة أخرى بعد أن يعتبر الحجاز وطنه ؛ وظل هذا الوضع ساريا حتى انفرد السعوديون بالحجاز ورفضوا أي مذهب آخر يسود فيه ؛ وقاموا بملء الحجاز بالوهابيين من نجد وجيزان للحياة والسكن والدعوة للمذهب الوهابي وقمع أي فكر مخالف بالسجن والترويع والتشويه الفكري والديني 0
الخصوصية الحجازية
تقول الكاتبة مي يماني( ابنه وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني ) في كتابها المثير للجدل ( الحجاز والسعي نحو هوية عربية – دار نشر أي بي تاوس – لندن – 2004 ) :
من خلال التعمق في "الخصوصية الحجازية" نرى أنها ما زالت تحتفظ بطعمها ومذاقها وعوامل اختلافهمها ، حتى لا نقول افتراقها ، عن بقية أجزاء الوطن السعودي (وخاصة نجد حيث السلطة المركالمركزية والحكم) ؛ الحجاز ما زال متميزاً عن بقية مناطق السعودية سواء ثقافياً أم اجتماعيا أو دينياً ، وذلك رغم مرور ما يزيد عن سبعين عاماً على مشروع الوحدة الذي لملم أجزاء الجزيرة العربية, نجد وعسير والإحساء إضافة إلى الحجاز بالطبع, في نطاق دولة واحدة.
وللتدليل على "الخصوصية الحجازية" في الإطار العام ؛ الحجاز كان وما زال في كثير من جوانبه متصفاً بالتنوع والتعددية والانفتاح على العالم بسبب وجود مكة والمدينة في قلبه إذ أنه بحكم قدسية المكانين استقبل الحجاز وما زال يستقبل ملايين الحجاج من مختلف بقاع الأرض, بجنسياتهم وألوانهم وثقافاتهم المختلفة.
وعلى مدار القرون كان لأولئك الحجاج أثر دور في تشكيل المزاج والهوية الحجازية التي اتسمت بالانفتاح و"العولمة المحلية" المبكرة. لم يقتصر ذلك الانفتاح والإطلاع على طوائف المسلمين بتقاليدهم ومذاهبهم المتنوعة, بل امتد أيضا إلى غير المسلمين الذين كان يأتي بهم البحر زواراً أو عابري سبيل أو غزاة.أثر ذلك على هدوء في الطباع, وسعة في المعاملة وتسامح في الاختلاف ؛ وخاصة التسامح في الاختلاف المذهبي والممارسات الدينية, بما فيها استيعاب التيار الصوفية والروحانيات المختلفة, اصطدمت الخصوصية بالوهابية التي ساندت المشروع السياسي لإبن سعود في توحيد الجزيرة العربية ؛ فالمشروع السعودي التوحيدي القادم من نجد لم ينازع الحجاز على الزعامة السياسية فحسب, بل وأيضاً وأكثر أهمية انتزع منه حصرية تمثيل الدين ونوعية التعامل مع الدين نفسه.
ومن ثم تهمش التنوع الحجازي المذهبي المتسامح وبرز التطرف الوهابي في الدين والتفسير, كان ذلك بداية اضمحلال سلطة الحجاز وصعود سلط نجد.
|
|