|
مدخل : إلى إسلامية المدينة :
على الرغم من أهمية الدراسات التى تناولت نشأة المدن وتطورها ، فى استبطان العوامل والمتغيرات التى أسهمت فى بلوغ هذه النشأة ، على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والحربية والثقافية .. إلخ ، فإن هناك من يرى أن قسماً واسعاً من هذه الدراسات قد أغفل بعداً هاماً، كان له الأثر الحاسم على النمو والتطور الذى لحق بالمدينة ، ألا وهو البعد الدينى ، مما حدا بعلماء من أمثال : ديكنسون وجونز وفشر إلى إعادة تفسير وتحديد ملامح البناء الأيكولوجى والاجتماعى للمدينة فى ضوء القيم الاجتماعية والثقافية لسكانها ، انطلاقاً من أن مدناً مثل : مكة ، وبيت المقدس ، وروما .. إلخ تمثل أمثلة لمراكز حضرية ، تأثرت فى مواقعها ونشأتها واستمرارها ، عبر قرون طويلة – إلى جانب هيكلها الفيزيقى وطابعها الاجتماعى – بالقيم الدينية ، التى ارتبطت بكل منها (1 ) .
وتندرج أعمال عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر تحت هذا الاتجاه ، حيث اعتبر مجمل منظومات القيم التى سيطرت على الأنساق الاجتماعية والثقافية متغيرات مستقلة ، إذ أوضح فيبر فى كتاباته أهمية الأدوار التى لعبتها حركة البروتستانتية المسيحية فى نشأة الرأسمالية، وما صاحبها من ظواهر كالتصنيع والتحضر ، مما حمل أحد الباحثين العرب على التأكيد على مدى الحاجة إلى دراسات معمقة للعلاقة بين الإسلام والتحضر (2) .
وفى هذا الإطار يذهب عالم الاجتماع المصرى سعيد ناصف إلى أن مجتمع شبه الجزيرة العربية شهد نموذجين من النماذج الحضرية ، الأول : مراكز حضارية تجارية تمثلها مكة . والثانى : مراكز حضارية زراعية ، تمثلها يثرب (المدينة المنورة) .
إذ استطاعت مكة – كما يذكر ناصف – منذ بداية القرن السادس الميلادى أن تحتل وضعاً اقتصادياً (مالياً وتجارياً) ، ومركزاً دينياً حول الكعبة ، وهو ما شجع أهلها على وضع الإجراءات والترتيبات اللازمة لتأمين طرق القوافل التجارية المؤدية إلى المدينة حتى تضمن سلامتها ، لتنشأ حياة اقتصادية منظمة ، تقوم – أساساً – على تجارة القوافل بين الشرق والغرب ، حيث شارك معظم أهل مكة فى هذا النشاط ، مما حقق لهم ثروات اقتصادية كبيرة ، نسبياً ، كان من شأنها أن تخلق لمكة وضعاً اقتصادياً متميزاً ، ولتتخذ تلك الجماعة التجارية شكلاً سياسياً خاصاً بها ، أطلق عليه بعض المؤرخين وصف " الجمهورية التجارية " (3) .
|