بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

وبكى الفارووق

كان الفرح يغمر الأبطال الذين عادوا منتصرين بعد أن طال الغياب عن الأهل والأحباب .. كانوا أسوداً كاسرةً في ساحة الجهاد.. ففتحوا البلاد ورفعوا راية الإسلام على بقاع جديدة من أرض الله ، عادوا فرحين بنصر الله ولبسوا أجمل الثياب.
 أسرعوا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقد اعتادوا أن يستقبلهم بعد عودتهم ،يفرح بلقائهم ويبالغ في إكرامهم ، ولكنهم فوجئوا هذه المرة أنه لم يهتم بهم ، بل أدار وجهه عنهم ، فبعد أن رد السلام أمسك عن الكلام ، فظهرت الدهشة على وجوههم، أرادوا أن يعرفوا السبب كي يبطل العجب .. فأسرعوا إلى عبدالله بن عمر وقالوا له : لقد أدار أمير المؤمنين وجهه عنا ولم يهتم بأحد منا فما سبب هذا الجفاء بعد ما قدمناه من تضحية وفداء!؟
 كان لابد لعبدالله بن عمر الذي نشأ في بيت عمر أن يقرأ أفكار أبيه فهو يعلم جيداً أنه ماض في درب الحبيب المصطفى
صلى الله عليه وسلم ، ولم يتزحزح عنه قيد أنملة .. نظر عبدالله إلى ثيابهم الفاخرة التي عادوا بها من بلاد فارس وقال لهم : إن أمير المؤمنين رأى عليكم لباساً لم يلبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخليفة أبو بكر الصديق من بعده.
عرف الأبطال المجاهدون السبب فلم يجادلوا ، ولكنهم تحلوا بالأدب النبوي الشريف فأسرعوا إلى ديارهم وبدلوا ثيابهم ثم عادوا إلى أمير المؤمنين بثيابهم التي اعتاد أن يراهم بها ، فلما رآهم فرح بقدومهم وأحسن استقبالهم ونهض يسلم عليهم ويعانقهم رجلاً .. رجلاً .. وكأنه لم يرهم من قبل ، فهو يرى أن إيمانهم وجهادهم هو أبهى الحلل وأجمل الزينات.
قدّموا لأمير المؤمنين الغنائم التي عادوا بها من أرض الجهاد فقسمها بينهم .. كان في تلك الغنائم سلال من خبيص ، والخبيص هو طعام حلو مصنوع من التمر والسمن ، مد أمير المؤمنين يده وذاق ذلك الطعام فوجده لذيذ الطعم طيب الرائحة فقال لمن حوله واصفاً لذة طعمه : والله يا معشر المهاجرين والانصار سوف يقتل الابن اباه والأخ أخاه على هذا الطعام , أمرهم أن يحملوه إلى أبناء الشهداء من المجاهدين والأنصار الذين نالوا الشهادة أثناء جهادهم مع رسول
صلى الله عليه وسلم،نهض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمير أعظم دولة في ذاك الزمان وسار مجللاً بالهيبة والوقار بوجه يعلوه الإيمان ، وجسم فارع الطول عليه جبة قديمة بها 12 رقعة!! سار خلفه عدد من الصحابة ، أخذوا ينظرون إلى جبته القديمة ، قال بعضهم لبعض : ما رأيكم في زهد هذا الرجل؟؟!!...
لقد فتح الله على يديه بلاد كسرى وقيصر ... وطرفي المشرق والمغرب ، وتأتي إليه وفود العرب والعجم من كل مكان فيستقبلهم وعليه هذه الجبه القديمة ذات الرقع الكثيرة... اقترح بعضهم أن يتقدم إليه بعض كبار الصحابه الذين جاهدوا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم .. ويحاولوا إقناعه بأن يستبدل هذه الجبه القديمة بثوب جميل وأن يقدم له جفنة الطعام في الصبح والمساء ..قال البعض الآخر : لايجرؤ أحد على أن يتحدث إليه في هذا الأمر إلا علي بن أبي طالب أو إبنته حفصة فهي ذات مكانه عالية في نفسه لأنها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم إحدى أمهات المؤمنين، ذهبوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعرضوا الأمر عليه .. فقال : لن أفعل هذا ، ولكن عليكم بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن أمهات المؤمنين ويستطعن عرض الأمر عليه فلما سمعوا رأي الإمام علي بحثوا في الأمر واستقر الرأي على أن تقوم كل من أم المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما بتلك المهمة ..
 دخلت عائشة وحفصة رضي الله عنهما على أمير المؤمنين عمر ، فقربهما وأحسن استقبالهما فبدأت عائشة بالحديث قائلة : يا أمير المؤمنين .. هل تأذن لي بالكلام؟؟ قال : تكلمي يا أم المؤمنين .. فقالت ما معناه : لقد مضى رسول الله إلى سبيله إلى جنته ورضوانه ، لم يرد الدنيا ولم ترده ، وكذلك مضى أبو بكر من بعده .. وقد فتح الله على يديك كنوز كسرى وقيصر وديارهما وحمل إليك أموالهما ، وخضعت لك أطراف المشرق والمغرب ، ونرجو من الله المزيد ، وفي الإسلام التأييد ، وقد أصبح العجم يبعثون إليك رسلهم ووفود العرب تأتي إليك من كل مكان وأنت تستقبلهم بتلك الجبة القديمة التي رقعتها 12 رقعة ، فلو غيرتها بثوب لين يهاب فيه منظرك وأيضاً يأتونك بجفنة طعام في أول النهار وأخرى في آخر النهار ، تأكل منها أنت ومن حضر معك من المهاجرين.تأثر أمير المؤمنين تأثراً بالغاً حتى بكى بكاءاً شديداً .. سأل أم المؤمنين عائشة قائلاً : هل تعلمين أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم شبع من خبز قمح عشرة أيام أو خمسة أيام أو ثلاثة أيام أو جمع في يوم بين عشاء وغداء حتى لحق بربه؟
قالت : لا.... إستمر عمر رضي الله عنه في حديثه لهما قائلاً :أنتما زوجتا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولكما حق على المؤمنين عامة وعلي خاصة ، ولكنكما أتيتما ترغبانني في الدنيا ، وإني أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس جبة من صوف وربما حك جلده من خشونته هل تعلمان ذلك .. قالتا : نعم... ثم قال أمير المؤمنين لعائشة : ألا تعلمين أن رسول الله كان يرقد على عباءة تكون له بالنهار بساطاً وبالليل فراشاً ، فندخل عليه ونرى أثر الحصير في جنبه؟ ثم قال لحفصة :ألا تذكرين يا حفصة حين قلتي لي أنك ثنيت الفراش للنبي ذات ليلة فشعر بلينه فرقد ولم يستيقظ بالليل إلا حينما سمع آذان بلال ، فقال لك النبي : ي
احفصة .. ماذا صنعتِ؟ أثنيت المهاد(أي الفراش) .. حتى ذهب بي النوم إلى الصباح؟ .. مالي ومال الدنيا ومالي شغلتموني بلين الفراش ..!! وفي النهاية قال لابنته : ياحفصة..إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان مغفورٌ له ماتقدم من ذنبه وما تأخر .. ومع ذلك فقد أمسى جائعاً ورقد ساجداً ولم يزل راكعاً وساجداً وباكياً ومتضرعاً أناء الليل والنهار إلى أن قبضه الله برحمته ورضوانه ثم قال رضي الله عنه : لا أكل عمر طيباً ولا لبس ليناً ، بل سيكون له في صاحبيه أسوة وقدوة ، وقطع عمر عهداً على نفسه ..ألا يجمع بين طعامين في وقت واحد سوى الملح والزيت .. ولا يأكل لحماً إلا مرة كل شهر..فخرجت عائشة وحفصة وأخبرتا الصحابة بما حدث ..
 وظل عمر ماضياً في طريقه إلى أن لقي ربه شهيداً سعيداً.. غفر الله لك يا عمر وأسكنك جنة عرضها كعرض السموات والأرض .. أعدت للمتقين وجعلنا من رفقائك ورفقاء الرسول والصديق والمهاجرين والأنصار .. إن شاء الله تعالى ..