عبد الباري سليم
عمّان / الأردن
|
قال تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران) فما هي دلالة الآية على ما نحن فيه؟
هناك فرق بين النعمة والمِنّة فالنعمة هي ما ينعم الله تعالى به على عباده, أما المِنّة فهي النعمة الثقيلة التي تغيّر حالة العبد تغيراً كاملاً إلى الأحسن وهي التي ما وراءها نعمة, وإذا ذكّرك المُنعِم بالنعمة دائماً فهي المِنّة وهذا التذكير هو مذموم من العبد ومحمود من الله تعالى.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أنه منّ على الأنبياء والمرسلين كما في قصة يوسف (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) يوسف) منّ تعالى على يوسف وأخيه من التدبير العظيم والكيد الذي لا يصوغه إلا الله تعالى, وهذا من ولادته, إلى محاولة رميه في البئر من إخوته, إلى بيعه, إلى أن أرسله الله تعالى نبياً, إلى أن صار مسؤولاً عن خزائن مصر.
وكذلك منّ تعالى في القرآن الكريم على بني إسرائيل كما جاء في قوله تعالى (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) القصص) والمنة هنا هي انقاذ الله تعالى لبني إسرائيل من فرعون وما تبعها.
وكذلك منّ الله تعالى على موسى (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) طه)
أما على المسلمين فقد منّ الله تعالى عليهم بمنتين:
المنّة الأولى:
(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات) ما من نعمة أعظم من الإيمان لأنها غيّرت حياتنا بالكامل إلى الأحسن, كنا مشركين, فمنّ الله تعالى علينا وجعلنا موحّدين وأزكياء وطاهرين, وهذه منّة عظيمة .
المنّة الثانية:
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران) .
فمولد النبي منّة عظيمة. لقد أرسل الله تعالى رسلاً كثيرون إلى قومهم وتحدث عن حياتهم بالتفصيل, ولقد احتفى القرآن الكريم ببعض الرسل من ساعة ولادتهم إلى موتهم, وبهذا أصبح الحديث عن ميلاد ذلك النبي قرآناً وشرعاً (كما جاء في ذكر ولادة عيسى وموسى ويحيى) .
ونحن كمسلمين نحتفل كل ثانية بميلاد أحد هؤلاء الأنبياء لأنه ما من ساعة ولا ثانية تمر إلا وأحد من المسلمين يقرأ هذه الآيات التي تحتفي بمولد الأنبياء عليهم وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام, فهناك من يحتفل هذا الاحتفال القرآني بولادة عيسى وما رافقه من عِبر, وكذلك بموسى من ساعة ولادته إلى أن أصبح في قصر فرعون إلى موته بالتفصيل, وكذلك يحيى, ولم يحتف القرآن فقط بولادة هؤلاء الأنبياء وطفولتهم وما رافقها من معجزات وإنما يحدثنا أن كل ما تعلّق بالأنبياء داخل ضمن العقيدة, كما جاء في قصة طالوت في سورة البقرة (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)) التابوت هو نفسه الذي وضعت فيه أم موسى , موسى عندما خافت عليه من فرعون وألقته به في اليمّ, فحمله الماء إلى قصر فرعون, والتابوت مقدّس لأنه حفظ موسى لبني إسرائيل ثم لما مات موسى وهارون جمع بنو إسرائيل آثارهما (العصى المقدسة، عمامة هارون، نعل موسى) ووضوعوها في التابوت وكانوا في حروبهم يقدمون هذا التابوت بين أيديهم فينصرهم الله تعالى في المعارك حتى استطاعت قوة أن تنتصر على بني إسرائيل بعدما سرقوا منهم التابوت قبل المعركة وتتالت هزيمة بني إسرائيل ما يقارب 400 سنة لأنهم فقدوا التابوت, فلما جعل الله تعالى طالوت ملكاً وأراد أن يوحّدهم ويشجّعهم على النصر رأى تعالى أن آثار موسى ستجمعهم من جديد فحملت الملائكة التابوت وفيه آثار موسى وهارون عليهما السلام من الأعداء.
وخالد بن الوليد كان يضع شعرات من شعرات الرسول في قلنسوته ليتبرّك بها, وفي إحدى المعارك سقطت قلنسوته فأمر عدداً من الجنود بأن يحضروها فتهامس البعض بخصوص القلنسوة فسمع خالد ذلك فقال: "ما كنت لأعرّض المسلمين لقطرة دم واحدة ولكن في القلنسوة شعرات النبي فخشيت أن تقع تحت أقدام المشركين" وكان معاوية يحتفظ بأظافر النبي وقد أوصى أن يضعوها في جفنيه عند دفنه.
ونسأل لماذا فعل الله تعالى هذا؟ ولماذا قصّ علينا قصص ولادات الأنبياء؟
ولماذا جحفلنا حول آثار الأنبياء؟
الرسول قال:
"لا أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي" كل المسلمين يقبّلون الحجر الأسود لكن لا يوجد منهم من يعتقد أنه ينفع أو يضر (قال عمر بن الخطاب: والله إني أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبّلك ما قبّلتك).
وآثار النبي تثبّت الإيمان والرسول احتفى بكثير من هذه الأمور عن بني إسرائيل (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) إبراهيم) ساعة مولده وإرساله في البحر, وساعة ما حارب فرعون, وساعة إرساله لسيناء, والنبي احتفل بيوم من أيام بني إسرائيل, فصام يوم عاشوراء, وأمرنا بصيامه مع مخالفتنا لليهود, فأمرنا بصيام التاسع والعاشر من محرّم احتفالاً بنجاة موسى.
الله تعالى لما احتفى بمولد الأنبياء وآثارهم لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الأمة عندما تتزعزع وتفقد الثقة يذكّرهم بأيام الله حتى يثبتوا, وعندما انهزم المسلمون في اُحُد ذكّرهم تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) آل عمران) ,(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) الأنفال) التذكير بأيام الله وبالمنن والآثار خيرها وشرها عبرة ولهذا قال تعالى لنبيه (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود) فالاحتفال بالنبي وحياته فكأنما يقول تعالى لنبيه إذا كثُر عليك المشركون اذكر كيف فعلنا مع موسى وعيسى حتى يتجدّد الإيمان والثقة بالله تعالى (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)) الحق هي المعجزات والموعظة لمن ينكر ذلك ولمن ضعف وتزعزع, وعليه أن يعود وذكرى للمؤمنين لأن (وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). الله تعالى يعلم أن النفس البشرية مطبوعة على ما تحب, ومن يحب يعشق كل ما يتعلق بالمحبوب.
عندما كان المسلمون على هذه القوة المعروفة لم يكن يشغل للمسلمين من شغل إلا الرسول وعلم السنة رواية وتحقيقاً ومجالس ودراسة, ولم يُخدم علم في الدنيا كما خُدم هذا العلم, وكانوا يتحققون من كل شيء عن الرسول فوصفوه وذكروا كم عدد الشعرات السوداء في لحيته ووصفوا مشيته ووقفته وسواكه وصفاً دقيقاً, وهذا هو الاحتفاء به وتحدثوا عن رضاعه وكان المسلمون يحتفلون بالنبي وأيام النبي وما من صغيرة ولا كبيرة في حياته إلا كانت محور الحديث قال: "أدّبوا أولادكم على حبّي" كما تناول علم الحديث شفاعة النبي ونفعه حتى ينشأ الناس على حبّه وكان المسلمون يحتفلون به كل يوم من انشغالهم بالحديث والسيرة وكل ما يتعلق به وكان العلم الشائع في عصرهم, أما عندما انشغل المسلمون وانقسمت الدولة دويلات وضاع أمرهم بدأ علماء المسلمين يحاولون إمساك الأمة على وحدتها وجلّ ما فعلوه هو الاحتفال به يوماً في العام.
قديماً كانت تزيّن الشوارع ابتهاجاً بذكرى مولد الرسول وفي العراق هناك مدينة من المدائن عرفت بأنها أكثر المدن احتفالاً بالمولد النبوي الشريف فكان الاحتفال يستمر شهوراً يقرؤون سيرته فتمتلئ قلوب الناس حباً بالرسول , وكلنا يعلم مدى أهمية محبّة الرسول ,جاء رجل إلى الرسول فسأله متى الساعة؟ قال :" ماذا أعددت لها؟ قال ما أعددت لها الكثير من الصلاة والصيام إلا أنني أحبّ الله ورسوله, فقال له: المرء مع من أحبّ".
وقال: "
لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ماله وولده والناس أجمعين" ومن أحبّ شيئاً أكثر من ذكره فالاحتفال بالمولد يجدد الإيمان وما من موسم يُمدح فيه النبي كالاحتفال بالمولد, ومدحه من أعظم العبادات (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) الفتح) والتوقير حفظ الهيبة, وكان المسلمون الأوائل إذا ذكروا الرسول اصفرّت وجوههم, والتوقير أن تعامله معاملة حسنة تسكن فيها نفسك وجوارحك.
أحد الصحابة كان إذا ذكر الرسول بعد موته تأخذه العبرات ولا يستطيع أن يكمل حديثه, وكان الإمام مالك يدرّس الفقه وكان عندما يدخل درس الحديث يغتسل ويتطيّب ويروي الحديث بكل خشوع وسكينة, وفي إحدى المرات كان يجلس قربه عبد الله بن المبارك من المجاهدين وكان من أتباع الإمام مالك فرأى مالكاً يرتعش ولم ينقطع عن الحديث فلما انتهى من الدرس وذهب الإمام إلى بيته تبعه عبد الله فسأله مالك:
اليوم لست كعادتك؟ فقال: يا عبد الله, وأنا جالس لدغتني عقرب 10 – 12 مرة فاستحييت أن أقطع حديثي عن رسول الله.
وكان المسلمون يحتفلون به ليل نهار, وعبد الله بن عمر كان يتبع آثار النبي وكان إذا وصل إلى مكان في المدينة استلقى على ظهره وضحك فلما سألوه قال:
رأيت رسول الله يفعل هذا.
وعندما ضعفت الأمة وتفرّق أمرها وبدأ المسلمون يفقدون الثقة بدينهم قال الصالحون فلنجعل من مولد النبي احتفالاً حتى يعود المسلمون إلى دينهم ومحبتهم لرسول الله فصار المولد النبوي الشريف والاحتفال به موسماً لتجديد الأفراح والإيمان والإخاء, وفي بعض العواصم الإسلامية يحتفلون بهذا اليوم احتفالاً عظيماً لمحبتهم لرسول الله.
(ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا) وقد منّ الله تعالى عليهم بأن جعلهم أقوياء عندما ذكرهم موسى بأيام الله عز وجل, فإذا كان القرآن الكريم احتفى بمولد موسى وعيسى وبأنبياء محدودين بزمان ومكان فكيف بالرسول وقد أرسله الله تعالى إلى العالمين جميعاً إلى يوم القيامة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) العالمين جميعاً, وقال تعالى (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً) في هذه الآية ذكر تعالى المنّة على المؤمنين ولم يقل العالمين لأن المنّة على الذين يحبّونه وآمنوا به اتبعوا بشارة عيسى ، وكان يقول:
"أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى", والبشرى هي الخبر الذي يُحتفى به, والله تعالى جعل الولادات بشرى, فالمولود عندنا يُحتفى به تقدم له العقيقة ويحنّك ويؤذّن في أذنه وتقام الصلاة في الأخرى, والأم الحامل تكرّم بهدية, فما بالك بأعظم وأشرف مولود على وجه الأرض؟!ّ
من هذه المقدمات أستطيع أن أقول ـ وأستغفر الله إن كنت زالاًّـ أن الاحتفال بمولد النبي أصبح اليوم واجباً, لمواجهة هذا التشرذم الذي نحن فيه, فهل سمعتم أن من المسلمين من ارتدـ وهل سمعتم أن كتباً تُكتب تهاجم النبي وتشتمه وتصفه بأسوأ الصفات، وهل سمعتم أن مصحفاً طُبِع في دولة غربية وطُبِع على غلاف كل مصحف حذاء, وهل وصلتكم انباء نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في بعض دول الغرب, وهل سمعتم أن بعض الناس يشككون في القرآن والأحاديث؟ وهل سمعتم أن التنصير استشرى الآن؟
فمتى نذكّركم بأيام الله ؟ .
إن المِنّة هي النعمة الثقيلة التي يجب أن تذكر عندما تُجحد, وهناك من المنتسبين للإسلام كآل سعود من جحد الرسول فمنعوا الصلاة عليه بعد الآذان, وقاموا بالاستهانة بكل ما كان يمت إليه بصلة, فحوّلوا الدار التي ولد فيها إلى مربط للبهائم, ودنّسوا البيت الذي آواه مع زوجته خديجة وسوّوه بالأرض, ولو تمكنوا لهدّموا مثواه, بعد أن حاولوا ذلك مرارًا, وازالوا كافة قبور صحابته رضي الله عنهم من الوجود, وهناك غيرهم من يطعن في الرسول , ولا يستحي , فهذا الوقت الذي نحن فيه يجعل الاحتفال بالنبي واجباً, أن تذكر أخلاقه وحياته وصفاته وآثاره ومعجزاته وسننه وما نُسي من سننه, وكنا في إحدى المدن نحي سنة من سنن الرسول التي نُسيت فإذا بالمدينة كلها تحيي هذه السنة وتعود إليها, وعنه "من أحيا سنة أُميتت من بعدي فكأنما أحياني".
فإذا كان مدح النبي يغفر الذنوب جميعاً, وفي رواية عن حسان بن ثابت الذي كان ممن خاضوا في حادثة الافك عذّبه الله تعالى بالعمى وهو عذاب عظيم (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) شتمه أحدهم أما عائشة رضي الله عنها فقالت لا تقع فيه فقد غفر الله له ذنوبه ببيت من الشعر مدح به رسول الله r:
هجوت محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
اتهجوه ولست له بكفء فشرّكما لخيركم افتداء
ولهذا على كل شاعر أن يجعل زكاة شعره أن يمدح النبي ببيتين من الشعر عسى الله أن يغفر بهما ذنوبه.
الوضع الذي نحن فيه يحتاج إلى نفحة عاطفية والقرآن بيننا والأحاديث بيننا والمسلمون انفرط عقدهم فما هو الذي يجعلهم يتماسكون؟
إنها شخصية النبي وننطلق من هذا الاحتفال إلى أن نستذكر سيرة المصطفى بطرح جديد موافق لطبيعة العصر ونزيل عنها كل ما شابها ونجعل هذه المناسبة فرصة كي نتحفل حول الرسول .
فهذه الأمة مكرّمة وفضّلها الله تعالى على العالمين (كنتم خير أمة أخرجت للناس) أمة طاهرة في عرضها ، في رحمها, وفي توحيد الله عزّ وجل, خمسة عشر قرناً والتوحيد هاجسنا, وعلى المسلمين أن يعتنوا بهذا المولد عناية أكاديمية جديدة ليثبّتوا الناس على ما ينبغي أن يثبّتوهم عليه, والاحتفال ببدر والإسراء والمعراج والمولد تجديد للعلم والفكر والإيمان.
وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من أحباب النبي.
ومن المشاركات في هذه المناسبة مشاركة الأخت الشاعرة "إلهام" من عمان بالأبيات التالية:
رأيت اليُتم ضيماً في البرايا ويُتم المصطفى عز وجاه
بأن الله أودعه الحبيب وربّى بالفضائل مصطفاه
برغم الفقر ما فقر الحبيب فقد أعطى الإله له غناه
قرآناً كشمس الصبح يهدي وبدراً مثله هدياً عطاه
وأصحاباً كحبات الثريا أضاءوا لنا الطريق لمنتهاه
وبشرى في الضحى ولسوف ترضى يقيني إن ربي قد رضاه
وجنباً ليّناً لم يعتريه جفاء للصديق ومن ولاه
ونهراً كوثراً في الخلد يجري فأين الفقر أين من ادّعاه؟
فكان البِّرُ بالأيتام دوماً كريم مرسل غيثٌ عطاه.
وسألت إحدى الأخوات ما هو المطلوب منا عمله في هذا اليوم المبارك؟
إنه علينا الإكثار من الصلاة عليه, وتتبع سيرته وتجديد عهده, وعلى العائلات أن تجمع الأولاد في هذا اليوم ويعلموهم السيرة ويجدّدون إيمانهم ويتذكروا حياته وإيمانه وأفضاله كما جاء في الحديث الشريف عنه :
"أدّبوا أولادكم على حبّي".
|