بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

البيئة التي نشأ فيها الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم

 

من الصعب أن نعرف الحال التي كانت عليها بادية لم تعرف العمران إلا في العقود الأخيرة ، فقبلها كانت مناطق رعوية يجوبها الناس بقطعانهم ؛ يضربون في أرجائها طلبا للكلأ , ولكن أقل ما نستخلصه هو أن البوادي كانت منعزلة عن السياسة ، بعيدة عن تعقيدات الحياة ، عوّدهم شظف العيش القناعة بالقليل وإن هذه البادية لم تتخل عن عاداتها الحسنة ، المتمثلة في الكرم والسماحة وببساطة الحياة .
كما أنه لم يخل مضرب من مضاربها من معلّم للصبيان يتلقى أبناء القبيلة على يديه مبادئ القرآن والفقه.
وبادية - منطقة الجلفة - واحدة من تلك البوادي العامرة التي كانت موطنا لأولاد نايل الذين كانوا – وإلى الآن يهتمون بتربية المواشي ، وهي مصدر رزقهم, وامتازت باديتها الشمالية وبالأخص ـ منطقة حاسي بحبح ـ بمناخ جمع بين الصحراء والسهب والسهل , فيها الدفء في سفوح الجبال بعيدا عن ممرات الرياح , وإذا اشتد البرد ففي الأشجار القريبة مؤونة ، وعلى مرمى حجر أرض منبسطة على مد البصر ، تزرع قمحاً وشعيرًا، وقد يغيث الله العباد والبلاد فتأتي بالخير العميم , وغير بعيد عنها صحراء شاسعة لا تتخلى عن نباتها الأبدي ، ولا عن رمالها الذهبية ، ولا عن قطعان الإبل التي تجوب أرجاءها المترامية الأطراف .
 في هذه البيئة ، ولد سيدي محمد بن أبي القاسم ، في المكان المسمى "الحامدية" التي يسكنها أولاد الغويني من أولاد سي أمحمد من قبائل أولاد نائل .
 أما كيف حل أهله بهذه المنطقة ، فذلك لأن العلاقة بين هذه المنطقة والهامل وطدها اشتغال أهل الهامل بتعليم القرآن ، وإقبال أهل هذه المناطق على تعلمه ؛ مما كون رابطة أقوى من أن تنفصم .كما أن الهامل التي يسكنها أهله ضيقة الرقعة ، شحيحة المرعى ، قليلة الكلإ ، قاسية ، لأنها صخرية في غالبها .
 ولعل هذا مما دعا والده وعمومته للإقامة - بالحامدية - ومن المعلوم أن البيئة بكل مكوناتها تؤثر في ساكنها ويتصرف الوافد إليها تصرف أهلها فـتطبعه بطابعها .
 ولهذا كان أهل الحواضر العربية في القديم يرسلون أبناءهم إلى البادية .
ومما لا مرية فيه ؛ أن من عاش في ولاية الجلفة الحالية عموما يجدها تجمع جملة من الفضائل قل ما اجتمعت في غيرها من مناطق الجزائر الأخرى ، فالكرم طبع متأصل في سكانها والذكاء سيماهم، وحصافة الرأي جبلتهم .
 هذا إلى جانب ما تمنحه من صحة للأبدان بفضل هوائها النقي ، وخيراتها التي تدرها أرض معطاء .
على هذه الأرض الطيبة ولد شيخنا سيدي محمد بن أبي القاسم ، وعلى ثراها درج وبين أحضانها ترعرع .
 وكم كان قلبه يهفو إليها – بشهادة أقرانه – من بعد ما توطنت أسرته الهامل .وبعد ما صار علمًا شامخاً طبّقت شهرته الآفاق .
 ومن المؤكد أن الوفاء الذي تعلمه من الحامدية هو الذي جعله يزورها من حين إلى حين ويجل أهلها ، مما جعل وفودهم لا تنقطع عن الزاوية ومجالسه لا تخلوا من ذكر مآثر رجالها . ومجالسهم لا تخلو من ذكره وكم من قصيد قيل فيه وفي زاويته .
يتبارى في ذلك شعراء الفصيح والملْحون عن السواء. نسب سيدي محمد بن أبي القاسم الأنساب في غالبها تثبت بالشيوع ، لأن الحقبة أطول من أن يتمكن الناس من إثبات أنسابهم ، خاصة إذا أضفنا إلى هذا آفة التجهيل المنظم الذي قام به الاستعمار الفرنسي طيلة تواجده بهذه الأرض الطيبة , لكن هذا لم يمنع أناسا من أن يحافظوا على أنسابهم ويحفظوها ، ويبقوا على تسلسلها خاصة إذا كان هذا يصلهم بخير الخلق وخير الرسل سيد ولد آدم ؛ محمد بن عبد الله -
صلى الله عليه وسلم- .
 وفي شجرة نسب - سيدي محمد بن أبي القاسم - الموجودة بالزاوية ؛ والتي عليها أختام وتوقيعات أزيد من سبعة وعشرين عالما بالأنساب من شتى أقطار العالم الإسلامي ؛ ورد نسبه –رحمه الله- كما يلي :
 هو أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن ربيح بن محمد بن عبد الرحيم بن أيوب بن عبد الرحيم بن علي بن رباح بن أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الكريم بن موسى بن عبد الكريم بن عبد الرحيم بن عبد الله بن أبي زيد إلى آخر السلسلة التي سبق ذكرها عند تعرضنا لنسب أشراف الهامل .
 فالشيخ –رحمه الله – واحد من أبناء هذه القرية ، ينتسب إلى من تنسب إليه ؛ إلى الدوحة الحسنية المحمدية الضاربة الجذور في المغرب العربي ، وإلى عائلة سيدي أبي زيد بن علي الذي يجمع الرواة والإخباريون على أنه الأصل لغالبية أشراف المغرب الأوسط .

(يتبع)