|
مقدمة : الجزائر غداة الاحتلال
إن الحديث عن الرجال يتطلب التعرف على الفترة الزمنية التي عاشوا فيها ، ويصعب الأمر على من يريد أن يوفي الموضوع حقه إذا كانت الفترة مما لم يعرض له الباحثون .
وفي غياب المراجع الكافية ، قد يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى اعتماد ما تنقصه الدقة في بعض الأحيان , وتكون المهمة أشق إذا تعلق الأمر بشخصية أخذت منابعها من الريف ، أو من البادية ، لأن الغالب على التاريخ أن يكون تابعا للعمران .
وباستعراض ما أوردته المراجع عن الفترة الممتدة بين عامي 1820و 1830 من التاريخ الميلادي نستخلص أن هذه الفترة كانت ممهدة للاستعمار بحق ، خاصة إذا عرفنا الضنك الذي كان يعيشه المواطن الجزائري ، وما انجر عنه من تدهور ، وما آلت إليه الحياة السياسية والاقتصادية من انهيار ، جعل السلطة الاستعمارية في الجزائر تعاني من الانتفاضات الشعبية المتكررة ، كما ورد في تقارير تلك السلطة الاستعمارية الفرنسية :(إن جنودنا قد تصدوا لحرب هؤلاء الدعاة الثائرين وقد سقط عدد من الموتى إثر تلك المعارك ). هذه السلطة لم تتحكم حتى في جنودها الذين يفترض أن عليهم المعول في حمايتها .
ففي محاضراته حول تاريخ الجزائر يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله ( إن ثورة الانكشارية سنة 1817م أدت إلى مقتل عدد كبير منهم يقدره البعض بـ 1500 شخص .)
كما أن الكوارث الطبيعية التي أصابت الجزائر في تلك الفترة كانت عاملا مهما في تخلي المواطن عن الدولة التي لم تراع ظروفه ، فأنهكت كاهله بالمغارم ، ومن هذه الكوارث الجفاف والجراد والمجاعة .فقد قال أحد المؤرخين :(... ثم جيش من الجراد قدم من الصحراء وانتشر صيف 1815 م في كامل أنحاء الولاية ، متلفا القسم الأكبر من منتوجات البلاد الزراعية ، وتسبب ذلك في مجاعة عمّت البلاد).
تلك هي الحال الاجتماعية التي كان يعيشها كامل أبناء الجزائر ، ولم تكن الحال السياسية أحس منها ، لأنها أدت في نهاية الأمر إلى سقوط الجزائر في يد الاحتلال الأجنبي .
وعلى النقيض من كل هذا ، كانت الحياة الثقافية بخير ، فقد كان التعليم العربي الإسلامي منتشرًا ، والثقافة الإسلامية يتلقاها الجزائريون على اختلاف طبقاتهم .
فقد كان كل فرد – تقريبا – يعرف القراءة والكتابة .
ولقد وصف الدكتور أبو القاسم سعد الله هذه الحالة بقوله ( تشهد كتب الرحالة الأجانب الذين زاروا الجزائر خلال العهد العثماني ، أن التعليم كان منتشرًا ، وأن كل جزائري – تقريبًا – كان يعرف القراءة والكتابة.
وكان التعليم حرًا من سيطرة الحكام العثمانيين.فكان سكان كل قرية ينظّمون – بطرقهم ووسائلهم الخاصة – تعليم القرآن والحديث والعلوم العربية والإسلامية ، وكانت الزوايا المنتشرة في أرجاء الجزائر على شكل جامعات للتعليم العالي الديني ، يِؤمها الطلاب للتزود من مشايخها )ولقد كان يبلغ عددها عند دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر تسع وأربعين وثلاثمائة زاوية , وهذه الزوايا كشفت مخابر الدراسات الاستعمارية أنها كانت معاقل للعلم ومحاضن للثورات التي اندلعت في وجه المستعمرين الفرنسيين للجزائر بعد ذلك.
إن الثقافة الشائعة آنذاك في الجزائر لا يمكن أن نصفها بمواصفات الثقافة السائدة في الغرب آنذاك ,لأن العلوم المدرسة كانت علومًا تربط المسلمين بربهم ، وتشدهم إلى عقيدتهم ، وتحفزهم على الثورة ضد من أراد أن يستعبدهم , بدليل أن الانتفاضات الداخلية التي نشبت في تلك الفترة في وجه المستعمرين الفرنسيين كان يقودها دعاة متدينون ، تشبعوا بالثقافة الإسلامية ، فرفعوا أصواتهم منددين بالاستعمار ، داعين إلى رفع الظلم على أبناء وطنهم , وإذا لم يثوروا ثورة عارمة ، فلأنهم اختاروا أن يحكمهم حكام مسلمون على أن يحكمهم الكافرون
هذه حال الجزائر مع بداية الفترة التي نترجم لواحد من الرجال الذين تركوا بصماتهم فيها ، مع بداية الاحتلال الفرنسي.
|