بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

من أجل حماية مقدّساتنا الإسلامية:
دعوة لإعادة الحجاز للحجازيين (5)  

عبد الكبير السبعاني
 بيروت
 

   في إطار المحاولات المحمومة التي يبذلها نظام آل سعود لمحو الخاصية الحجازية ومنع هوية الحجازيين من الظهور مجددًا, تحاول وزارة داخلية نظام آل سعود، منع انعقاد المجالس الحجازية التي يتم فيها بحث الأمور العامة، والتي كانت تنعقد في العادة أسبوعيًا، وقد تلقى بعض الحجازيين تهديدات هاتفية أو عبر الرسائل من هذه الوزارة تطالبهم بالامتناع عن عقد مثل هذه المجالس, وكان التركيز في هذه التهديدات على كون تلك المجالس تنعقد بشكل مستمر وفي أماكن محددة ذات معنى حضاري وعلى فحوى المواضيع التي تبحث فيها.
 وتؤكد ـ يماني ـ في كتابها الذي اشرنا إليه في الحلقات الماضية, أن الطبقة التجارية الحجازية كانت في مطلع القرن الماضي, وقبل سيطرة آل سعود على البلاد والعباد, أكثر خبرة في التجارة مع باقي دول العالم, وأنها امتلكت قدرة في اللغات والاتصالات، وكان وضعها المالي أفضل بكثير من وضع النخبات النجدية، كما أنها اكتسبت المزيد من الخبرات والمقام الاجتماعي خلال الحكم الهاشمي للحجاز, أما بعد الخمسينيات، فقد تبدل وضع المجموعة التجارية الحجازية وانحدر نحو الأسوأ, وانقرضت بعض الوظائف والمؤسسات التي كان الحجازيون يعتزون بها خلال الحكم الهاشمي وخلال الحكم العثماني.
 وتحدثت المؤلفة عن وظائف المطوفين بين الحجازيين الذين كانوا يقودون الحجاج إلى أماكن العبادة ويهتمون بأمورهم خلال مواسم الحج، وكيف استولت الوزارات التابعة لنظام آل سعود على تلك الوظائف وانتزعتها منهم، وذلك في إطار سعي آل سعود الدائم للقضاء على الهوية الحجازية الاجتماعية والاقتصادية, كما استولى آل سعود على جميع الموارد المادية الأخرى التي كان الحجازيون وقادتهم يحصلون عليها من مداخيل الحج.
 والمعروف أن رجال الدين الحجازيين كانوا من خريجي الأزهر في مصر وكانوا يرتبطون بمدارس الفقه المختلفة, الشافعية, والحنفية, والمالكية, أما علماء نجد الوهابيون فهم يتبعون المذهب الحنبلي ويفرضونه على باقي المذاهب الفكرية فرضًا, كما يفرضونه على المسلمين الآخرين, كما أن النساء الحجازيات كنّ على معرفة وثيقة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكنّ يتناقشن في شؤون الفقه مع العلماء, وهو أمر لم يكن موجوداً أبدا لدى النساء النجديات.
 وفي تفسير مُعمّق لتأثير حرب الخليج الأولى في عام 1991 على الوضع الديني والسياسي في نظام آل سعود، تؤكد يماني أن صعود التصلّب والتشدّد الإسلامي اتخذ توجهاً خاصا لدى الكثير من فئات المجتمع في شبه جزيرة العرب بما فيها الفئات الوهابية الجديدة, وقد قاد إحدى هذه الفئات الشيخان صفار الحولي وسلمان العودة اللذين ساهما في انطلاق ما سُمي يومها بـ" انتفاضة بريدة" في عام 1995 حيث تظاهر ما يوازي 10 آلاف شخص ضد السياسات الأمريكية والوجود الأمريكي العسكري في شبه جزيرة العرب وانتقدوا الفساد لدى آل سعود. وقد ألقت سلطات آل سعود القبض على قادة هذه الانتفاضة ثم أفرجت عنهم في عام 1998 وبعد ذلك قررت فتح المجال أمام جهات أخرى مقربة من النظام لطرح القضايا التي طرحتها المجموعات السابقة, وهذا الأمر ـ حسب يماني ـ زاد في قوة موقع آل شيخ ونفوذهم في النظام، الذين قدموا المزيد من الدعم لمواقف نظام آل سعود السياسية ووثّقوا العلاقة بين الوهابيين وآل سعود بدفاعهم عنهم ضد كل محاولات تعريتهم وكشفهم, وقابل النظام هذا الدعم بتقديم المزيد من المناصب والمنح لآل الشيخ, وأطلقوا أيديهم عن طريق ما يسمى بـ" شرطة المطاوعة" التي وزادت من عمليات القمع التي تمارسها على المواطنين.
 وبالإضافة إلى ذلك تخلّى النظام تمامًا عن أية رغبة في التعاون مع العلماء الحجازيين, وتحول أكثر فأكثر نحو العلماء الوهابيين, وأعاد إنشاء منصب المفتي الأكبر بعد حرب الخليج, متيحًا المجال لبعض الفتاوى التي تناسبه وتبرّر قيامه بفتح بلاد المسلمين أمام القوات الأجنبية, وقيام تلك القوات باستباحة بلاد المسلمين والتنكين بالمسلمين, كما فتح النظام في نفس الوقت الباب أمام الوهابيين لمحاربة ما يسمّيه "البدع في الإسلام" والقيام بحملات تطهير وقمع ضد أي تفسير للإسلام يتناقض مع تفسيره, كما ضاعف النظام من حملاته ضد الشيعة والصوفيين.
 وبعد ..
إن جوهر ما نطالب به في هذه المقالات هو ضرورة إعادة الحجاز للحجازيين, وعودة العلماء من الأشراف وآل البيت، ومن غير الموظفين لدى سلطات آل سعود, ضرورة عودتهم لرعاية موسمي الحج والعمرة, والإشراف على المقدسات الحجازية (مكة والمدينة) وبما يتطلبه هذا من امتلاكهم لحق الإفتاء, وحق إبداء الرأي المستقل في قضايا الأمة، بعيداً عن التشدّد الذي يسود الآن تلك الفتاوى بفعل الفكر الوهابي المتطرّف.
 إننا نطالب بأن يتولى أمر هذه الأماكن المقدسة علماء من كافة المذاهب الإسلامية المقدرة والمعترف بها (من السنّة والشيعة وغيرهم) وبعدم انفراد فريق من المُتخلفين عقلياً وعقائدياً بأمر الرعاية والإفتاء في مقدسات المسلمين، من عيّنة ـ ابن جبرين ـ وقبله ـ ابن باز ـ وغيرهم، إننا نطالب بإعادة الاعتبار لـ "مكة المكرمة"و" المدينة المنوّرة" وكل الحجاز كرمز لأمة الإسلام وليس لفريق من الناس ، كما هو الحال اليوم. فمن لهذه الدعوة .


( انتهى )