|
تعامل آل سعود بعد استيلائهم على الحجاز, تعامل مع الحجازيين بالخديعة والمكر, حيث استخدموهم في الإدارة والاقتصاد بحجم خبرتهم في هذه المجالات وسعة إطلاعهم عليها بحكم اختلاطهم بمختلف الفئات الحضارية التي كانت تتعامل معهم أثناء مواسم الحجم والعمرة, وهو أمر ارتضاه آل سعود لحاجتهم في تلك الفترة للحجازيين, حيث كان آل سعود مجرد قطاع طرق يعتمدون في معيشتهم على السلب والنهب, ولم تكن له أية دراية من أي نوع كان بصنوف التعامل الحضاري مع الآخرين .
ومع مرور الزمن برزت أجيال "نجدية" مدرّبة في العقود الأخيرة من المؤيدين لآل سعود, وهي التي بها تمّت عملية إزاحة تدريجية للحجازيين, وهو ما كرّس من شعور الأخيرين بالخصوصية والتميّز (والتمييز ضدهم أيضاً), وخاصة في موضوع عوائد النفط التي استولى عليها آل سعود بالكامل وحرموا بقية فئات المجتمع منها , بما في ذلك حتى فئات واسعة من النجديين الذين أيّدوهم ومكّنوهم في البداية, بحيث أصبح النجديون خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي يعانون كغيرهم من فئات المجتمع من الحرمان والفاقة والفقر, بعد أن سحب أمراء آل سعود البساط من تحت أقدامهم , تمامًا مثلما فعلوا مع الحجازيين قبلهم.
وثمة سؤال يظل من دون إجابة له علاقة ببقية مناطق شبه جزيرة العرب, مثل عسير, والإحساء, والمنطقة الشرقية بصفة عامة, وهو: هل تعاني هذه المناطق أيضاً من أزمة هوية محلية وتشعر بالغبن الذي يشعر به الحجازيون.
إن الحقيقة التي يحاول نظام آل سعود تمييعها وتعمية الناس عنها, هي أنه وكما همّش الحجازيين, وجزءًا كبيرًا من النجديين, فعل الشيء نفسه مع سكان عسير, ومع سكان المناطق الشرقية من شبه جزيرة العرب, حيث مارس القمع والبطش ضد كل من يخالفه الرأي في تلك المناطق, كما مارس على أهلها وسكانها مختلف صنوف التهميش وبما نزع منهم هويتهم وعمل على فرض هوية أخرى دخيلة عليهم, وهي هوية آل سعود, وكان النظام يلجأ إلى تنفيذ مخططه عن طريق وسائل شتّى من صنوف القهر والتذليل, تبدأ بالتجاهل التام للمناطق الفقيرة والمحتاجة لأبسط مقومات الحياة , وصولاً إلى محاربة ومضايقة من تمكن من أبناء تلك المناطق من الوصول إلى مناصب قيادية في النظام, حتى يترك المّستهدف وظيفته صاغرًا مفضلاّ النجاة بنفسه على أن يتجرّع الذلة كل يوم.
لقد استخدم آل سعود نفس الطرق التي استخدمها ولا زال يستخدمها أسيادهم الإنجليز في التعامل مع البلاد التي يفرضون عليها الاحتلال, حيث كانوا أثناء فترة الاستعمار المباشر يفرضون التجاهل والتهميش المطلق ضد كل من لا يخضع لهم ويلبي طلباتهم المتركزة أساسًا على القبول دون تردد بدور العميل المُنصاع تمامًا لأوامر السيد المُستعمر, ثم وبعد انتهاء فترة الاستعمار المباشر , مارس الإنجليز نفس الدور على نخبة مختارة من عملائهم, وهم من مكّنوهم من الوصول إلى السلطة .
وهذا ما مارسه آل سعود , فهم تصنّعوا الاستكانة والود مع الحجازيين في البداية بهدف استمالتهم إلى حين استكمال هيمنتهم على مقدرات البلاد والعباد, ثم وبعد أن تم لهم ذلك قاموا بتحييد الحجازيين شيئًا فشيئًا إلى أن همّشوهم تمامًا, بل وقاموا بانتزاع حتى خصوصياتهم الاجتماعية منهم .
ونفس الشيء فعلوه مع النجديين, وإن كانت هذه الفئة من المجتمع لم تتعرض ـ حتى الآن على الأقل ـ لما تعرض له الحجازيون, ولكن المؤكد أن مصيرهم سيكون مثل مصير الحجازيين في النهاية , التهميش الممنهج والبطيء , إلى حين الوصول إلى مرحلة التهميش الكامل والطلق في نهاية الأمر .
(يتبع)
|