بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

من أجل حماية مقدّساتنا الإسلامية:
دعوة لإعادة الحجاز للحجازيين (1)  

عبد الكبير السبعان
ي بيروت
 

   كشفت الحرب الأمريكية / الإسرائيلية الأخيرة على لبنان ، أهمية دور علماء الإسلام في الصراع ، انطلاقاً من أن الدين هو ضمير الأمة ومحركها الرئيسي طالما كان المضمون هو رعاية مصالح الأمة ، ليس العمل لصالح الحكام المتأمركين ، وفي هذا السياق ، ظهرت فتاوى استخدمت الإسلام والفتاوى المُفبركة كسلاح ضد المجاهدين في لبنان وفلسطين ، وهو على نقيض من جوهر دعوة الإسلام الصحيح، وعليه صار من الأهمية بمكان إعادة الاعتبار لدور (مكة) وما يصدر عنها من فتاوى ، وما يلعبه علماؤها من دور ديني وسياسي بناء على طلب من آل سعود المتحكّمين في تلك الديار.
 وفي هذا الإطار تأتى الدعوة لأن يتحرك العلماء وخطباء المساجد بالحجاز لإعادة الاعتبار مجدداً إلى الإسلام الصحيح، ولن يتم ذلك إلا بتوليهم مجدداً إمرة الحجاز بمقدساته ومنزلته الكبيرة في مكة والمدينة المنورة، وهى استعادة ضرورية لأمة الإسلام وليس لأهل الحجاز فحسب، وذلك لتخليصها من الفكر الوهابي المتطرّف والمعادى بفتاويه المتطرفة لقضايا الأمة الرئيسية وفى مقدمتها قضية (المقاومة)، و(الحريات) و" التقدم السياسي والاقتصادي ".
 إن المسئولية في هذا الدور المنتظر تقع تحديدًا وبشكل مباشر على (العلماء) و(الفقهاء الأحرار) وفى مقدمتهم خطباء المساجد في بلاد الحجاز, أرض المقدسات والطهارة, والذي ارتبط تاريخيًا بأهله الأشراف الذين كانوا يتولون بالرعاية تلك المقدسات الطاهرة منذ أن شعّ نور الإسلام العظيم في بلاد العرب وحتى تاريخ نكبة تلك الديار باستيلاء آل سعود عليها . ولكي نفهم خصوصية الحجاز وأهميته ، وبالتالي أهمية هذه الدعوة ، دعونا نتأمل ما كتبته الكاتبة مي يماني( ابنه وزير النفط الأسبق أحمد زكي يماني ) في كتابها المهم (الحجاز والسعي نحو هوية عربية, والصادر عن دار نشر /أي بي تاوس/ – لندن – 2004 ) : فمن خلال التعمّق في "الخصوصية الحجازية"
 نرى أنها ما زالت تحتفظ بطعمها ومذاقها وعوامل اختلافها، حتى لا نقول افتراقها ، عن بقية أجزاء الوطن في شبه جزيرة العرب (وخاصة في نجد حيث السلطة لمركزية والحكم) ؛ فالحجاز ما زال متميّزاً عن بقية مناطق شبه جزيرة العرب سواءً ثقافياً, أم اجتماعيا, أو دينياً ، وذلك رغم مرور ما يزيد عن سبعين عاماً على استيلاء آل سعود على تلك الديار .
 وللتدليل على "الخصوصية الحجازية" في الإطار العام نقول, إن الحجاز كان وما زال في كثير من جوانبه مُتصفاً بالتنوّع والتعدّدية والانفتاح على العالم بسبب وجود مكة والمدينة في قلبه, إذ أنه بحكم قدسية المكانين استقبل الحجاز وما زال يستقبل ملايين الحجاج من مختلف بقاع الأرض, بجنسياتهم, وألوانهم, وثقافاتهم المختلفة. وعلى مدار القرون الماضية كان لأولئك الحجاج دور مُؤثّر في تشكيل المزاج والهوية الحجازية التي اتّسمت بالانفتاح و"العولمة المحلية" المبكرة, فلم يقتصر ذلك الانفتاح والإطلاع على طوائف المسلمين بتقاليدهم ومذاهبهم المتنوعة, بل امتد أيضًا إلى غير المسلمين الذين كان يأتي بهم البحر زواراً أو عابري سبيل أو غزاة, وقد أثّر هذا التنوّع والانفتاح وسعة الأفق على الحجازيين, وهو ما تمثّل في هدوء الطباع, وسعة المعاملة, والتسامح في الاختلاف, وخاصة التسامح في الاختلاف المذهبي والممارسات الدينية, بما فيها استيعاب التيارات الصوفية والروحانيات المختلفة.
 وقد اصطدمت هذه الخصوصية بما يسمى بـ"الوهابية" التي ساندت مشروع الاستحواذ الذي نفّذه أبن سعود في الجزيرة العربية بأوامر مباشرة ودعم مباشر من الإنجليز, فمشروع آل سعود القادم من نجد لم يُنازع الحجازيين على الزعامة السياسية فحسب, بل وأيضاً وأكثر أهمية انتزع منهم حصرية تمثيل الدين ونوعية التعامل مع الدين نفسه, ومن ثم قاموا بتهميش التنوّع الحجازي المذهبي المتسامح وأبرزوا بدلا من ذلك التطرّف الوهابي في الدين والتفسير, وكان ذلك بداية اضمحلال سلطة الحجاز وصعود سلط نجد.


(يتبع)