|
علماء مصر يطالبون باستعادة دور الأزهر في التقريب بين المذاهب
استطلاع رأي لكل من:
1- د.عبد المعطي بيومي: وكيل كلية أصول الدين.
2- د. عبد الصبور شاهين: المفكر الإسلامي.
3- الشيخ محمود عاشور: وكيل الأزهر السابق.
4- د. رشاد خليل: العميد السابق بكلية الشريعة والقانون بالأزهر.
5- الشيخ يوسف البدري: الداعية والمفكر الإسلامي المعروف.
إعداد الاستطلاع: دينا قنديل
مركز يافا للدراسات والأبحاث - القاهرة.
ظل الأزهر الشريف على مدار عصور طويلة منذ أنشأته الدولة الفاطمية المنبر الذي يجتمع عنده المسلمين من كافة بقاع العالم. يأتون من شتى البلدان الإسلامية والغير إسلامية ليتدارسوا علوم الفقه والدين الإسلامي. يتلاقوا ويتقاربوا ليفهم كل منهم الآخر, وبالرغم من وجود اختلافات كثيرة بينهم وهذا أمر أكيد, إلا أنه لم يحدث أبداً خلاف.
هكذا كان دور الأزهر انطلاقاً من خبرة الدولة الفاطمية للتقريب بين المسلمين بكافة أطيافهم ومرجعياتهم وباختلاف جنسياتهم.
وتأكيداً على هذا الدور قام الشيخ /عبد المجيد سليم/ و/ الشيخ محمود شلتوت/ في الأربعينيات من القرن الماضي مع صفوة من علماء الأزهر الشريف [عليهم جميعاً رحمة الله] بإنشاء أول دار للتقريب بين المذاهب مع مجموعة أخرى من علماء الإسلام في العالم كله، وعلى رأسهم الشيخ الإيراني /تقي الدين القمي/ لتثبت مصر ويثبت الأزهر الشريف بهذه الدور أنه رائد في مجال التقريب, وظلت هذه الدار تعمل وتصدر رسالتها للعالم الإسلامي كله (شيعة وسنّة) إلى أن قامت الحرب العراقية الإيرانية فتوقفت الدار, وخلال هذه الأيام أيضاً تحول دور الأزهر ومسخ تماماً كما يرى البعض وضم إليه أفرع كثيرة تدرس في الأزهر وأصبحت جامعة مثل أي جامعة أخرى لا تخرج عالم في مجال الدين إلا من رحم ربي، ولكن ظل الأزهر بالرغم من ذلك المرجعية الإسلامية الأولى للمسلمين وذلك لعدم تحيّزه لفقه دون الآخر, وعدم تصديه لوجهة نظر على حساب الأخرى، ولكن هل يكفي هذا لتوحيد صفوف المسلمين في شتّى بقاع الأرض ونبذ الخلاف بينهم؟
تلك الخلافات التي يعلم الجميع أنها سياسية تماماً وبعيدة كل البعد عن الدين أو الفقه أو الفكر والمرجعية، فهذا الخلاف بدأ سياسياً واستمر سياسياً وسيظل هكذا.
ولنبذ هذا الخلاف وتجنّب عواقبه نحتاج إلى التقريب.
والسؤال الآن باعتبار الأزهر الشريف منارة الإسلام والمرجعية الأولى للمسلمين بكافة فئاتهم وطوائفهم.
ـ ما هو الدور الذي يقوم به الأزهر للتقريب بين مذاهب المسلمين سنة وشيعة في العالم الإسلامي؟
يجيب /د. عبد المعطي بيومي / وكيل كلية أصول الدين بالأزهر:
يكفي أن شيخ الأزهر "شلتوت" رحمه الله وقمة من علماء الأزهر مثل الشيخ عبد العزيز عيسى, والشيخ محمد المدني, والشيخ عبد المجيد سليم, والشيخ المراغي، كل هؤلاء كانوا عاملين في ميدان التقريب مع الشيخ تقي الدين القمي (إيراني) وكانت دار التقريب تجمع هؤلاء جميعاً، كان طليعة الأزهر وصفوة رجاله مهتمين وبقوة بالتقريب بين السنّة والشيعة.
كانت تصدر لجنة أو مجلة أو رسالة التقريب، والشيخ شلتوت أمر بتدريس المذهب الجعفري في كلية الشريعة, وكليات أصول الدين تدرّس الفرق الإسلامية بما فيها الشيعة ومواضع اللقاء والخلاف بينهم، وهو دور نشط منذ نشأة الأزهر على يد الدولة الفاطمية التي كان لها فضل الإنشاء والدور المتميّز للأزهر.
فالفقه الشيعي يدرس في كلية الشريعة من خلال مادة الفقه، وأهم شيء أن تعرف مواضع اللقاء والقواسم المشتركة, لأنه كان في الماضي علماء المذهبين يكفر بعضهم بعض والآن لا تكفير، والخلاف بينهم خلاف سياسي لا شأن للأزهر به وعمل الأزهر فكري وعقدي وفقهي, والدراسة على قدم وساق في الأزهر, والمشكلة السياسية يتولاها السياسيون, ومن المهم اليوم استعادة دور الأزهر والدولة الفاطمية في التقريب بين السنّة و الشيعة.
ويقول /د. عبد الصبور شاهين/ المفكر الإسلامي بجامعة الأزهر:
المفروض أن يقوم الأزهر بهذا الدور أساساً لأن وحدة المسلمين هي الرسالة الأساسية للدعوة الإسلامية, ولذلك استنهض الأزهر وعلماؤه أن يسهموا في هذه المهمة بل أن يجعلوا وحدة الأمة هي الرسالة الأساسية لعملهم الإسلامي.
والأزهر ابتعد عن هذا المجال مع إن هذه هي الرسالة الحقيقية وليست أن يقوم بدور المدرسة, لأن هذا الدور تقوم به المؤسسات التعليمية, ولكن الدور الحقيقي هو السعي لتوحيد الأمة الإسلامية وإعادة بناءها, فهذا هو دور الأزهر فعلاً، والخطوات التي يجب أن يأخذها:
• أن يعلن عن عقد مؤتمر يبحث طرق معالجة الخلافات بين الطائفتين لإعادة توحيدهما في اتجاه واحد.
• ولا شك أنه سيكون خطوة جريئة وضرورية لتحقيق الأمل.
• إذا صدقت النيات واجتمعت العزائم أمكن تحقيق الأمل.
أما /الشيخ محمود عاشور/ وكيل الأزهر سابقاً فيقول:
إن دور الأزهر قديم وبدأ في الأربعينيات ثم تواصل وظلت لجنة التقريب قائمة إلى أن قامت الحرب العراقية الإيرانية فتوقفت اللجنة, والآن سعينا لإحياء لجنة التقريب بين المذاهب لأن كثيرين يريدون أن يعملوا صدع بين المذهبين بإثارة الفتنة, خاصة وأنه توجد اليوم محاولات مستميتة من بعض القوى لتفتيت وحدة المسلمين وإثارة الوقيعة بين الشيعة والسنّة, والشيعة لا شك أنهم مسلمون يؤمنوا بإلهنا ويصلوا صلاتنا وسيدنا محمد (صلى الله عليه -وآله- وسلم) قال :" من قال لا إله إلا الله فهو مسلم".
وعملية تكفير المسلم جريمة من الجرائم, فقد قال (صلى الله علية -وآله- وسلم): "من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه" صدق رسول الله, والقضية أن تفهم الناس أن المسلمين مسلمين وأننا نلتقي على الأصول في الإسلام وقد نختلف في الفروع.
والأئمة الأربعة اختلفوا ولكن لم يقاطعوا بعض أو يكفّروا بعض بل كانوا متحابين, وهذا هو عمل لجنة التقريب بين المذاهب حتى لا يكون هناك انفصال أو انقسام من هنا أو هناك, ويقول الله تعالى "المؤمنون أخوة" والأخوة فرضها الله أيضاً فرض وحدة الأمة وقال تعالى "إنما أمتي أمة واحدة" وإذا اختلفنا في بعض القضايا فهذا لا يجعلنا نقاطع بعضنا البعض أو نكفّر بعضنا البعض, وما يقدمه الأزهر هو الدين المعتدل, حيث تدرس كتب الشيعة في الأزهر وهو المرجعية الدينية, وقالها (محمد خاتمي):" أنه قيمة من القيم العليا التي لا يوجد بها تعصّب ولا تعلّي مذهب على الآخر".
ويقول الدكتور /رشاد خليل/ عميد كلية الشريعة والقانون سابقاً:
أن الأزهر يمثل المؤسسة العلمية الإسلامية الكبرى في العالم والتي تتسم بالسماحة والصدق والالتزام بكل ما تستوجب التابعية العلمية عليه من إحقاق للحق وعدم الميل أو الانحياز أو التعصب لفئة بعينها على حساب الأخرى, وهذه رسالته منذ النشأة.
فهو لكل المسلمين باختلاف مذاهبهم, ودوره هو تعلية المفاهيم الإسلامية والاجتهادات الفقهية وتنقيتها مما قد يشوبها من انحراف أو غموض، ومنذ أن قام الأزهر وهو يستوعب في دراسته وعلمه الفكر الفقهي لكافة المذاهب (سنّة - شيعة - أباضية) وتنفيذاً لهذا التوجه فهناك في الأزهر أقسام علمية متخصصة في الفقه المذهبي والمقارن في كليات الشريعة وكذلك كليات الدراسات العربية والإسلامية, بل إن الفقه أيضاً يدرّس في كليات الأزهر المستحدثة والأصلية.
فالفقه أحد الثوابت الأصلية في الدراسة الأزهرية التي لا تميّز فئة عن أخرى, أو فقه عن آخر, وكافة الدراسات والأبحاث والرسائل التي تعد في الأزهر تستوعب كافة الآراء والاجتهادات, لأن المذاهب الفقهية كلها مستندة إلى توجه وفكر سديد, فهذه المذاهب نشأت مع المسيرة الإسلامية ولا تمثل تجزئة للإسلام بل هو قول وعلم واجتهاد في الدين وتعبّر عن مناهج أصيلة سواء كانت شيعة أو سنّة.
إن دور الأزهر.. الدولة الفاطمية يكمن في الدراسة عدم إغفاله لفكر على حساب الآخر وعدم انحيازه لفئة دون الأخرى, وأيضاً يقوم بمجامع علمية تعقد ويحضرها أهل الشيعة والسنّة من كافة البلدان للتقريب بينهما.
ويرى الشيخ /يوسف البدري/ المفكر والداعية الإسلامي المعروف:
يقول عزّ من قائل (يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة) ومعنى هذا أن كل المسلمين يجب أن يسالم بعضهم بعضًا, لا فرق في ذلك بين حنفي ومالكي وحنبلي وشافعي وظاهري, كما أنه لا فرق في ذلك بين سنّي وشيعي, وحساب الكل عند الله، لكن يجب على كل فئة من هذه الفئات أن تحترم الفئة الأخرى وأن تعيش مع الأخرى, وإذا كان الله تعالى نهانا عن أن نسبّ من يعبد من دون الله ولا ما يعبدون من دون الله، يقول عزّ من قائل: (ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله) فمن باب أولى نحن معشر المسلمين بأن نتعايش سلماً وأن يحترم كل واحد منا الآخر ولا يعيب منهجه في الحياة.
والحق إن الخلاف بين السنّة والشيعة نشأ منذ عصور الإسلام الأولى وما زال يتشكل بأشكال كثيرة، وهذا باطل شرعاً لقوله (صلى الله عليه -وآله- وسلم): [قتال المؤمن فسوق وقتاله كفر].
وإذا كانت فترات من التاريخ شهدت حروباً دامية وأخرها ما يجري في العراق فإن علينا أن نتخلص من هذه العصبية التي يقول فيها (صلى الله عليه -وآله- وسلم): [دعوها فإنها منتنة] يعني العصبيّة.
والأزهر نشأ أصلاً منبراً للتشيع, بناه الفاطميون الشيعة منذ أكثر من عشرة قرون إلا أنه تحول سريعاً منبراً لأهل السنّة والجماعة وحافظ على سلوكيات المسلم الصحيح, وكان من بين الذين سعوا إلى التقريب بين الشيعة والسنّة (بمعنى نبذ الخصام وإحلال التعايش) كان منهم الإمام الأكبر /سليم البشري/ وجاء من بعده الشيخ /محمود شلتوت/ وتوالت المسيرة إلى الآن فليت كل الأطراف تعلم ذلك وتوفر قواها للعدو الحقيقي.
والله أعلم.
(يتبع)
|