|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولِ الله، وبعد.
يتبارى بعض أئمة الحرم المكي وعلى رأسهم /عبد الرحمن السديس/في الدعاء لطاغية آل سعود عبد الله في كل جمعة وفي المناسبات الدينية المختلفة .. مثل قولهم: "اللهمَّ وفقه واحفظه وأيِّده بالحق وسائر إخوانه وحكومته، ووزرائه وأعوانه "ا- هـ.
فقلت:
الذي يدعو لطواغيت آل سعود، ووزرائهم، وأعوانهم، وجندهم، ومخابراتهم الذين يسجنون العلماء العاملين، ويُطاردون الشباب المسلم المجاهد ليفتنوهم عن دينهم وجهادهم ـ في أقدس وأشرف مكان ,الذين يُحاربون الإسلام والمسلمين في كل مكان, والذين يزجون باحرار الجزيرة في غياهب السجون والمعتقلات الرهيبة, هؤلاء السدنة من خدم الحكام يتجاهلون عن عمد الحديث عن حلف هؤلاء الطواغيت مع الأمريكان والإنجليز في حربهم على الإسلام والمسلمين ـ ودعائه له بالتوفيق والتأييد هو خروج عما أجمعت عليه الأمة .. إلا إذا أردنا أن نغلق عقولنا، ونُعطل مفردات اللغة ودلالاتها .. وننهج سبيل المحرِّفين والمزورين في الفهم والتأويل!
وقوله " وأيِّد بالحق .. " لا يُغير من المعنى شيئاً .. فهو كقوله " وأيده .." من دون أن يُضيف كلمة " الحق "؛ لأن الله تعالى لا يُؤيِّد بالباطل، فهو – سبحانه وتعالى- لا يؤيد إلاّ بالحق .. ثم هل يجوز أن يُقال أو يدعو المرء
فيقول:
اللهم أيد بالحق مسيلمة الكذاب .. ومن كان أكفر وأطغى من مسيلمة الكذاب .. نعوذ بالله من الكفر والخذلان؟!
الذي يفعله إمام الحرم المكي السديس وغيره خطأ كبير وفق كل المقاييس: الشرعية منها، والسياسية .. ولا يُمكن تحسين الظن به والنظر إليه ببراءة؛ على أنه صادر عن شيخ يريد ـ من كلماته ودعائه ـ الخير للآخرين، وكفى!
ومن الأخطاء والمزالق الشرعية الناتجة عن فعله المذكور أعلاه: أن دعاءه لطاغية محارب للإسلام والمسلمين .. ومن ذوي الكفر البواح ..بأن يحفظه الله، وأن يوفقه، ويؤِّيده، وينصره ـ ومن معه من جنده وأعوانه المجرمين ـ في معركته الوحيدة المعلنة ضد الإسلام والمسلمين بزعم محاربة الإرهاب والإرهابيين .. ويصفهم بالإخوان له .. ثم يُتبع ذلك الدعاء بمجالسة الطاغية ومؤاكلته ومُشاربته .. ومُضاحكته .. ومُداهنته ـ كما هو ظاهر من قوله ـ فهذا يرقى إلى درجة الموالاة الكبرى،
كما قال تعالى:
{ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }المائدة:51. وقال تعالى: { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ }هود:113.
وقال تعالى عن عالم من علماء بني إسرائيل:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الأعراف:175-176.
فالقارئ السديس يعلم بمن نزلت هذه الآيات، ولماذا..
قال أهل التفسير:
نزلت هذه الآيات في / بَلْعَام بن باعُوراء/ .. وكان من كبار علماء بني إسرائيل.. وقد آتاه الله العلم والآيات والكرامات
.. وكان دعاؤه مجاب لا يُرد .. فأخذته العزّة بالنفس والإثم .. فدعا للجبارين الكافرين على موسى - عليه السلام- ومن معه من المؤمنين .. فكفر ـ بسبب ذلك ـ وارتد .. وانسلخ من آيات الله، وما آتاه من الكرامات.
يحسب السديس ومن سار على نهجه من شيوخ وبلاعمة هذا العصر الذين لا يتردّدون في الدعاء ـ على المنابر وفي المحافل ـ للطواغيت الظالمين بالنصر والتمكين .. أن الدعاء للطواغيت الجبارين على المؤمنين المجاهدين الموحدين .. شيء سهل ويسير.. لا ضير فيه.. بينما هو عند الله عظيم، كما
قال تعالى:{ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ }النور:15.
وقال تعالى:{ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ }التوبة:74.
وفي الحديث، فقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" إن العبدَ ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم " البخاري.
وقال - صلى الله عليه وسلم-:" إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار "[ صحيح سنن الترمذي:1884].
وقال - صلى الله عليه وسلم-:
" من أتى أبوابَ السُّلطانِ افتُتِنَ، وما ازدادَ أحدٌ من السُّلطان قُرباً، إلا ازدادَ من اللهِ بُعداً "[رواه أحمد، السلسلة الصحيحة: 1272 ].
كنا نود من إمام الحرم المكي.. أن يحترم نفسه، وحِفظه لكتاب الله.. وعمله ومكانته بين الناس.. وأن ينأى بنفسه عن مجالس الطواغيت الظالمين وموائدهم .. وأغراضهم الباطلة الساقطة.. وعن موارد التهلكة والفتنة والشبهات .. ليجبَّ الغيبة عن نفسه.. وحتى لا يفتن الناس عن دينهم؛ فيصدّهم عن الصلاة جماعة خلفه في المسجد الحرام وهو لا يدري!
نصارحه القول: أن كثيراً من المسلمين من يسألنا.. ويسأل غيرنا عن شرعية الصلاة خلفه .. لمواقفه من الطواغيت الظالمين .. وثنائه عليهم وعلى أنظمتهم وحكوماتهم خيراً .. ودعائه لهم بالنصر والتوفيق والتمكين .. فنُحَارُ جواباً!
نسألك بالله ـ يا سديس ـ أن تتق الله .. وأن لا تُعِن الشيطانَ على عباد الله .. وهذا سؤال عظيم إن رددته فلنا معك لقاء عند أعدل العادلين وأحكم الحاكمين ..
فارتقبه وتجهَّز له!
لو كان نظام آل سعود يحترم نفسه .. ويحترم رجال العلم والدين كما يزعم .. لنأى بهم عن هذه المعامع والأوساخ .. ولحفظ لهم مكانتهم وهيبتهم بين الناس .. لكنه يأبى إلا أن يُسمِّنهم ويربيهم على عينه .. ويُغدق عليهم بالأموال والعطاء .. ليستغلهم أسوأ استغلال في لحظات الشدة والحاجة .. لمصلحته ومصلحة عروش الطواغيت الظالمين .. وسياساتهم الباطلة .. فهل يتنبه الدعاة والشيوخ إلى ذلك؟!
إن طواغيت آل سعود .. طيلة فترة حكمهم .. يستحمرون الشيوخ والدعاة .. ويمتطونهم لغاياتهم وسياساتهم ومآربهم الخسيسة .. كما يمتطي الرجل حمارَه .. فهل يعقل الشيوخ والدعاة ذلك؟!
من الفوارق الملفتة للنظر .. أن طواغيت الحكم في السعودية يحرِّمون على الدعاة والعلماء العمل السياسي .. والتدخل في الشؤون السياسية للبلاد .. فهذا الأمر من جملة المحظورات والممنوعات عليهم .. يؤخذون عليه بالنواصي والأقدام لو تجرؤوا عليه .. لكن إذا كان تدخلهم في السياسة سيصب في خدمتهم .. وخدمة عروشهم وظلمهم وطغيانهم .. وفسادهم .. فالسياسة حينئذٍ مسموحة لهم .. ولهم أن يُمارسوها من كل أبوابها .. كما مارسها السديس بدعائه بنصر سيده الطاغية وإخوانه وأعوانه من طواغيت النظام
وفي ذلك كفاية لمن يريد الهداية , نسأل الله الهداية للجميع.
|