|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وبعد.
من الأخطاء الشائعة التي يقع بها بطانة وأبواق نظام آل سعود أنهم ما من حدثٍ يقع في بلاد الحرمين الشريفين ـ قد يكون من عند أنفسهم ومن عند أولياء أمورهم من طواغيت الحكم والظلم..
وبما جنت أيديهم الآثمة الظالمة ـ إلا وتراهم يتسابقون إلى شجبه وإنكاره .. ويضجّون ويصخبون .. وينظرون إليه بعين الحوَر والعوَر .. فهم لا يرون ولا يُظهرون إلا الجانب الذي يرضيهم ويُرضي أسيادهم .. من دون أن ينظروا إلى الجانب الآخر الذي يلقي المسؤولية عليهم وعلى النظام والقائمين عليه من المفسدين والمخرّبين الحقيقيين .. وهذا من الغشّ والكذب في النصح .. وهو أسلوب من لا يريد الإصلاح ولا السلامة للبلاد والعباد..!
يفعلون ذلك .. بينما عندما يقوم جلادو ومجرمو النظام بهدر الدم الحرام في البلد الحرام .. ويكون لهم السبق في الاعتداء على الحُرمات .. ويتعمّدون قتل صفوة شباب الأمة جهاراً نهاراً .. استرضاءً وتقرباً لأمريكا وغيرها من دول الكفر .. ويقومون باعتقال من يستطيعون اعتقاله من الشباب المسلم ـ وعددهم بالآلاف ـ ليفتنوهم عن دينهم وليمارسوا عليهم أشد أنواع التنكيل والتعذيب .. والإذلال والمهانة ..
عندما يفعل النظام ذلك .. لا نسمع لبطانة السوء هذه همساً ولا إنكاراً .. ولا حديثاً عن حُرمة المسلم .. وحُرمة دمه .. وحُرمة الاعتداء عليه .. والتعرّض له بأي نوع من أنواع الأذى .. فيتناسون كل النصوص الشرعية التي تحرّم ذلك .. ويتحولون إلى خرسانٍ من الشياطين!
فالدم الذي يسفكه النظام الطاغي ظلماً وعدواناً .. بحق المؤمنين المجاهدين .. حلال .. وعمل مُبارك .. ولا أحد يتكلم ولا يعترض .. والدم الذي يُسفك من النظام الطاغي وجلاديه ومجرميه .. يصنّفوه على انه دفاع عن الأنفس والحرمات .. ورد الظلم والعدوان .. وهو في نظرهم القاصر حرام .. ومرتكبوه في النار!
وأنا هنا لا أريد أن أقيّم حدثَاً معيناً لا أملك عنه المعلومات الكافية التي تمكني من تقييمه والحكم عليه .. فأعيذ نفسي وغيري من الدعاة وأهل العلم أن نكون ذلك الصنف من القضاة الذين يحكمون على الأشياء بجهل وغير علم .. نبتغي مرضاة الطواغيت الظالمين .. فيصدق فينا قول النبي - صلى الله عليه وسلم- :" ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ".
ولكن دعونا ننظر للأشياء بخلاف نظرة الأبواق من مشايخ السوء والسلطان .. وبشيء من الإنصاف والعدل .. لما يحصل في بلاد الحرمين .. على أيدي النظام الخائن الذي يحكم البلاد والعباد بالظلم .. والخيانة .. والفساد .. والغدر .. والخوف .. والحديد والنار .. بما يعيننا على فهم وإنصاف كل ما يحدث من مضاعفات وردة أفعال تجري في تلك الديار .. نرضى بعضها .. ونسخط بعضها الآخر!
من جهة الحكم .. فنظام آل سعود وإن زعم أنه يحكم بشريعة الإسلام .. إلا أن واقعه يكذّب زعمه .. وهو أصدق لهجة من زعم اللسان ..
فلا إدارة الحكم والنظام قائمة على أساس الشورى والحكم بما أنزل الله .. ولا الحياة الاقتصادية مضبوطة بحكم الله .. حيث البنوك الربوية تحيط بالحرمين الشريفين .. ولا ثروات البلاد وإدارتها وتوزيعها تخضع لحكم الله ولا حتى لرقابة الأمة والشعوب .. ولا العلاقات الدولية والسياسة الخارجية محكومة بشرع وحكم الله .. وكذلك الحياة الاجتماعية .. والنظام الداخلي للبلاد .. يتخلله كثير من الخروقات والمخالفات المقنّنة والمقصودة والمتعمّدة .. وتتبع ذلك يطول .. وهو معلوم لدى أصغر متابع ومراقب!
ومن جهة فهو نظام يروّج ـ عن سابق إصرار وعمد ـ للرذيلة والفساد والفجور .. لتشيع الفاحشة والأمراض بين المؤمنين .. وجميع وسائل إعلامه المرئية والمقروءة والمسموعة تدل على ذلك، والله تعالى يقول:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}النور:19.
ومن جهة الولاء والبراء .. فهو نظام ولّى ظهره للأمة منذ زمن ليس بالقريب .. ودخل في موالاة ونصرة الكفرة من أعداء الأمة على الأمة ودينها وأبنائها .. دخولاً كلياً لا يماري فيه عاقل ولا منصف!
لا يوجد نظام كافر في الأرض .. ولا طاغوت من طواغيت الأرض .. ممن يحاربون الله ورسوله .. إلا وتربطه بنظام آل سعود علاقات أخوّة وصداقة ونصرة وموالاة متبادلة بين الطرفين .. حتى دولة الصهاينة اليهود الغازيين والمحتلين لبلاد المسلمين في فلسطين .. فهم يؤيّدونها ويدعمونها .. ويحملون الأمة على الاعتراف والرضى بها .. والتطبيع الكامل معها![1].
وهل سقوط دولة أفغانستان المسلمة .. وغزو قوى الكفر والطغيان للعراق .. وبقاء الجيش الروسي الصليبي في الشيشان .. إلا ثمرة من ثمار دعم وتأييد نظام آل سعود لتلك القوى الغازية الكافرة الطاغية!
بينما لا نجد من هذا النظام والقائمين عليه .. نحو المسلمين .. وبخاصة منهم المجاهدين في سبيل الله .. والجماعات الإسلامية الصادقة والجادة في العمل من أجل الإسلام .. والتغيير نحو الأفضل .. سوى الكيد .. والمُكر .. والغدر .. والحرب .. والعداء!
فقد زجّوا بالعلماء المخلصين .. الناصحين والمُصلحين .. في السجون ليفتنوهم عن دينهم ومواقفهم .. وهم منذ سنوات عدة .. قد أعلنوا الحرب البواح ـ تقرباً واسترضاءً لأسيادهم وحماتهم في أمريكا ـ على كل من كان له علاقة بالجهاد والمجاهدين .. أو نوع مشاركة سابقة كانت له في مواقع الجهاد المتعددة من العالم .. أو يحمل في نفسه شيئاً من أفكارهم وتطلعاتهم .. فقتلوا منهم من استطاعوا قتله .. وسفكوا الدم الحرام في البلد الحرام .. وفي بيوت الله .. وزجّوا بالآلاف منهم في السجون ليسومونهم سوء الفتنة والعذاب، والتنكيل .. حتى أن من الشباب من يفضل أن يفجّر نفسه ولا يقع أسيراً بين أيدي هؤلاء الظالمين ..
لما يعلم ما ينتظره عندهم من تعذيب وتنكيل لا يُطاق( وما حوادث إلقاء الشباب بأنفسهم من الطوابق العليا في عمارات الرياض إلا تأكيد على صدق ما نقول).
كل هذا والشباب لا يزالون مترددين في شرعية الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وحرماتهم .. ودينهم.. ورعاً.. وخشية التلوث بالدم الحرام.. في البلد الحرام .. ولكن هذا الورع .. قد فهمه النظام الطاغي وأزلامه خطأ.. فجرّأه على ارتكاب مزيدٍ من الطغيان والعدوان.. وملاحقة الشباب المسلم.. وسفك الدم الحرام.. فأزال بطغيانه وعدوانه وظلمه ما تبقى من ورع وتردد في نفوس الشباب.. وألجأهم إلى خيار وحيد.. لا ملجأ لهم سواه.. وهو خيار الدفاع عن النفس، والدين، والعِرض.. وهو خيار له ما يبرره شرعاً وعقلاً.
لذا فإننا نقول وبكل وضوح: طواغيت إن نظام آل سعود وجلاّديه.. وكلابه المسعورة.. هم الذين بدؤوا.. والبادئ أظلم.. وبالتالي لو حصل مالا يسرّهم .. فلا يلوموا إلا أنفسهم .. والعاقل منهم من يتهم نفسه .. لا غيره .. ويراجع مواقفه .. وأين هو ـ في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الأمة ـ من خندق الحق وأهله!
ونقول كذلك على سبيل النصح والوعظ والإرشاد:
أيما أمة تنشد الأمن والأمان .. والسلامة والاستقرار .. لا بد من أن تتقي الله .. وتلتزم جادة الاستقامة والطاعة لله ولرسوله .. وأيما ذنب يظهر ويشيع ويُعمل به .. ويُقر من قبل الخاصة والعامة .. فإن كفَّارته والطهور منه قد يكون مكلفاً جداً!
والفقه حينئذٍ لا يلزمنا أن نقف عند الكفارة وما نزل بنا من بلاء وحسب .. وإنما يقتضي كذلك أن نقف على أسباب نزول هذا البلاء.. وأسباب حصول هذه الكفارة وهذا الطهور!
بنو إسرائيل لما عبدوا العجل لأيام فقط .. نزل بهم البلاء .. وكان لا بد لهم من كفارة وطهور يكفّرون به عن ذنبهم هذا، فنزل الأمر من عند الله:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ}البقرة:54.
فقتل الذين لم يعبدوا العجل آلافاً ممن عبدوا العجل .. وقيل أن عدد الذين قُتلوا من عبدة العجل كانوا سبعين ألفاً .. فذلك كانت توبتهم .. وتلك كانت كفَّارتهم عن ذنبهم.. وكم من عجلٍ يُعبد في أمة الإسلام والتوحيد في هذا الزمان.. ينتظر أهله الكفارة والطهور.. الله تعالى يعلم ماهيتها وكيفيتها .. ونوعها .. وكمّها!
وفي الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال:
" كان إذا صلى همس، فقال - صلى الله عليه وسلم- : أفطنتم لذلك؟ إني ذكرت نبياً من الأنبياء أعطي جنوداً من قومه، فقال: من يُكافيء هؤلاء، أو من يقاتل هؤلاء؟ أو كلمة شبهها، فأوحى الله إليه أن اختر لقومك إحدى ثلاث: أن أسلّط عليهم عدوهم، أو الجوع، أو الموت، فاستشار قومه في ذلك ؟ فقالوا: نكل ذلك إليك، أنت نبي الله، فقال فصلى، وكانوا إذا فزعوا، فزعوا إلى الصلاة، فقال: يا رب أما الجوع أو العدو، فلا، ولكن الموت، فسلّط عليهم الموت ثلاثة أيام، فمات منهم سبعون ألفاً، فهمسي الذي ترون أني أقول : اللهم بك أقاتل، و بك أصاول، ولا حول و لا قوة إلا بالله "[2].
فتأملوا، فهذا نبي من أنبياء الله قال كلمة على وجه الإعجاب بجنده ومقاتليه فقط، فكانت كفارتها أن سلط الله على قومه وجنده الموت فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفاً..
وليس أربعة أو خمسة.. أو عشرة.. فكيف ببلد أو دولة ـ تزعم الانتماء إلى الإسلام ـ ثم هي لا تحكم بما أنزل الله .. وتوالي أعداء الإسلام على الإسلام وأهله .. وتقاتل وتطارد صفوة الأمة من المجاهدين الموحدين .. ومع ذلك علماؤها يزيّنون باطلها ويُجادلون عنها وعن ظلمها وعدوانها .. لا شك أن كفارتها وطهورها سيكون مكلّفاً جداً .. جداً .. نسأل الله تعالى السلامة والعفو والعافية.
خلاصة القول الذي نود أن نختم به هذا المقال ـ وحتى لا نُفهم خطأ ـ هو التأكيد على ما أكدناه مراراً وفي مقالات عدة، ويتلخص في النقطتين التاليتين:
1- أننا لا يمكن أن نؤيّد أو نبارك قصد الاعتداء على الأبرياء ممن صان الشرع حرماتهم ودماءهم .. مهما كانت دوافع ومقاصد المعتدين نبيلة أو شريفة .. فالغاية لا تبرر الوسيلة.
والعدوان على من صان الشرع حرماتهم مُدان شرعاً أيّاً كانت الجهة الفاعلة.. وكان اسمها.. وهذا لا يعني أننا نمنع ـ وفق شروط وضوابط الشرع ـ من أن يُصاب بريء تبَعاً لا قصداً .. وبعد الأخذ بأقصى درجات التحري والحيطة والدقة الممكنة!
2- إن نظام آل سعود .. نظام كافر, طاغي , ومرتد .. قد جمع بين الكفر والخيانة والعمالة .. وجميع فنون الظلم والطغيان .. يجب شرعاً الخروج عليه .. والعمل والإعداد للخروج عليه والخلاص منه .. عملاً بقوله -صلى الله عليه وسلم- :
" إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ".
والأمة ـ إن أرادت أن تستأنف حياة عزّها وكرامتها، وأن تعيد للدين مجده الأول ـ لا بد لها من أن تروّض نفسها لهذه المرحلة .. وهذا العمل .. وتستعد لبذل الكفارة والطهور قبل أن تتعاظم وتتضخّم .. وإلا فلا تنشد الخلاص من هذا الذل والكفر والهوان .. والفقر .. والكبت والإرهاب .. الذي تعيشه ..
ولا تُكثر من السؤال: عن الحل .. وعن سبيل الخلاص!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[1] أذكر في الثمانينات يوم أن كنت في الباكستان .. قدر الله لي أن التقيت بالملحق الأمني لسفارة آل سعود، والمعروف بلقب " أبي مازن "، حيث كان موكولاً له مهمة التجسس على المجاهدين العرب .. وإحصاء عددهم وأسمائهم وبخاصة منهم مجاهدي الجزيرة العربية الأبطال .. وكان في الموقف بعض المجاهدين الأفغان المبتوري الأيدي والسيقان .. يستعطفونه ويسألونه شيئاً من المن والعطاء .. وربما تأشيرة سفر ليعالجوا من جراحاتهم في بلاد الحرمين ..
فقلت له مستشفعاً:
لا بأس بأن تساعدهم .. فرد علي بحنق وغضب: نحن نساعد دولة إسرائيل .. دولة اليهود .. لا نساعد هؤلاء المساكين .. وكرر مقولته هذه أكثر من مرة .. وقد صدق الرجل فهم يساعدون دولة الصهاينة اليهود .. ومنذ زمن .. فتأمل!
[2] أخرجه ابن نصر في" الصلاة "، و إسناده صحيح على شرط الشيخين، السلسلة الصحيحة: 1061.
|