|
قبل العام 1925م كانت مصر صاحبة حضور قوى للغاية في أراضى نجد والحجاز , وكانت تواصل كل عام ومنذ حقب عديدة قبل ذلك التاريخ إرسالها للمحمل المصري إلى الحجاز، وهو التقليد الذي بدأ في عهد الملكة المصرية (شجرة الدر) ، كان المحمل يسير ومعه كسوة الكعبة وما يلزم الحرمين الشريفين على مدى عام بكامله , بما في ذلك الصدقات التي كانت تجمع من شعب مصر لتوزع على فقراء الحجاز.
وفي الوقت الذي لم يكن هناك مورد ماء يشرب منه الحجاج أثناء مواسم الحج كانت مصر أول من فكر في بناء خزان للمياه كان الوحيد في مدينة (منى) لسقاية حجاج بيت الله , وكان المسافرون يأخذون منه حاجتهم في المياه.
ولم يكن الماء فقط هو فضل مصر على بلاد الحجاز، فقد كانت (التكية) أو مقر بعثة الحجيج المصرية تستقبل أثناء مواسم الحج الآلاف من الحجاج ومن أبناء الحجاز الذين يأتون إليها لأخذ نصيبهم من الطعام الذي كان يوزع عليهم بكثرة وكرم وبدون مقابل ، وكانت (التكية) من أهم موارد الرزق للفقراء والمحتاجين من أبناء شبه جزيرة العرب الذين كانوا يتوافدون على مكة المكرمة أثناء مواسم الحج ، بل تذكر المصادر التاريخية التي سلمت من إتلاف ـ أسرة آل سعود ـ ومن تحالف معهم من الوهابيين المتطرفين أنّ عائلات بكاملها من البائسين والمحتاجين لم يكن لهم من سند ولا معين إلاّ ( التكية ) المصرية كل عام..
ولم تكتف بعثة الحجيج المصرية بتقديم الطعام والصدقات للمحتاجين فقط , بل كانت تلك البعثة تقدم العلاج والدواء للمحتاجين , وكان الطبيب الخاص بها يعالج يوميا آلاف المرضى دون مقابل .
وفي عام 1925م دعا ( الملك عبد العزيز آل سعود ) قبل أن يخضع نفسه ودولته لإرهاب الوهابيين وأفكارهم المضللة إلى عقد مؤتمر عام في مكة المكرمة للنظر في شؤون الأراضي المقدسة وتقرير إدارتها، واستعان عبد العزيز يومها بالحكومة المصرية لأخذ رأيها فلم يكن له أن يأخذ قراراً يتعلق بالأماكن المقدسة دون أن تشترك فيه مصر, فاستجابت لدعوته وأرسلت وفدا كبيرًا ليمثلها في ذلك المؤتمر .
ولم تمنح مصر السعوديين طعاما وشرابا فقط ..
( ولكنها كانت تسقيهم أفكارها المستنيرة أيضا، كانت تصدّر لهم إسلامها الهادئ الذي لا يرى في المرأة عورة، ولا يرى في الفن جريمة .. إسلام يحب الرسول بلا صخب، ويرضى الله بلا ضجيج، ويستطيع أن يتلاءم مع الحياة دون تفريط ..
ويستوعب التقنية الجديدة ويتواصل معها دون شطط ، ينتج فقها يناسب كل جديد ولا يقف متحجّرا مصمتا أمام مستجدات العلم).
وضعت مصر كل إمكانياتها , وكل علمها , وإسلامها النقي أمام السعوديين الذين كانوا يومها يحتاجون الغذاء والكساء والتنوير, وكادت الشجرة أن تؤتي أكلها الطيب كما هو متوقع
, غير أن ما حدث بعد ذلك كان أشبه شيء بالكارثة التي أفسدت كل شيء ليس في بلاد الحجاز فقط , بل في العالم الإسلامي كله ..
|