|
ـ جون فيلبي ـ هو عميل المخابرات البريطانية الذي قام بدور بالغ الأهمية في قيام ما يسمّى اليوم باسم ـ السعودية ـ والذي رافق ونسج بنفسه كل الخيوط التي أدّت إلى استيلاء أسرة ـ آل سعود ـ على البلدان التي كانت تتشكل منها شبه جزيرة العرب , وهو الذي تمكن بدهاء المخابرات التي يعمل لصالحها من توطيد حكم تلك الأسرة , من خلال سلسلة طويلة من التحركات المريبة التي كان يقوم بها في أرجاء تلك المنطقة , ومن خلال الضغوط التي مارستها الدولة التي يتبعها على مشائخها بهدف تمكين الأسرة السعودية من فرض وصايتها على شبه جزيرة العرب لتنفيذ المخططات التي نفّذتها فيها منذ تلك الفترة وحتى اليوم , والتي كانت تصبّ كلّها في صالح تمكين الغرب من الاستحواذ على ثروات المنطقة , وضمان قيام الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة , وهو ما رأيناه ولا لزلنا نراه حتّى الساعة .
ـ فيلبي ـ هذا الذي تولّى منصب " المستشار" الشخصي لابن سعود وكان "صديقه الودود" حسب ما يتبجّح حكّام الأسرة السعودية اليوم , بعد أن ادّعى الإسلام وحجّ سنة 1931 م , كتب في مذكّراته التي كتبها بعد انتهاء مهمّته في شبه جزيرة العرب بتمكين أسرة ـ آل سعود ـ ممّا تمكّنت منه في تلك الأراضي , معلّقا على ما قام به " الوهابيون " من تدمير لكل الرموز الإسلامية في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وخاصة منها تلك المتعلقة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحابته وآل بيته الأطهار رضي الله عنهم أجمعين ,كتب يقول :
"إنّ ما قام به الوهابيون من تدمير للأماكن الأثرية ( يقصد الإسلامية ) سيجعل الأجيال القادمة تنسى الوقائع التاريخية المرتبطة بها " وهذا هو الهدف الخفي والحقيقي للوهابيين ولأسرة ـ آل سعود ـ .
ولم يكتف الوهابيون بتدمير تلك المعالم الإسلامية فقط , بل سارعوا ومنذ بدء تحالفهم مع أسرة ـ آل سعود ـ لفرض تدريس مذهبهم المزعوم في الحرمين الشّريفين، ومن ثمّ منع الآخرين من أتباع المذاهب الإسلامية من إلقاء حلقات دروسهم التي كانوا يقومون بها في ساحات الحرمين الشريفين منذ عهد الخلفاء الراشدين لتنوير عقول المسلمين بحقيقة دينهم , وشرح ما استعصى على فهمهم منه , كما مارس الوهابيون ضغوطهم على حجاج بيت الله الحرام في مكّة المكرّمة , وسكان الحرم الشريف لإجبارهم على القبول بمذهبهم المزعوم الذي أضفى عليه
ـ آل سعود ـ الصفة الرسمية للدولة التي استحوذوا عليها في شبه جزيرة العرب , وانتهج أتباع الوهابية المظلّلة والضالة لفرض رؤيتهم الشاذّة شتّى أساليب الإرهاب , والإيذاء , والتحرّش , والاستخفاف بمشاعر ومعتقدات المسلمين الآخرين , ووصل بهم الأمر للاعتداء بالجلد والضرب والشتم لكل من يخالفهم من زائري الدّيار المقدّسة من داخل البلاد وخارجها، وهو ما يمكن أن يلاحظه المعتمرُون والحجّاج حتى اليوم , الأمر الذي اضطرّ طلبة العلم الشرعي وعلماء الحجاز إلى الهجرة خارج بلادهم , أو الانزواء في بيوتهم، بعد أن مُنعوا قسراً من التدريس في الحرم، بينما خاطر القليل منهم بحياته ففتح باب منزله لإلقاء دروسه فيه.
لقد بادر "الوهابيون " وحماتهم من
ـ آل سعود ـ منذ البداية بمصادرة فكر الآخرين واجتهاداتهم الدينية بشكل مطلق , وقاموا بإغلاق المدارس " المالكية" و" الشافعية "و" الحنفية " وغيّروا مناهجها، واستولوا على أموال الأوقاف المخصّصة لها، بأوامر أصدرها أحد أتباعهم وهو ـ عبد الله بن حسن آل الشيخ ـ ، الذي ضيّق بوجه خاص على المدارس الحنفيّة في المدينة المنوّرة , وخاصة منها (المدرسة النظامية) بعد رفض القائمون عليها تدريس ما يسمّى " كتاب التوحيد " المعتمد الأصلي للفكر الوهابي المظلّل , وهو الأمر الذي كان سبباً في إغلاقها في شهر أغسطس 1931 م .
وفي مجال حقدهم الغريب على كل ما يمتّ للتراث الإسلامي بصلة بما في ذلك حتّى الأشجار وآبار المياه, فقد قام " الوهابيون " بقطع جميع الأشجار التي كانت قرب المسجد النبوي، وأغلقوا بئر الماء الموجودة فيه في عام 1927م , أي بعد استيلائهم على المدينة المنوّرة مباشرة , والأكثر فظاعة ممّا سبق , ما جرى للمكتبات الإسلامية العامّة في الحجاز , وخاصة في مكّة المكرّمة، حيث أنّه وبمجرد أن احتلّ
ـ آل سعود ـ وحلفاءهم الوهابيين المدينتين المقدّستين اختفت مجموعات ثمينة من الكتب والمخطوطات الإسلامية النادرة والتي لم يعثر لها على أثر حتّى اليوم , وحتّى المكتبة الوحيدة التي سلمت في بداية غزوهم من النّهب وهي "مكتبة السلطان محمود "الكائنة بجوار باب السلام , قام "الوهابيين " بإغلاقها فيما بعد ، أمّا "مكتبة بشير آغا " الشهيرة، ومكتبات "الشفاء" و"السلطان عبد الحميد" و"عمر أفندي" فقد تم تدميرها جميعًا ولم يعد لها وجود في المدينة المنورة، بعد نُهبت معظم كتبها، وأحرق الوهابيون الكتب والمخطوطات التي لم تعجبهم منها، أما "مكتبة عارف حكمت" ، فقد كانت آخر المكتبات العامّة التي أغلقت وصودرت كتبها، وقد خسرت هي الأخرى نحو عشرين ألف مخطوط صادرها من يتسمّون بمشائخ الوهابيون وأتلفوها حرقاً.
الغريب والمثير للتساؤل حقًا ,أنّ آثار خيبر (اليهودية في جملتها) هي التي تقف اليوم شاهدة على ( تسامح ) الوهابيين! فلماذا .....؟
في حين أنهم حاولوا تدمير القبّة التي على قبر النبي، وإخراج قبره عليه الصلاة والسلام من مسجده، وهو ما يعتزم "الوهابيون" فعله في اللحظة التي تتيحها الظروف لهم كما يتهامسون بذلك فيما بينهم , وبحيث لا تكون هناك ردّة فعل غير متوقّعة يكون ضررها على "الوهابيين" وـ آل سعود ـ أكبر من المنافع الخفيّة التي يضمرونها في أنفسهم .
|