|
بعد أكثر من عقدين لا تزال صفقة الأسلحة المعروفة بـ "اليمامة" بين نظام آل سعود وبريطانيا تثير الجدل, وقد أخذت هذه القضية أبعادًا جديدة بفضل الجهد الذي تقوم به مؤسسات مدنية بريطانية تعارض التسلح وبيعه بالشكل المنتشر حالياً بين الدول المنتجة والدول المستوردة.
وقد أدّى ظهور بعض الوثائق البريطانية السرية إلى العلن مؤخراً إلى أن تأخذ القضية أبعادًا جديدة ربما ستتحول إلى المجالس القضائية المختصة بالحسم في مسائل الرشوة والنصب والاحتيال.
والقصة تتلخّص في صفقات أسلحة بين مملكتين الأولي تتسم بالسرية المطلقة وثقافة امتلاك البلاد بما في ذلك البشر والموارد والثروة, أما الأخرى فهي مملكة فضائح عندها من الصحف الجريئة ما يزيل النقاب عن أكثر الأسرار سرية ولها من المؤسسات القضائية والسياسية ما يعرّي أخطر القضايا وأكثرها حساسية, ويقطنها شعب يتظاهر بالبرودة والتأنّي ولكنه في الخفاء يحيك من المؤامرات ما تمتلئ به رفوف الأرشيفات في مراكز مختلفة.
وإن كانت علاقة حكوماته المتعاقبة من دول العالم تقوم على أسس العلاقات الدولية ونظم المؤسسات إلا أن علاقة المملكة المتحدة بنظام آل سعود لها أطرها الخاصة وأسرارها الخفية منذ قرن كامل, وصفقة اليمامة هي جزء لا يتجزأ من العلاقة الغامضة بين الطرفين بعضهما ببعض.
وقد تميّزت هذه العلاقة بين الطرفين بتصارع اتجاهين.. الاتجاه الأول مُغرق في رومانسيته تجاه البدو والبداوة ..مُغرم بالنياق والبعارين .. مُفرط في تأليهه لشيخ العشيرة لا يرضي إلا أن يمجده إذ أنه يعتبر هذه الشخصية مفتاحه إلى كنوز الأرض والهيمنة السياسية، أما الاتجاه الثاني فكان دومًا يحاول أن يبعد نفسه عن الفولكلور العربي في الجزيرة ويحافظ على استقلالية قراره وموقفه من هذا الموروث الاجتماعي والموروث الثقافي.. ولم يستطع أصحاب هذا الاتجاه حتى هذه اللحظة أن يفرضوا رأيهم على السياسة البريطانية تجاه نظام آل سعود.
جاءت صفقة اليمامة القديمة هذه نصرًا لأصحاب الاتجاه الأول، حيث دخل هؤلاء في عقود شرائية مع شيخ العشيرة المسؤول عن التسليح, وتظهر الوثائق المتسرّبة مدى تمادي هذا في بعثرة المال العام والاستئثار بأكبر حصة من العمولات والتي اعترف اللورد غيلمور بأنها ضرورية لإتمام أي صفقة تجارية مع نظام آل سعود .. إذ قال بالحرف الواحد: ( تفوز بالعقد إن رشوت، وان لم تُرش لن تفوز) وهذه عبارة صريحة تدين مملكتين وتفضح خطاب الشفافية والنزاهة الذي يُجتر ويكرّس مبدأ سلب المال العام وبعثرته من قبل رموز ربما قد أصبحت مرجعًا تاريخيًا وموسوعة حالية لأرشيف الصفقات السرية التي يُعلن عنها من باب الحرص على الأمن القومي ومراقبة الحدود ومواجهة العدوان من أين أتى.
النظرة البريطانية لتاجر متلقي السلاح في نظام آل سعود لخصتها رسالة "ويلي موريس" السفير البريطاني في شبه جزيرة العرب حينها عندما قال واصفاً متلقّي السلاح بـ ( إنه يملك اهتمامًا فاسدًا في كل العقود والصفقات) حسب جريدة الغارديان البريطانية الصادرة يوم السبت 28 تشرين الأول (أكتوبر).
تسرق بريطانيا أموال آل سعود والتي هي أولا وأخيرا مسروقة من الشعب وتكتمل المعادلة هنا, إذ أننا بصدد حلقة من السارقين يصلح فيهم القول ( إن السارق من السارق كالوارث من أبيه) .. فكل طرف يعتبر السرقة حقًا كحق الوراثة... وعند إبرام مثل هذه العقود تتقلص بريطانيا وتتحول إلى منظومة بدائية لا تختلف كثيرًا عن المتعاقد معه من حيث الرشوة والسرقة ونجد أن الطرفين ينغمسان في هذه البدائية والطمع بنفس القوة حيث تتلاشي الفروقات والاختلافات والحضارة والبعد التاريخي وتنصهر المؤسسة السياسية البريطانية مع نظيرتها في نظام آل سعود وكأنهما في كورس موسيقي متلائم ومنسجم يعزف ألحانه احتفالا بصفقات تفوح منها راحة كريهة عادة ما تتصل هذه الرائحة بعفن السرية.
ونحن لا نلوم بريطانيا على نهبها للمال العام في نظام آل سعود وبيعها لطائرات فاشلة بأسعار باهظة تعرف بريطانيا أن أكثر من ثلثها سيذهب إلى جيوب منتفخة .. ولكنها تقبل بهذه المعادلة إذا كانت تريد إبرام أي صفقة تسلّح مع نظام كنظام آل سعود.
ولو أن هذه الطائرات النفاثة استطاعت أن تحمي نظام آل سعود لربما يقبل بها البعض ويرضي بالرشاوى المتعلقة بها ولكن أثبتت صفقة اليمامة أنها متضخمة من حيث تكاليفها وفاشلة من حيث قدرتها علي ضمان الأمن... ولم تكن هذه الصفقة إلا وسيلة لإعادة توزيع الثروة بين شركاء في الخارج وفي الداخل.
الشريك الداخلي يضمن حصة كبيرة تحت ذريعة صفقة السلاح وبدلا من السرقة المكشوفة والعلنية نجد الشريك هذا ينوّع مصادر دخله ويتأرجح بين العلنية والسرية حسب الظروف.. فبالإضافة إلى المخصّصات المعلنة وميزانية وزارات تمتلئ بها صفحات الكتب يجنح البعض إلى الأسلوب الملتوي والمعوج حتى يضمن تعددية مصادر الدخل والتي تجعله يطفو دومًا ويتصدّر القرار. فأن يحتكر وزير منصبا لمدة نصف قرن تقريبا وينتقل من وزارة إلى أخرى لا يمكن أن يحصل في أي بلد في العالم إلا في نظام آل سعود المتعفن ، وان يرتشي هذا الوزير وينهب المال العام ويفرض نسبة الرشوة على بائعه والتي هي بالنتيجة تدفع من خزينة الشاري .. هي ثقافة محلية متأصلة تعود جذورها إلى كبيرهم الذي علمهم السحر في بداية القرن العشرين.. وقد اعتمد هذا على مبدأ التباكي عند بريطانيا أولا وفرض قيمة مالية عليها من أجل تنفيذ أوامرها في شرق البلاد وغربها وعندما استتب الأمر وظهر النفط على السطح بحث عن مصدر آخر يحلب دوما مقابل الخدمات المتعددة. وعادت بريطانيا تطل على الساحة من خلال عمليات التسليح والتي بدأت بشكل منظم منذ أول عقد أبرمته مع حكومة آل سعود من أجل تطوير التسلح والتدريب العسكري في نهاية الأربعينات من القرن المنصرم.
وحتى هذه اللحظة تبقي العلاقة حميمة تزيد من تأصلها الرشاوى المتبادلة على أعلى المستويات.
التقاء المصالح بين الطاقم الحاكم السعودي وحكومات الغرب بما فيها بريطانيا لا يقوم علي احترام متبادل أو مصالح مشتركة أو رؤية مستقبلية بل يقوم علي ركيزة ثابتة أهمها سرية المؤامرة والتكاتف والتعاضد في سبيل تقاسم ثروة كل طرف يعتبرها حقا وراثيا تقليديا ربما لا يحتاج حتى إلى صك شرعي. بريطانيا تعتقد ان المال السعودي مالها ولها حصة فيه منطلقة من الانغماس التاريخي في مستنقع المنطقة، وحكام السعودية يعتبرونه أيضا حقا تاريخيا ورثوه عن كبيرهم. وبدلا من التنافس قرر الفريقان منذ زمن بعيد نظام المخاصصة وتوزيع الإرث. |