|
تعتبر الخيانة والعمالة أحد أكثر الأمراض تجذّرًا في التاريخ الإنساني ولا يزال علماء النفس والدراسات الإنسانية يبحثون في الأسباب والخلفيات التي تدفع بـإنسان ما للخيانة بحيث يخون الوطن والشعب ، ويجعل مقدراته في مهب الريح .
وإن من نافلة القول الإشارة إلى أن معظم مصائب العرب والمسلمين اليوم
مردها إلى الخيانة وما يدور في العراق وفلسطين ليس عنا ببعيد .
وتتعدد أشكال الخيانة ، فكما كتب " البيير كان " في كتابه المشهور "الخيانة العظمى " فإن الخيانة للأمة والوطن لها آلاف الطرق والأشكال " هناك آلاف الطرق لخيانة الشعب, فمن الممكن الاستبداد بواسطة العنف والإرهاب والتحقيقات , ومن الممكن استثمار, وإفقار ملايين الرجال والنساء , وتجريدهم من أملاكهم وإعلان قوانين جائرة وتحويل المحاكم إلى أدوات قمع , ونشر الدعايات الكاذبة وإشعال الحروب....."
والسؤال هل يمكننا بناء بروفيل للشخصية المؤهلة للوقوع في مستنقع الخيانة من خلال التجربة التي مرت بها المدنيّة المعاصرة وحركات التحرر ومواجهتها لقوى الاستكبار في الأرض .
تعلمنا الروايات التاريخية أن خيانة ـ ابن العلقمي ـ في العهد العباسي كانت وراء سقوط الخلافة العباسية، والصحيح أيضا أن الخيانة كانت سببًا من الأسباب وليس السبب الوحيد.
وتعلمنا دراسات الحروب الصليبية عن الدور التآمري لبعض اليهود ممن دغدغتهم تلبيسات الهيكل المزعوم.
كما يعلمنا التاريخ أن الأندلس ضاعت بسبب الخيانات إلى جانب عوامل أخرى كثيرة، وكأنه إذا نزلت الخيانة بقوم فقد ساء يومهم وحالهم..
والممعن في أسباب الخيانة – بمعزل عن الدراسات العلمية الأكاديمية والتي تتناول الموضوع بأبعاد سسيولوجية وبيولوجية تدمج علم الإنسان بالطب والعصبيات والسكان والتاريخ والبيئة _ فإننا أمام ثلاثة توصيفات :
الأول : الخيانة بسبب المادة والهوى والجنس والنساء ...
والثاني: بسبب الاعتقادات الإيديولوجية والعمل على نصرتها سواء كانت المعتقدات سياسية أو مذهبية أو طائفية ...
والثالث: أسباب عرقية أو طائفية كأن ينتصر لملّته أو مذهبه سواء كان يهوديا أو بروتستانتيا أو كاثوليكيا ..
إن معظم الذين نجحت المخابرات باختراقهم وقعوا تحت تأثير المال والنساء خاصة من المتنفّذين, أو كما وصفهم البيير " أقلية من الأشخاص تتمتع بشتّى الامتيازات قرّرت أن تحتفظ بالحكم مهما كلف الأمر, وأن تضاعف امتيازاتها على حساب التضحية بالأكثرية العظمى "ولقد وصل التمادي في العمالة والخيانة وتنفيذ أوامر الوصي ( الدولة القاهرة ) إلى حد أن صرح أحد الملوك الخونة العرب (فيصل الأول في العراق) أنه يعمل لدى الخارجية البريطانية بمرتبة ملك, ومن قبل نجح ـ لورنس العرب ـ في اختراق العرب وتجنيد عملاء آل سعود لتفتيت الدولة العثمانية, وجنّدت المخابرات البريطانية والإرساليات التنصيرية العديد ممّن درس في مدارسها لتفتيت الدولة العلية.
وقد لعبت الليرة الإنجليزية دورا أساسا في تفكيك الخلافة الإسلامية وقيام إسرائيل, تماما كما يفعل الدولار الأمريكي اليوم وإلى جانبه تلعب البعثات العلمية للعرب في أوروبا والولايات المتحدة ذات الدور الذي مارسته حين سقوط الدولة العلية.
وكان المفكر المغربي ـ أحمد العماري ـ قد ذهب إلى أن اختراق الشعوب قبل استعمارها شكّل الهاجس الأول بالنسبة للاستعمار القديم والحديث على اعتبار أنه ركيزة من ركائز بقاء الاستعمار وتصنيم الرجل الأبيض " اعتباره معبودًا من دون الله, وبالتالي توظّف كافة المقدّرات والخيرات لهذا الأوروبي, ومن ضمن ذلك عمالة المأجورين".
ولذلك فإن الخيانة بين آحاد الأفراد تتعاظم تبعياتها وخطورتها تبعًا للدور المناط بالشخصية التي تم استقطابها, وقد كشفت أوراق "سي آي أيه", وأوراق "الاسكوتلاند يارد" , وأوراق "أل .كي- جي- بي"... عن تورط أساقفة وكاردينالات في الفاتيكان في المخابرات الأمريكية او السوفيتية, ففي كتاب "يوحنا بولص الثاني والتاريخ الخفي لعصرنا " للصحفيين ـ ماركو بولييتي ـ والأمريكي ـ كارل بيرنشطاين ـ كشفا عن العلاقة الوطيدة بين الفاتيكان والحرب على الشيوعية في أمريكا اللاتينية وأوربا وحرب الفاتيكان على الشيوعة, كما كشف عن تورط البابا بولص الثاني في التآمر على بولندا وتجنّده في صفوف المخابرات الأمريكية.
وذهب كتاب "المخابرات وفن الحكم" إلى أن العنصر البشري لا يزال يعتبر المصدر الأساس في تجميع المعلومات لإحداث التغيير المناسب إذا ما تم توظيف الأشخاص المناسبين رغم تطور التقنيات وغزو الفضاء واستثماره في هذا الجانب.
واليوم وفي ظل العولمة والثورة التقنية واستثمار المال والنفوذ السياسي والأكاديميات ومؤسسات المجتمع المدني فإن الاختراقات الأمنية طالت مختلف المرافق الحياتية, بما في ذلك الحركات والمؤسسات، ومن نافلة القول أن نذكر القارئ الكريم بأحداث 11أيلول سبتمبر, بل وتطور الأمر إلى توظيف مختلف الوسائل لتغيير المجتمع كما هو حاصل مع المجتمع الفلسطيني الذي اعتمد الأموال الخارجية مصدرًا للتطور والحياة, ولعل ما كتبه ـ عاموس هرئيل ـ في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية النسخة العبرية في 23-6-2002. من أن الحكومة الإسرائيلية والجيش يسعيان لأن تحل مؤسسات المجتمع المدني محل السلطة الفلسطينية- فإن التجنيد واختراق الآخر والوصول إلى مداولاته ومناقشاته الداخلية مهمة كل دولة وجهاز أمني . وبالتالي تعددت وسائل الاختراق المؤدية إلى الهيمنة المستدامة .
الاختراق الإسرائيلي للعالم العربي ...
والحديث عن الاختراق الإسرائيلي للعالم العربي , ليس بالأمر الجديد , فهناك العشرات من القصص والروايات التي أكدت عمق الاختراق الإسرائيلي للدول العربية, وما يرشح بين الفينة والأخرى من روايات عن جواسيس تم القبض عليهم في هذه الدولة أو تلك إنما هو غيض من فيض .... ولعل اختراق إسرائيل للدولة السورية في الستينات عبر الجاسوس المشهور ـ إيلي كوهين ـ الذي تغلغل إلى الصف القيادي الأول في سوريا عبر الاسم المستعار " كامل أمين ثابت " والمصرية عبر شبكة الجواسيس المشهورة قي "قضية لافون" والعراقية المشهورة بـ "قضية ترايد إنت" عندما شاركت "الموساد" و"السافاك" والمخابرات التركية والأكراد في التجسّس على العراق واختراق أجسام حساسة نجم عنها إعدام ستة يهود عراقيين, تعبّر عن عمق هذا الاختراق, والمشكلة الآن أن النظام العربي لم يعد بحاجة إلى كوهين جديد, بعد أن أصبح حكامه "كواهين" منتشرين بحقائب وزارية وحتى ملك برتبة ملوك كما هو حال ملوك آل سعود في شبه جزيرة العرب الذي أثبتت أحداث التاريخ واعترافات من قام بتجنيدهم منذ البداية أنهم جواسيس وعملاء قاموا أصلاً بهدف تسهيل قيام الكيان اليهودي في فلسطين, وترويض باقي العرب على القبول بالأمر الواقع , وهو تمامًا ما فعلوه منذ العام 1948 وحتى اليوم من خلال آخر جهودهم في هذا الاتجاه كما عبّرت عنه تلك التي أطلقوا عليها اسم ( مبادرة الملك عبد الله ) لحل النزاع العربي الإسرائيلي والتي استطاع بالمال والضغط تمريرها على العرب جميعًا.
ومن المؤكد أنه سيأتي يوم نترحم فيه على أننا لم نكن في يوم من الأيام مخترقين إلاّ بكوهين واحد .
|