بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

اقتراحات التدويل لمكة والمدينة بين الواقع وإمكانية التحقيق
 الجزء الثانى

كتابات (على أبو الخير)

 

  استعرضنا فى الجزء الأول من بحثنا هذا فى محاوره الثلاثة تاريخ السلطة الحاكمة فى الحجاز طوال العصر الإسلامى ، وكيف أن كل حكام الدول الإسلامية استمدوا شرعيتهم من فرض نفوذهم على الحرمين الشريفين ،لم تشذ دولة واحدة عن ذلك بما فيها الدولة السعودية .
 كما استعرضنا الأفكار الخاصة بالتدويل ، وناقشنا المقترحات الداعية إلى أسلمة الحجاز .
وفى هذا الجزء من البحث نحاول استجلاء هذه الاقتراحات ، وشرح امكانية أخذ أحد أو بعض هذه المقترحات إلى حيز التنفيذ فى ظل الوضع الإسلامى العام ، والوضع الدولى كذلك ، والإجابة على السؤال الذى يتردد فى ذهن القارىء ، هل يمكن تحقيق التدويل ، أو هل يمكن فرض هذا التدويل على المملكة العربية السعودية ، أم أن الأمر يظل فى اطار زيادة الضغوط على المملكة لكى تفسح الأراضى المقدسة للمسلمين ، عامة وعلماء لفتح باب الحج للعامة ، والخطابة للعلماء على منبر الحرمين الشريفين ، وماذا يمكن أن يكون رد الفعل السعودى على المستويين السياسى الرسمى والشعبى داخل المملكة .
 يحاول هذا البحث الاجابة عن هذه الأسئلة من خلال البحث فى ثلاثة محاور هى الوضع الداخلى السعودى ، والوضع الإسلامى العام ، والوضع الدولى ، وخاتمة البحث فى كيفية المزاوجة بين الواقع وامكانية تحقيق التدويل الإسلامى للأراضى المقدسة .
 
المحور الأول : الوضع السعودى الداخلى : شرعية النظام السعودى تستمد جذورها من المذهب الوهابى السلفى ، والسلفية بصفة عامة تركز على الظاهر وتهمل العقل فى الأمور الشرعية ، ثم شملت باقى مناهج الحياة .
 ويمكن القول ان دعوة محمد بن عبد الوهاب كانت بداية جوهرية ورئيسية للمدرسة السلفية ، إذ أسس فكره على كتب ومخطوطات غير واسعة الانتشار فى ذلك الوقت لسلفه ابن تيمية ، والتى جعلته يتبنى طروحات سلفية غالت فى الخلافات الفقهية والعقائدية متخذة طريق أخذ أحاديث الصحابة والأسلاف على ظاهرها وعدم التعرض لها بالتأويل ، والاختصار على الضروريات ، وقد قسمت السلفية على أساس الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم أحاديث السلف الصالح التى رويت فى القرون الثلاثة الفاضلة الأولى من عهد نهوض الدين الإسلامى ، وقد ميزت الدعوة السلفية السلف الصالح بـ " التابعين " ، واقتصرت على هذه المفردات السلفية، ولم تحاول الاستفادة كثيراً مما بعد القرون الثلاثة الأولى ، بل انها اعتبرت العصور اللاحقة للقرون الثلاثة مليئة بالبدع والخرافات ثم توغلت فى التفتيش فى عقائد الآخرين ، وتميزت الوهابية بالآتى :
 1 – التكفير العلنى لجمهور المسلمين ، واعتقدوا أن كل من لا يدين بالدعوة السلفية كفار مثل المتصوفة بعمومهم والشيعة على اختلاف طوائفهم ، وكذلك الأباضية .
 2 – اعتبرت الوهابية نفسها المرجع المنضبط القوام والأسس ، وأى خلاف لها بدعة .
 3 – التشدد الرهيب مع مخالفيهم حتى فى أبسط الأمور غير العقائدية ، فقد حرم ابن عبد الوهاب التدخين ، وهدم شواهد القبور وشرب القهوة والتصوير وما إلى ذلك من المسائل التى تدخل فى باب الأعراف والعادات والتقاليد أكثر منها دخولاً فى باب العبادات .
 اصطدم الوهابيون بمعظم جيرانهم ، فكل من لم يكن وهابياً اتهم بالشرك والبدع ، وأعرضوا عن سيرة النبى (ص) مع المشركين حيث لم يبدأ النبى بقتالهم ، ولكن الوهابية اعتبرت نفسها وصية على عرب الجزيرة وباقى المسلمين فى الأرض ، ولذلك وبعد تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز وبسط نفوذه على معظم الجزيرة والتى أسماها المملكة السعودية ، وجد الوهابيون أنفسهم يسيطرون على المخالفين لهم فى الرأى والتوجه ، ومن ثم يمكن استشراف الخريطة السياسية / الدينية للمملكة كالآتى :
 1 – منطقة نجد حيث القصيم والرياض وهى المهد الأول للوهابية ، منها ظهرت دعوة ابن عبد الوهاب ، وفيها حدث التحالف بينه وبين ابن سعود فى الدرعية ، وفى هذه المنطقة يوجد شيوخ المملكة الكبار ، وهم غالباً ما يشكلون الزعامة الدينية فى المملكة ، ودوماً ما يكون خطيب يوم عرفة من نسل محمد بن عبد الوهاب ، وأسرة ابن عبد الوهاب أسرة دينية حسب الأصول الوهابية ، وذلك امتداداً للتراث القديم حيث أسرة سعود تحكم ، والأسرة الوهابية تنجب لهم العلماء .
 تميزت القصيم بفرض نفوذها الدينى على باقى أرجاء المملكة ، وقام رجال المملكة الدينيون بالدعوة للجهاد ، الجهاد فى عرفهم هو نشر الدعوة الوهابية بين المسلمين بصفة عامة ، خاصة فى فترة ازدياد أسعار النفط فبدأت الكتب توزع بالمجان على حجاج بيت الله الحرام ، وكذلك على المسلمين غير السعوديين العاملين بالمملكة ، وقام كثير من هؤلاء بتبنى الفكر الوهابى فى بلادهم بدعم مالى هائل تمثل فى جمعيات أنصار السنة فى مصر وباكستان والجزائر والسودان وغيرها من الدول الإسلامية .
 أما داخل المملكة فقد حرص العلماء على بيعة السلطان أو الملك السعودى بناء على الفكر السلفى الذى يقول بعدم جواز وجود أحزاب منظمة فى ظل الدولة الإسلامية أو الحاكم الذى تمت بيعته، وظهرت كتب تعزز هذا الاتجاه مثل " طاعة السلطان فى غير معصية الرحمن " و" معاملة الحكام فى الكتاب والسنة " و" الأسئلة المفيدة حول السلفية الجديدة " وهذه الكتب من تأليف الشيخ محمد أمان جامى وهو الذى كان متعاطفاً مع حركة جهيمان العتيبى ، ولكنه عاد بعد فشل حركة جهيمان إلى الاتجاه السلفى التقليدى .
 2 –
المنطقة الغربية / الحجاز : ظل يحكمها الأشراف فى الحكم العثمانى ومعظم الأشراف لهم ميول صوفية ، وكان لهم دور فى اعادة مشاهد قبور أهل البيت والصحابة التى دمرها السعوديون أثناء الدولة السعودية الأولى . وكان الشريف حسين يعمل على توسيع دائرة حكمه عندما بدأت الدولة العثمانية تسقط فى الحرب العالمية الثانية ، فتحالف مع الانجليز ضد الأتراك فى ثورته الكبرى ، وكان يطمح فى حكم الشام والعراق ، وبالفعل تمكن أحد أبنائه من تأسيس إمارة شرق الأردن وهو الملك عبد الله الأول ، أما ابنه الثانى الأمير فيصل الأول فتم تتويجه على سوريا ثم العراق عام 1922.
 عندما قام الشريف حسين بالمشاركة ضد الأتراك فى الحرب العالمية الأولى ، سارع الملك عبد العزيز آل سعود بعقد اتفاقية " دارين " مع الانجليز ، يحمى ويضمن بموجبها الأخير حكم آل سعود فى مقابل تفعيل المصالح المشتركة بينه وبين شركة الهند البريطانية التى كانت تسيطر على منطقة الخليج يومها .
 على كل حال انتهى الأمر إلى سيطرة النجديين السعوديين على الحجاز ، وكان من نتائج هذه السيطرة أن أبعد الأشراف عن أى مناصب قيادية فى الشرطة أو الجيش أو حتى التعليم .
كما أجبر الأشراف على عدم الاعلان عن تصوفهم خشية الاتهام بالشرك والبدعة والمروق من الدين ، علماً بأن الشعائر الصوفية ماتزال تمارس سراً مثل تأدية الأوراد وزيارة الأماكن التاريخية فى مكة والمدينة مثل بيت النبى فى مكة وشعب أبى طالب والبقيع فى المدينة ، وتنتشر الطرق القادرية والنقشبندية بين الحجازيين رغم هول الدعوة الوهابية خلال أكثر من سبعين عاماً ، ولم تفلح المحاولات السعودية فى فك الارتباط بين المكان وقدسيته حتى بعد عدم القباب والأضرحة والمشاهد .
 الأشراف يعتبرون أنفسهم الأفضل والأحق ليس فى حكم الحجاز وحده بل فى كل الجزيرة إن لم يكن العالم الإسلامى بأسره ، وهذا الاحساس بالتفوق على الأسرة السعودية النجدية كان أحد الأسباب الهامة فى ابعادهم حتى عن الدعوة ، لذلك لا يوجد شيخ من الأشراف تبنى الدعوة الوهابية ، وكثير منهم يدعو لطريقته خارج حدود المملكة ، وتأليف الكتب وطبعها بعد أن منعت .
 3 –
المنطقة الشرقية : يسكن المنطقة الشرقية شيعة إمامية اثنا عشرية حيث الإحساء والقطيف ، وقد وقع على الشيعة عموماً اتهامات ظالمة من أعدائهم ، وهى اتهامات ممتدة تاريخياً ، وأصلها الوهابيون الذين يكفرون الشيعة ، ويقولون الدين الشيعى ، وليس المذهب الشيعى على اعتبار أن الشيعة ليسوا مسلمين.
ولذلك حرص الوهابيون عندما سيطروا على المنطقة الشرقية على العمل فى طريقين :
 الأول التبشير بالدعوة بينهم وتهجير نجديين أو من جيزان للسكن فى تلك المنطقة خاصة وأنها المنطقة النفطية ، من أجل تحويل الشيعة إلى الاسلام (حسبما يقولون) ، ولم يفلح هذا الاتجاه وظل شيعة الشرق على مذهبهم ، أما الثانى فقد تمثل فى الضغط على الشيعة ، فتم منع الآذان بإضافة حى على خير العمل بعد حى على الفلاح ، كما منعوا من طبع كتبهم أو نشرها أو احضارها من خارج المملكة .
وفى هذه المناطق وجدت مساجد لأهل السنة يقوم خطباؤها بالهجوم على الشيعة مستهزئين بهم دون اعطاء أى دفاع لهم ، لأنهم ان أكملوا شهر شعبان مثلاً ثلاثين يوماً ، وأعلنت الدولة أن شعبان تسعة وعشرين يوماً قامت قيامة خطباء الوهابيين وسبوا