|
من الملاحظ أن طبيعة سلطة نظام آل سعود ، المنحدرة من أصول غير معروفة ، تعطى للملوك أقصى حد من الهيمنة السياسية ، وأقصى حد من التفرد بالمراكز المهمة ، وهو ما يتبدى ، بجلاء ، في مجمل المراحل الثلاث التي سبقت تأسس نظام آل سعود ، أي قبل احتلال الحجاز ، وما بعده ، ثم ما بعد تزايد مدخولات النفط . إذ ظل ابن سعود يتصرف بصلاحيات مطلقة ، وكأن تأسيس النظام لم يؤثر بأي شكل ، كان ، في الحد من استبداده ، وما كانت هذه المراحل الثلاث لتحد – أيضاً – من سلطة العائلة الحاكمة ، التي تجمع رداء السلطة ، من أطرافه ، على الرغم من تأثير احتلال الحجاز على تنظيم إدارة النظام ، خصوصاً بعد انتهاء عهد غزوات ابن سعود ، وانكفائه على تنظيم أوضاع حكمه الداخلية ، حيث اتخذ من التجربة الإدارية الحجازية أنموذجاً انتقائياً للتطبيق في كل مناطق شبه جزيرة العرب ، بما في ذلك منطقة الحكم ، في الرياض ، وهى التجربة التي استندت إلى مجلس وجيش نظامي ، وتجمعات شبيهة بالنقابات ، ومجالس بلدية وشورية ، بل وأحزاب ، كالحزب الوطني الذي تأسس قبل إسقاط ابن سعود دولة الإشراف ، في العام 1926م ، وهى تجربة كانت معدومة الأثر في مناطق نجد البدائية ، مما جعل من مسألة استيعاب الحجاز وإدماجه في نظام ابن سعود أولى التحديات المطروحة ، بعد هزيمة الهاشميين ، في العام 1925/1926م ، كما يقول الباحث اللبناني المعروف غسان سلامة " إذ كانت عملية دمج هذه المنطقة بالنظام تطرح نوعين من المشاكل أولهما – برأيه " تجنب إثارة سكان الحجاز المدنيين الذين يغلب عليهم طابع التجارة والتحضّر ، والذين لا يتوانون عن إظهار تفوقهم على المقاتلين النجديين البدو".
أما النوع الآخر من المشكلات فيتحدد في مخاطر النقمة الحجازية على إلغاء البنى الحجازية القائمة ، بينما كان يعنى الاحتفاظ بها ، من جانب ابن سعود أن مخاطر أخرى ستجلب عليه بحيث " تفلت الحجاز تدريجياً من الفلك السعودي " .
لذا ، كان الاختيار صعباً وملحاً في فترة كانت فيها السلطة منهمكة ، بشق الأنفس ، في السيطرة على قوات " الإخوان " ، مما حمل ابن سعود على الرضوخ لأحد الحلول الوسط ، وهو " إبقاء القوانين السابقة في الحجاز وتعيين ابنه فيصل نائباً لملك الحجاز ليضمن وجود آل سعود على رأس البنى التي خلفها الهاشميون " ولهذا السبب كانت إدارة الحجاز كما يذكر سلامة " أكثر تنظيما من إدارة السلطة المركزية " ومن ثم لم تجد الأخيرة بداً من تعيين الحكام على مختلف المقاطعات , أولئك الذين تمتعوا بمقدار كبير من حرية التصرف استنادا إلى مفهوم " تفويضات السلطة " الذي نشأ اهتداء بنموذج نائب الملك في الحجاز .. ثم عم المفهوم من المناطق إلى قطاعات النشاط الحكومي " .
وبالمقابل سارع ابن سعود بتشكيل " هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " بغية حصر التشدد الوهابي لجماعة " الإخوان" من خلالها , على عموم الحجازيين وكذا التأكد من مدى التزام الأخيرين بتعليمات الوهابية حرفيا عند التحاقهم بأجهزة الإدارة .
ويرى سلامة أن المسلك الذي انتهجه ابن سعود في عموم الحجاز كان يسير وفق توجيهات مستشاره الإنجليزي الأثير "فيلبى" , تلك القائمة على توجهات السياسي الإيطالي الشهير "مكيافيللى" الذي كان يرى أن كل من يضع يده على ممتلكات الدولة الجديدة المضمومة , عليه أن يضع نصب عينيه دائما ، أمرين في منتهى الأهمية أولهما إبادة الأسرة الحاكمة السابقة وثانيهما عدم إحداث تبدل جوهري في قوانين هذه الممتلكات وضرائبها وبهذه الطريقة يمكن للبلدين أن يتحدا في وقت قصير جدا وان يؤلفا دولة واحدة .
وبالطبع ، فإن إبادة الأسرة الحاكمة لا تعنى القضاء الجسدي على أفرادها ، بل يكفى تشريدهم وإبعادهم عن كل ما يتصل بمواقع القوة والنفوذ ، كما حصل للأسرة الهاشمية ، على يد ابن سعود ، الذي لم يحد – كذلك – عن الشق الآخر من توجيهات فيلبى – مكيافيللى، فلم يُحدث تغيراً يذكر في أنظمة الحكم الإداري للحجاز، وإن جرّدها من محتواها السياسي الإصلاحي
ففي بيان أصدره بعض من الموالين لابن سعود ، في الثاني عشر من مايو ، من العام 1932 وأمهروه باسم " الوطنيين " ! طالبوا ابن سعود بتسمية مملكته بـ " المملكة العربية السعودية" على أن يكون الحكم فيها وراثياً ! ، وذلك بزعم أن ذلك يمثل الاستقرار والديمومة والثبات ، للنظام الحاكم ، وحتى يعلم العدو والصديق أن المُلك السعودي موحد الأركان ، ثابت الدعائم ، لا تزعزعه العواصف ، ولا تثنى عوده الأيام (...) وأن ذلك يقوى مركز البلاد الأدبي والمادي ، بينما ذهب أحد الكتاب المأجورين الموالين إلى القول :"إن نظام آل سعود أيام نشأته الأولى كان مجتمع بداوة ورعى ، ومجتمع كهذا لا يمكن أن يقوم فيه إلا نظام ملكي قوى .. ولو تصور أي خيالي حالم أن يقيم في هذا المجتمع نظام ملكي لا يباشر فيه الملك مسئولياته، لعاد مجتمع شبه الجزيرة العربية كما كان، ولما استطاع الملك عبد العزيز أن يحقق هدفه ".
|