بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

علاقة آل سعود بالإنجليز وتأسيس النظام

 

  قراءة فيما ما ذكره الجاسوس البريطاني الذي عيّنه الانجليز مستشارًا لابن سعود والذي كان له دور كبير في قيام نظام آل سعود , وهو المدعو ـ جون فيلبي ـ في كتابه (40 عاما في البحرية) : هذه القراءة تظهر أن قضية فلسطين لم تكن تبدو ( لآل سعود ) بأنها تستحق تعريض العلاقات الممتازة التي تربطهم مع بريطانيا وأمريكا للخطر ؛ وكان أساس الاتفاق لإنشاء وجود آل سعود في شبه جزيرة العرب هو أن تقوم سياسة هؤلاء المجرمين العملاء على عدم تدخلهم بأي شكل من الأشكال ضد مصالح بريطانيا أو أمريكا واليهود في البلاد العربية والإسلامية , وأهمها فلسطين .
 يروي ـ جون فيلبي ـ في مذكراته المشار إليها أن المجرم عبد ا لعزيز مؤسس نظام آل سعود بالتعاون مع اليهود والانجليز حزن حزنًا شديدًا عندما هُزمت الجيوش العربية في فلسطين , وكشف ـ فيلبي ـ سرّ هذا الحزن الشديد قائلاً : ( كان انتقال الجزء الغربي الذي احتفظ به من فلسطين إلى مملكة الأردن أمرًا أكثر مما يستطيع عبد العزيز استساغته... لأنه كان يريد ضمّه إليه أو إلى الكيان الصهيوني...( ولأنها إرادة الإنجليز فلم يستطع معارضتها ) ولكنه عارض بشدة إنشاء حكومة عموم فلسطين في غزة التي كانت تحت سيطرة الحكومة المصرية ).
هذا هو الموقف المتخاذل لآل سعود, ولكن التاريخ يسجل بطولة الكتيبة العربية التي خرّجت أفرادًا من الجزيرة العربية متطوعين من أجل الهدف المقدّس وهو تحرير الأرض الفلسطينية من الصهاينة .
 ولمعرفة من هو جون فيلبي ننقل من وثائق المخابرات البريطانية وكتاب (تاريخ آل سعود : خدمات آل سعود لليهود ) ما يلي نصه .. يقول جون فيلبي: (لقد أصبحت مهمتي المُكلف بها من المخابرات الإنكليزية بعد مقتل الكابتن شكسبير، قائد جيش آل سعود، هي: الدعم والتمويل والتنظيم والتخطيط لإنجاح عبد العزيز آل سعود في مهمته).. كما يفضح جون فيلبي دعم اليهود لآل سعود ، واتصال «بن غوريون» مع عبد العزيز آل سعود.
 قال جون فيلبي: إنه (بعد مصرع قائد جيش عبد العزيز آل سعود الكابتن شكسبير على أيدي قوات ابن الرشيد في نجد ، وصلت رسالة من رئاسة المخابرات الإنكليزية في لندن تؤيّد وجهة نظر السيد ـ برسي كوكس حينما كنت سكرتيراً له في العراق ـ وتحثّه الرسالة بدعم عبد العزيز آل سعود وتعيين جون فيلبي خلفاً للكابتن شكسبير وتسليمه كامل المسؤولية للعمل بكل وسيلة تمكّنه من دحر خصوم ابن السعود.. وكانت الرسالة تلك بداية لترك عملي كسكرتير لرئيس مكتب المخابرات في الجزيرة والخليج ـ السير برسي زكريا كوكس ـ لأتفرّغ إلى مهمة أهم من عبد العزيز آل سعود، وإعادة تنظيم جيشه وتمويله ، وإيجاد ميزانية خاصة له وتسليحه بالذخيرة والسلاح ، وإحياء الأفكار الوهّابية ، والقيام بإيجاد عملاء لنا مهمتهم تزويدنا بمعلومات عن خصوم ابن السعود الأقوياء ، مع بث أفكارنا بينهم، وبثّ الإشاعات المُرجفة في هذه المدن والقبائل والقرى المعادية ، وركزنا على كسب العديد من الوجهاء ورجال الدين في البلاد ، كما استطعنا أن نخلق وجهاء جدد في المناطق التي لم يرض وجهاؤها السابقون السير معنا، وسارت الأمور بقيادتي على أحسن ممّا أراده قادتي في لندن والخليج ، الشيء الذي نلت عليه منهم الثناء ـ كما ذكرت في مكان آخر ـ وبعد سقوط حكم ابن الرشيد في حائل وسقوط عرش الحسين ابن علي في الحجاز أنشأنا إمارة شرق الأردن ونقلنا إليها الأمير عبد الله بن الحسين، وكلف الانكليز أشخاصاً غيري لمراقبة وتوجيه عبد الله وتنظيم الإمارة الجديدة، إلاّ أن هؤلاء الأشخاص ما استطاعوا ترويض الأمير عبد الله الذي ظن أن هذه القطعة الجديدة من الأرض التي مُنحت له ما هي إلاّ «ملكه الخاص وعرشه البديل للعرش الضائع» في الحجاز وأنه بإمكانه التصرّف بمزاجه بعيداً عن خطّنا المرسوم , وأن بإمكانه أن يجعل من الأردن منطلق هجوم ضد ابن السعود لاستعادة العرش الهاشمي الذي منحه الإنكليز لعبد العزيز، وكذلك ظنّ أن بإمكانه استعادة عرش سوريا الذي منحه الإنكليز لأخيه فيصل ثم تنازل عنه الإنكليز للفرنسيين، ثم عمل الإنكليز جهدهم أخيراً لتخليص سوريا من الفرنسيين!..
 ومن أجل ذلك رأى قادتي أنه لا مناص من ذهابي إلى الأردن في مهمة ترويضية.. وكانت أول جملة كلّفني السير برسي كوكس بنقلها للأمير عبد الله هي «أن يقبل عبد الله بما قسّم الله له، وأن لا يجعل من عشه الجديد ثكنة حربية ضد عبد العزيز آل سعود بحجة العمل لاستعادة العرش الهاشمي المُلغى ذكره ووجوده في الحجاز وإلى الأبد»، وأيضاً يجب أن أُفهم عبد الله ألاّ يحرك ساكناً ضد فرنسا في سوريا ولبنان ، وأن يسلم الثوّار السوريين للسلطات الفرنسية في دمشق، وأن يتعاون مع الوجود البريطاني واليهودي في فلسطين ، وأن يسلّم لابن سعود الحجازيين والنجديين والشمامرة الذين هربوا معه أو لجئوا إليه فأخذ يعدّهم في الأردن لمضايقة ابن السعود.. هذه هي أسس المهام التي كلّفت من قيادتي بترويض الأمير عبد الله عليها)!.. ويتابع جون فيلبي سرد الحقائق قائلاً: (وبعد شهرين من وصولي إلى الأردن قمت بجولة في أنحاء فلسطين , وكانت الثورة الفلسطينية في بدايتها , ويعيش الإنكليز في قلق منها، فحاول بعضهم توسيط الأمير عبد الله لدى الثوار الفلسطينيين بإيقاف الثورة، فحبّذت الفكرة لعلمي أن عبد الله سيفشل في وساطته لعدم نفوذ الأمير عبد الله بين الفلسطينيين ، وبالتالي سيكون الجو مهيئاً لصديقنا العزيز ـ عبد العزيز ال سعود ـ فتنجح وساطته فترتفع أسهمه لدى الإنكليز أكثر فأكثر، وهذا ما تمّ فعلاً، وما اقترحته بعد فشل عبد الله في الوساطة، إذ اقترحت توسيط عبد العزيز آل سعود ، وهكذا نجح عبد العزيز بما فشل فيه عبد الله عام (1936م)، بل إنه بمجرد أن عرض عبد العزيز آل سعود وساطته لدى وجهاء فلسطين قبلوا وساطته بإيقاف الثورة ضد الإنكليز، واثقين مما تعهد لهم عبد العزيز به وأقسم لهم عليه قائلاً: «إن أصدقاءنا الإنكليز تعهّدوا لي على حل قضية فلسطين لصالح الفلسطينيين ، وإنني أتحمّل مسؤولية هذا العهد والوعد » وقد نقل لهم هذه الرسالة ابنه فيصل , ثم لحلق به ابنه الثاني سعود.. وكان لنجاح وساطة عبد العزيز آل سعود صداها القوي لدى الإنكليز واليهود ، وكانت المنعطف الأكبر في تاريخ فلسطين، وعزّز ذلك النجاح الباهر كافة آرائي بعبد العزيز أمام رؤسائي بل وحتى أمام خصومي في «المكتب العربي بالقاهرة» الذين ما زال بعضهم يؤيد الهاشميين ويعتبرهم أصلح لنا من آل سعود.. وأثناء رحلتي تلك إلى فلسطين عرجت إلى تل أبيب , وقابلني الزعيم اليهودي ـ ديفيد بن غوريون ـ وكان فرحاً لنجاح وساطة ابن سعود التي أوقفت الثورة الفلسطينية، إلاّ أنه أبدى قلقه من سبب ابتعادي عن عبد العزيز آل سعود وقال: "إن وجودك «يا حاج عبد الله» مهم بالقرب من عبد العزيز هذه الأيام" فقلت لبن غوريون: «إننا لم نعد نخشى على عبد العزيز آل سعود، فلديه من الحصانة ما يكفي لتطعيمي وتطعيمك!..
 كما قد حصنّاه سابقاً بعدد من المستشارين العرب، بالإضافة إلى أن هناك من يقوم الآن بدوري لديه، مع أنني لم أبتعد هذه الأيام عنه لغير صالحه في ترويض خصومه في شرق الأردن». هنالك ظهرت على وجه بن غوريون علامة الارتياح، وتشعّب الحديث مع بن غوريون في أمور هامة تتعلق بالشؤون العربية ومستقبل اليهود ، وأخبرت بن غوريون أن أمير شرق الأردن عبد الله بن الحسين كان في منتهى الشراسة بعد أن أخرجناه من الحجاز، وكان يكنّ الحقد حيناً ويظهره أحياناً لبريطانيا على فعلتها بتسليم عرشه لعبد العزيز آل سعود، ومن أجل ذلك أخذ يتبنّى العديد من الرجال المعارضين لعبد العزيز والمعارضين للفرنسيين والانكليز واليهود على حدّ سواء ، وهو ما زال يكره ابن السعود ويجعل من الأردن مكان تجمّع لخصوم ابن السعود معدّاً إياهم للعودة بهم في حرب خاطفة يعيد بها ما فقدوه في الحجاز وحائل ونجد وعسير.
 فقال بن غوريون: «نحن ندرك هذا تماماً ونقدّر جهودك، والذين اختاروك لاشكّ يدركون ما لديك من مقدرة فائقة على ترويض الأمراء العرب» قلت لابن غوريون: «قبل أيام أخرجت جيش الإخوان المسلمين التابعين لآل سعود لتأديب الأمير عبد الله فهدّدوا كيانه ، فاستنجد بي لإنقاذه منهم مبدياً الكثير من التودد والطاعة لبريطانيا، وبذلك أوعزنا لعبد العزيز آل سعود بإيقاف جيش الإخوان عند حدّهم قبل أن يدخلوا الأردن وينزلوا فيها الدمار..
 إلا أن عبد العزيز لاقى صعوبة في صدّ هذا الجند البدوي الشرس صعب الترويض والمراس فاضطررت إلى إعطاء الأمر للطائرات الحربية البريطانية المرابطة في الأردن لتأديبهم ، ولو لم توقع الطائرات بهم بعض الخسائر لما تراجعوا وما سمعوا كلمة شيخهم عبد العزيز آل سعود!..
لكنه رغم ما أصاب عبد الله من هلع كان مازال شرس الطباع ضد بريطانيا ، ممّا جعلني أوحي إلى قبيلة ابن عدوان في الأردن بالخروج لضرب عبد الله وتطويق قصر الشونة لإرهابه كنوع من أنواع الترويض ، وحينها استنجد عبد الله بي مرة أخرى قائلاً : إنني أعرف أن كل هذه الأعمال ما حدثت إلاّ بعد مجيئك يا حاج فيلبي بغية ثني إرادتي عن مقاومة حبيبكم عبد العزيز آل سعود..
 إنني أعدك بإبعاد هذه الفكرة نهائياً ، لكنني أرجو إعفائي من مسألة إبعاد الذين لجؤوا معي من الحجاز ونجد هرباً من وحشية صاحبكم وجنوده التي أنت أعرف الناس بها, وما "مجزرة تربة" و "الخرمة" و"الطائف" ببعيدة عن ذاكرتك.. فقلت لعبد الله: إنني أعدك ببذل كل مجهود لحمايتك بعد أن أتضح لنا أنك لا تنوي بابن السعود شراً , أما اللاجئين فرأيي بهم كما تراه أنت، وهو ألاّ نسلّمهم لابن سعود على ألاّ يقوم أيّ أحد منهم بنشاط ضده.. فقال عبد الله: إتفقنا يا حاج فيلبي!..
وهكذا تخلّى عبد الله عن أفكاره الوطنية والقومية في غزو الحجاز أو إثارة أيّ نوع من الشغب ضد ابن سعود بعد أن جمع لهذه الفكرة كل مخلّفات جيشه وجيش والده الهارب من الحجاز، جاعلاً من الأردن «أرض ميعاده الجديدة» لإخراج آل سعود من الحاجز ونجد).. وأردف جون فيلبي قوله: (وبذلك اطمأن بن غوريون وابتسم معبّراً عن غبطته باستقرار الأمور لصالح ابن سعود وبما توصلّت إليه من ترويض للأمير عبد الله بن الحسين، وقال بن غوريون وابتسامة الرضا بادية على وجهه من حديثي : «
إذًا أنت ما زلت أيها العظيم على علاقة حسنة بالرجل العظيم» فقلت لابن غوريون: «من تقصد بالرجل العظيم»؟.. فقال بن غوريون: «وهل هناك مقصود في المنطقة العربية خلاف ابن العم عبد العزيز بن سعود».. قال بن غوريون كلمة «ابن العم» وهو مدرك تمام معرفتي بتسلسل نسب آل سعود المنحدر من قبيلة ـ بني القينقاع ـ اليهودية ، ثم أخذ بن غوريون يعدّد لي زعماء وملوك وقادة اليهود الذين دخلوا الدينين المسيحي والإسلامي وغيرهما من الأديان لخدمة الهدف اليهودي والذين حكموا العالم عملاً بتحقيق الغاية الكبرى لبني إسرائيل , فأورد أسماء كثيرة.
 واختتم بن غوريون حديثه عن ملوك وقادة بني إسرائيل عبر التاريخ مفاخراً بقوله: «وهكذا ترى يا شيخ عبد الله كيف كانوا ملوكنا وقادتنا عبر التاريخ صنّاع حضارة وتاريخ ومجد منذ عهد سليمان و داوود إلى عهد ابن السعود» ).. وبتابع جون فيلبي اعترافاته فيقول: (ولما عدنا إلى الحديث عن الأمير «الحجازي الأردني» عبد الله الذي نقلناه من الحجاز لإقامة جبرية ينشىء خلالها دولة جديدة في صحراء الأردن أيّد بن غوريون إقامة مثل هذه الدولة على أن تكون مملكة فيما بعد, كما أيد إقامة مملكة ابن سعود قائلاً: "إن جذور الملكية هي التي تضرب في الأرض أكثر من سواها" مضيفًا: «إننا بإقامة هاتين المملكتين ستطمئنّ قلوبنا لوجود سياجين حاميين لدولة إسرائيل المُزمع قيامها في الوقت المناسب لولادتها ولادة لا تشويه فيها ، وهذا لا يتم بالطبع إلاّ بإقامة التحصينات حولها باسم العرب الذين نثق بهم».
 وعدت أداعب بن غوريون قائلاً: «أنت قد عدّدت لي الكثير من الملوك والقادة اليهود الذين حكموا العالم لكنك لم تتطرق للتوسع في شرح نسب آل سعود لليهود , فقال بن غوريون وهو يبتسم: " إن نسبنا مع ابن سعود ثابت أكثر ممن سواه"..
 وبعد الاجتماع حمّلني بن غوريون رسالة خطية لعبد العزيز آل سعود لأسلمها له شخصياً حينما ألتقي به في اللقاء المرتقب, وسافرت من الأردن إلى مكة وهناك قابلت الصديق الصدوق عبد العزيز آل سعود المتلهّف لأخباري، وما أن قابلته في مجلسه الواسع حتى سألني عن «العلوم» أي الأخبار فأفهمته بإشارة يفهمها منّي تمام الفهم وتعني «أن فضّ هؤلاء الناس الموجودين في المجلس» ففضّهم ، ولم يبق سوانا نحن الاثنين ـ عبد الله فيلبي، وعبد العزيز ـ فطمأنته من أنني صفّيت الوضع في الأردن لصالحه وصالح بريطانيا ، ثم قرأت عليه رسالة بن غوريون التي جاء فيها قول بن غوريون لعبد العزيز : «يا صاحب الجلالة.. يا أخي بالله والوطن».
 وكانت لكلمة «يا صاحب الجلالة» رنّة في أذن عبد العزيز فهي أول كلمة يسمعها عبد العزيز بعد توليه العرش ، إذ لم يتعوّد من عرب نجد سماعها أو دعوته إلاّ باسمه المجرد (يا عبد العزيز) أو (يا طويل العمر) على أكثر تقدير.. وعندها استوقفني عبد العزيز عن تلاوتي لرسالة بن غوريون متسائلاً يقول: «لماذا يدعوني ـ بن غوريون ـ صاحب الجلالة وأخوه بالله والوطن؟!» فقلت لعبد العزيز: إن جميع أهل أوروبا لا يلقّبون ملوكهم إلاّ بأصحاب الجلالة لأنهم ظل الله في الأرض!..، أما قول بن غوريون عن «أخوّتك بالله والوطن»، «فكلنا إخوة له بالله والوطن .. وأنت أعرف بذلك!!».. فقال: (ألآن فهمت.. أتمم رسالتك يا حاج» فتلوت الرسالة التي جاء قول بن غوريون: «إنّ مبلغ العشرين ألف جنية إسترليني ما هو إلاّ إعانة منّا لدعمك فيما تحتاج إليه في تصريف شؤون ملكك الجديد في هذه المملكة الشاسعة المباركة، وإني أحب أن أؤكد لك أنه ليس في هذا المبلغ ذرة من الحرام!!!
 فكله من تبرعات يهود بريطانيا وأوربا الذين قد دعّموك لدى الحكومة البريطانية في السابق ضد ابن الرشيد وكافة خصومك ، وجعلوا بريطانيا تضحي بصديقها السابق حسين لأجلك لكونه رفض حتى إعطاء قطعة من فلسطين لليهود الذين شرّدوا في العالم» ).. ويتابع فيلبي قوله: ( لقد استوقفني عبد العزيز مراراً متسائلاً عن الكثير من جمل تلك الرسالة ، من ذلك أنه سألني عن مبلغ الـ (20) ألف جنيه إسترليني قائلاً: «وهل ينوي بن غوريون تهديدي بهذا المبلغ الذي بعثه لي بواسطتك؟ وهل عرفت حكومة بريطانيا العظمى بهذا المبلغ؟ وهل استلامي للمبلغ من بن غوريون لا يُغضب حكومة بريطانيا فتقطع عني المرتب الشهري والعون؟..» قلت: «أبداً.. إن اليهود في بريطانيا هم حكام بريطانيا بالفعل، إنهم الحكم والسلطة والصحافة والمخابرات البريطانية، إن لهم مراكز النفوذ الأقوى في بريطانيا، وكانوا وراء دعمك وعونك ، ووراء الاستمرار في صرف مرتبك حتى الآن عن طريق المكتب الهندي..
كما كانوا في السابق وراء قطع هذا المرتب لاختبارك هل سترفض أو لا ترفض التوقيع بإعطاء فلسطين لليهود».. قال عبد العزيز: «وهل اطلع أحد على رسالة بن غوريون هذه»؟ فأجبته: «لم يطّلع عليها سوى أربعة»!!. فبدا على وجه عبد العزيز الامتعاض الشديد أثناء تساؤله بلهفة عن معرفة هؤلاء الأربعة الذين اطلعوا على الرسالة!: «من هم الأربعة؟؟.. من هم الأربعة يا حاج فيلبي؟.. أنا لا أخشى غضب أحد إلا غضب الله وبريطانيا!» قلت لعبد العزيز إن هؤلاء الأربعة هم: «الله وأنا وبن غوريون وعبد العزيز» فضحك عبد العزيز لهذا وهو يقول: «الله الأول عالم بكل شيء, أمّا الثلاثة الباقون فقد ضحكوا على الله !!!ـ لكنني أسألك عن ـ عبيد الله ـ وعلى الأخص ـ عبد الله ـ الذي في الأردن ـ هل أخبره بن غوريون بشيء حينما التقى معه؟» ويقصد بذلك أمير الأردن عبد الله ـ الملك عبد الله فيما بعد ـ .. قلت : «لم يعرف عبد الله أي شيء ؛ وأنت تعلم أننا لو أردنا إطلاعه على الأسرار التي بيننا وبينك لما منحناك عرشي الحجاز ومنحناه غور الأردن»..
 وانتهى اللقاء بتحميلي وصية شفهية من عبد العزيز لبن غوريون يقول فيها: «قل للأخ بن غوريون!!! إننا لن ننسى فضل أمنا وأبونا بريطانيا ، كما لم ننس فضل أبناء عمنا اليهود في دعمنا وفي مقدمتهم السير برسي كوكس!!! وندعو الله أن يلحقنا أقصى ما نريده ، ونعمل من أجله لتمكين هؤلاء اليهود المساكين المشردين في أنحاء العالم!!! لتحقيق ما يريدون في مستقر لهم يكفيهم هذا العناء»!.
 ورجعت من «الحج قاضياً حاجتي».. وفي الأردن أخبرت الأمير عبد الله «أن عبد العزيز بن سعود يسلّم على سموكم وأننا سوف نجري مصالحة بين الطرفين نظراً لما تقتضيه مصلحة الجميع».
وفي اليوم التالي لوصولي بلّغت رسالة «صقر الجزيرة» لبن غوريون.. و«صقر الجزيرة» هو الاسم المتعارف عليه في ملفات المخابرات البريطانية.إنه عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود)..انتهى.