|
يقول الكولونيل "برسي كوكس" الشخص الثاني الذي دعّم قيام نظام ـ آل سعود ـ من لا شيء ، ووقف معه بكل قدرات بريطانيا وخبراتها ، وبخطط الصهاينة كلها حتّى النهاية، وهو مسؤول المكتب الهندي الذي هو اسم مكتب المخابرات البريطانية ، يقول:
(لقد كانت أول مرة لي أقابل فيها أميرنا عبد العزيز بن سعود، ولقد أعجبت به ولم يخب ظن أحدنا بالآخر وقلت له يومها : إنك شخصية قوية يا عبد العزيز، فرد عبد العزيز بقوله : أنتم الذين كوّنتم لي هذه الشخصية وهذا الجاه، ولولا بريطانيا العظمى لم يكن يعرف أحد أن هناك شخصًا اسمه عبد العزيز آل سعود، إنني بكم وصلت إلى لقب الأمير ، وسوف لن أنسى لكم هذا الفضل مدى حياتي ، وسأبقى لكم خادمًا مطيعًا مُنفّذًا لما تريدون) .
ويقول الجاسوس البريطاني المعروف ـ جون فيلبي ـ والذي كان له أيضًا دور معروف في قيام نظام ـ آل سعود ـ والذي حضر هذا الاجتماع:
وردّ ـ برسي كوكس ـ قائلاً: (نحن لم نمنحك لقب أمير فقد كنت أميرًا بطبيعتك
أما اللقب الذي سأقلدّك وسامه الآن باسم بريطانيا العظمى فهو لقب ـ السلطان عبد العزيز ، سلطان نجد ، والأحساء ، والقطيف ، والجبيل، .. وهكذا قلّده وسام السلطنة البريطانية اعترافًا بخدماته وعمالته للحكومة البريطانية ومخططاتها في المنطقة.
وأضاف ـ كوكس ـ :
( وفي المستقبل القريب سنقلّدك وسام سلطنة حائل بعد القضاء على خصومنا هناك ثم سلطنة الحجاز ونجد، لتصبح سلطان نجد والحجاز وملحقاتها، ثم سنجعل منك ملكًا بعد تسليمك عسير وبعض الإمارات الأخرى لنطلق عليها اسمكم فتصبح (المملكة السعودية).
وهنا استفسر عبد العزيز وهو يقبّل جبين كوكس، ويده اليمنى ترتعش من شدّة الفرح ويردّد: الله يقدّرنا على خدمتكم ، الله يقدّرنا على خدمة بريطانيا ، ثم تساءل : ماذا تعني بالإمارات يا سيدنا برسي)؟… فتكلم المستشار العميل ـ عبد الله الدملوجي ـ مستبقًا الكولونيل بقوله :
"إن الكولونيل يعني بالإمارات الأخرى مثل البحرين ،والكويت ،" وقطر، والشام وفلسطين , واليمن" فقاطعه ـ كوكس بكلمة حاول فيها إخفاء ملامح الغضب من على وجهه بابتسامة استخفاف قائلاً : كلاّ .. كلاّ .. إنما أقصد ، نجد ، وحائل ، والحجاز والأحساء , والجوف، لأننا لا نضمن وقوف ـ آل رشيد ـ أو استمرار الشريف الحسين بن علي معنا، ولذلك سننقل الحسين بن علي لتعينه إذا أرادوا وأولاده ملوكًا على العراق وسوريا، ولكننا نعتقد أن الحسين سيرفض الاستجابة لتعيينه في منصب أصغر ممّا يتخيّله في عقله ، وحينها سنضطر إلى نفيه بعيدًا، أما أولاده فنتوقع موافقتهم .
أما إمام اليمن فنحن نمدّه الآن بمختلف المساعدات لمحاربة الأتراك في اليمن وسنضع حدودًا لكل من ممالككم، ونحن لا نرغب في توحيد البلاد العربية تحت حكم رجل واحد حتّى ولو كان ملكًا لأن هذا ليس في صالح بريطانيا، فالتوحيد سينتج عنه ذوبان الأقاليم وتلاشي التبعيات وبذلك يصبح العرب قوة كبرى تقف في وجه مصالحنا المشتركة، كما أن وضع البلاد العربية تحت حكم شخص واحد سيضعف هذا الشخص في يوم من الأيام فتحدث بعد ذلك ثورات قد تؤدي إلى قيام جمهورية عربية واحدة.
وتابع: ( ثم إن عندنا الآن مشكلة اليهود وفلسطين، إننا نريد حسمها لنمكّن اليهود من العيش بسلام في وطن لهم بعد هذا التشرّد الطويل، ونريد أن يساعدنا ملوك العرب بصفتهم يمثلون الشعوب العربية التي ستعارض فكرة إعطاء اليهود أرضًا في فلسطين، فما هو رأي السلطان عبد العزيز "؟..
فاستفسر عبد العزيز عن رأي السير ـ كوكس ـ بقوله : (ماذا تعني بهذا الكلام؟).
فخشي السير ـ كوكس ـ من أن يكون عبد العزيز بسؤاله هذا قد استاء من موضوع إسكان اليهود في فلسطين، فرأى أن يواصل التمهيد لما يريد من عبد العزيز إجابة عليه ، فقال السير ـ كوكس ـ :
(إنني واثق منك يا عبد العزيز بأنك سوف لا تردّ لنا طلبًا ،فالحياة كلها مصالح مشتركة، فلو لا مصالح لبريطانيا لما أمكن لنا أن نساعدك يا عبد العزيز، ولو لم تكن أيها السلطان موضع ثقة منّا لما دعّمناك وحاربنا من أجلك، والذي أريد قوله هو هل يمكن فيما لو طلبنا منك أن تعترف لنا بجعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود أن نطمع بالموافقة ؟ اعتقد أن في هذا ضمانة لبقائك سلطانًا، كما هو في صالح بريطانيا أن يكون لليهود كيان ووطن، وما هو صالح بريطانيا لا شك أنه في صالحك"..
ويتابع جون فيلبي قوله :
" فضحك عبد العزيز ساخرًا من هذا الطلب, وألقيت نظرة فاحصة على وجه الكولونيل كوكس وإذا به قد امتعض.. لاشك أنّه خشي مثلما خشيت أنا أيضاً أن تكون ضحكة السلطان عبد العزيز الساخرة بداية للخروج عن الطاعة ورفض الطلب الذي كلّف به كوكس من دائرة المخابرات العامة في لندن, ولكن سرعان ما تبدّدت أوهامنا عندما تساءل السير كوكس بسخرية أيضًا:
لماذا تضحك من قولنا يا عظمة السلطان ؟ فرد السلطان المسخرة قائلاً :
( شيء مضحك فعلاً ؟ شيء مضحك أن تطلبوا مني أن أوافق على إقامة وطن لليهود في فلسطين بينما اليهود موجودون في فلسطين فعلاً والإنكليز يحكمون فلسطين فعلاً ، وبإمكان الإنكليز إعطاء اليهود ما يشاؤون من هذه الأراضي التي يحكومنها، هذا ما يضحكني ، ويضحكني أيضاً أن ينصّب الإنكليز الملوك والسلاطين ومع ذلك يطلبون أخذ الموافقة ممّن نصّبوهم بأيديهم من هؤلاء السلاطين والملوك، ثم أضحك أيضاً من ماذا سيستفيد الإنكليز من موافقة واحد مثلي يرجو عون الإنكليز ويمد إليهم يده كل شهر ليتقاضى معاشه منهم ويستطيع الإنكليز رفع مرتبه أو تخفيضه أو قطعه، أوحتّى إسقاطه شخصيًا أو إنجاحه)؟..
وردّ ـ كوكس ـ بعد أن اختفت لمحة الغضب عن وجهه :
" إن ما تقوله يا عظمة السلطان كله صحيح، ونحن لم نمنحكم ألقاب السلاطين والملوك ونمدكم بالعون والنجاح إلا لتكونوا ممثلين للشعوب العربية ،وبذلك يكون لاعترافكم بتمكين اليهود من فلسطين قيمة وشرعية , فأنتم محسوبون من العرب ، أما نحن فمهما قدّمنا من خدمات ، ومهما تظاهرنا بالإسلام فمحسوبون من الإنكليز ، ووجود اليهود في فلسطين أو أي بلد عربي سيعتبره البعض انتهاكًا لحرمة ذلك البلد، هذا ما يقال وما هو واقع ، أليس كذلك يا عظمة السلطان "؟…
فرد العميل عبد العزيز قائلاً :
( نعم.. نعم .. لاشك.. فإذا كان لاعترافي هذه الأهمية عندكم فأنا أعترف ألف مرّة بإعطاء اليهود وطنًا في فلسطين أو غير فلسطين، وهذا حق وواقع )..
وهنا دسّ العميل عبد العزيز يده في جيبه ، وأخرج ورقة صغيرة وكتب بخط يده يقول:
(أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود أُقر وأعترف للسير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى ، لا مانع عندي من إعطاء فلسطين لليهود أو غيرهم كما ترى بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتّى تصيح الساعة)! ..
وهو يقصد بصياح الساعة : قيام الساعة ، أي القيامة.
ذلك هو العميل ـ عبد العزيز ـ سلالة مجرمي الشر والإجرام والعمالة في شبه جزيرة العرب ، والذي وكما هو واضح من الحوار الذي كشف عنه من قام بتنصيبه في تلك المنطقة كان على استعداد حتى لبيع دينه ونفسه للإنجليز في سبيل تمكينه من الحكم والاستمرار فيه ، على حساب الممالك والسلطنات والمشيخات التي كانت قائمة في شبه جزيرة العرب ، والتي عاث فيها فسادًا وإرهابًا حتى فرض نفسه عليها جمعيًا بدعم أسياده في لندن من عملاء المخابرات البريطانية وخاصة منهم المذكورين أعلاه ـ كوكس ـ وـ فيلبي ـ .
|