|
وهكذا أخفق الحزب المتحالف مع عصابات آل سعود وسيّدهم الإنجليزي ـ جون فيلبي ـ في كل المحاولات التي بذلوها لإجبار ملك الحجاز ـ الشريف الحسين ـ للتنازل عن العرش لصالح ابنه ـ علي ـ حتى يسهل على ابن سعود وعصابته السيطرة على هذا الأخير واقتلاعه فيما بعد ليستولي الإنجليز وابن سعود على البلاد والعباد .
وهكذا أخذ الجميع يبحث من جديد في الطريقة التي قد يستطيعون بها إقناع الملك الشريف الحسين ليتنازل عن العرش تحت زعم "تخليص البلاد من الكارثة التي تتهدّدها" ـ كما كانوا يدّعون ـ وأصروا على قرارهم السابق بضرورة السعي من جديد لمحاولة إقناع الملك الحسين بالتنازل, غير أنهم وجدوه لازال مصرًا على عدم التنازل ما دام أن الذي سيخلفه هو ابنه الأمير علي، فكتبوا إليه برقية اغفلوا فيها اسم من يخلفه بل طلبوا إليه التنازل لتتمكن "الأمة" من تشكيل حكومة مؤقتة .
وهذا نص البرقية:
(صاحب الجلالة الملك المعظم بمكة
الحالة حرجة جدًا، وليس الوقت وقت مفاوضات، فإذا كنتم لا تتنازلون للأمير علي فنسترحكم بلسان الإنسانية أن تتنازلوا جلالتكم لتتمكن الأمة من تشكيل حكومة مؤقتة وإذا تأخرتم عن إجابة هذا الطلب فدماء المسلمين ملقاة على عاتقكم)!
فلم يجد الملك حسين بداً من التنازل، وكتب إليهم البرقية الآتية:
( مكة في 4 ربيع الأول الساعة الثالثة ليلا
لا بأس قد قبلنا التنازل بكل ارتياح، إذ ليس لنا رغبة إلا في سكينة البلاد وراحتها وسعادتها فالآن عينوا لنا مأمورين من هنا يستلمون البلاد بكل سرعة ونحن نتوجه في الحال، إذا تأخرتم ووقع حادث فأنتم المسؤولون والأشراف عندكم كثيرون، أرسلوا واحدا منهم أو من سواهم، وعلاوة على هذا إذا قبل منكم الابن على الأمر عينوه رأسا".
الإمضاء (حسين)
وهكذا مرّت المؤامرة وكسبت سياسة آل سعود وحلفائهم الإنجليز الجولة الأولى فالأمير علي كان يختلف عن والده كثيرًا .
وكتب كبار الموظفين إلى علي وثيقة "البيعة بالمُلك" وهي ما يلي:
"بناء على طلب الأمة "!" فقد تنازل جلالة والدكم بموجب برقيته رقم 19 المؤرخة في 4 ربيع الأول وقررنا نهائياً البيعة لجلالتكم ملكا دستوريا على الحجاز فقط وأن يكون للبلاد مجلس نيابي وطني، وقانون أساسي تضعه جمعية تأسيسية كما هو جار في الأمم المتمدنة , وبما أن الوقت يضيق الآن دون تأسيس المجلس النيابي الوطني فقد قررت الأمة أن تشكل هيئة مؤقتة لمراقبة أعمال الحكومة وإنّا نبايعكم على ذلك وعلى كتاب الله وسنة رسوله"…
وبايعه عن "الأمة" كبارها وأغنياؤها… [5]
(وقد أدى تنازل الحسين وتولية "علي" الملك إلى اضطراب عام في مكة وغيرها ، فالحسين كان مهيبًا عند رجاله وأمته، وكان منطقيًا عنيدًا قويًا طموحًا صلب القناة مستبداً لا يستطيع أحد أن يشاركه في أمر, إضافة إلى أن كافة سكان مكة المكرمة والمدينة المنورة قد جرت كل هذه الأحداث في غيابهم ودون علمهم ).
وقد كان علي هيّناً ليّنًا مسالماً فاتر العزم , وكانت صفات علي صفات زاهد ورع لا صفات حاكم يريد مجداً ويسوّس جندًا ويبغي السيادة والخلود، فالبون بينه وبين أبيه شاسع , فقد كان الحسين أكفأ من علي وأزكى كثيراً، فلما تنازل الحسين وصعد "علي" اضطرب الناس واضطربت مكة على الأخص وذهل أهلها , فما كانوا يصدقون أن الحسين يبارح مكة فردًا من أفراد الأمة أو يعتزل المُلك ، وساد التشاؤم كل بلدان الحجاز، وكانت مكة متشائمة إلى حد بعيد.
"وحمّل الناس قادة الحزب المشار إليه سابقًا مساهمتهم في الجريمة التي ارتكبت , واتهم بعضهم بعمالتهم مع آل سعود والإنكليز مقابل الوعود الكاذبة"…
وأرت الناس أن "الحزب الوطني" كان مخطئا في طلب تنازل الحسين فها هو الاضطراب والقلق والمخاوف تستبد بالبلدان وبالعاصمة وبالناس وبالسبل.
وقد غضب الملك الحسين غضبة شديدة حينما انتهى أمر البلاد إلى "الفوضى" وكتب إلى من طلبوا إليه التنازل برقية يقول لهم فيها:
"إن الفوضى التي ذكرتموها وقعت على أيديكم بداعي إشهاركم رغبة تنازلي، وأنا لا أقبل أية مسؤولية تقع إذا لم تسرعوا اليوم في تعيين من يتولى الأمر لأتوجه في الحال إلى الجهة التي يختارها الباري عن طريق جدة وهذا ليس هربًا من أي شيء تتصورونه بل دفعًا للظنون والشبهات".
وكان الحسين يدرك أن الإنجليز وراء كل هذا…
فأجاب الحزب الوطني الحجازي بهذه البرقية:
في 5 ربيع الأول
صاحب الشرف الأسمى الشريف حسين المعظم.
جواب برقيتكم رقم 17 بحمد الله ومساعي مولاي قد تمت البيعة لجلالة نجلكم المعظم وقد فاوض جلالته من يلزم في استلام البلاد وإدارة شؤونها فالمنتظر من مولاي مبارحتها بكل احترام تهدئة للأحوال!…
التوقيع ...... عن رئيس الحزب الوطني الحجازي
محمد طاهر الدباغ
ومن وحي ما أملاه العميل "عبد العزيز آل سعود" يتساءل "أحمد العطار" فيجيب نفسه فيقول:
(ويجب أن نقول كلمة للتاريخ: هل أخطأ الحزب الوطني أو أصاب في طلب تنازل الحسين؟…
أمّا أنا فأرى أنه أخطأ في ذلك فقد أثّر تنازله في نفسية الجيش الهاشمي فانتحر آخر أمل يهجس في قلبه".
كما قضت تلك المؤامرة التي حبكها الجاسوس ـ فيلبي ـ على الروح المعنوية للناس وعجّل بسقوط شرفاء مكة , وقد خدم "أعضاء الحزب الوطني" ابن سعود بعملهم خدمة مرموقة, فهم أنزلوا خصمه العنيد القوي "حسين" ليرفعوا بدله خصمًا صغيرًا وديعًا مسالمًا ضعيفًا هو "علي" حتّى يتسنى له أن يقضي عليه سريعًا بإرهاقه بالمؤامرات ويضنيه بالحصار ويجبره على التنازل!.
وكان للحسين نفوذ وكلمة مسموعة عند الدول بينما لم يكن ابن سعود سوى نكرة في كل العالم باستثناء جهاز المخابرات الإنجليزية في لندن الذي جنّده لخدمة أهداف الإمبراطورية البريطانية .
وكان للحسين أيضًا من أصدقاء كبار في الحكومة الإنجليزية وغيرها من حكومات العالم في ذلك الوقت , ويقول المؤرخون لو أنه بقي في الملك واتصل بغير القناصل الموجودين كالمندوب السامي في مصر مثلا لاستطاع مساجلة خصومه والانتصارعليهم 6]، بينما الملك ـ علي ـ المعيّن مكان أبيه لا دالة له على دولة إلا بأبيه كما أنه لا خصومة بينه وبين أحد إلا بأبيه، وهو في كلا الأمرين غير موفق , المهم أن الكثير من الدول يومها كانت معترفة باستقلال الحسين وملكيته وحكومته , في حين لم تعترف أية حكومة بالملك علي، بل أن كثيرا من الملكيين لم يعترفوا بأن عليًا ملكهم!)…
وهكذا نجح " أعضاء المكتب الهندي" وهو جناح المخابرات الإنجليزية الذي يسيطر عليه اليهود، في إبراز عميلهم ـ عبد العزيز آل سعود ـ …
|