بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

الإمام الكاظم عليه السّلام في ( مفتاح النجاء)

يقول الشيخ المحدّث محمّد بن رستم البدخشيّ بعد ذِكْره أولاد الإمام جعفر الصادق عليه السّلام.
وأمّا موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فكان وارثَ أبيه في الفضائل، وأفضلَ اخوته في كمال الخصائل.
 أمّه أمّ ولد، تُسمّى « حميدة البربريّة » وقيل: «الأندلسيّة. وُلد رضيَ اللهُ عنه بـ « الأبواء » بين مكّة والمدينة، يومَ الأحد لسبع ليالٍ خَلَون من صفر سنة ثمانٍ وعشرين ومائة، وقيل: تسع وعشرين ومائة.
يُكنّى أبا الحسن، وقيل: أبا إبراهيم، وقيل: أبا إسماعيل. ويُلقَّب بـ « الكاظم » لفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه، وبـ « العبد الصالح » لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل، و«الصابر » و « الأمين » أيضاً مِن ألقابه.
 وكان رضي الله عنه: عالِماً، عابداً، جواداً، حليماً، كبيرَ القَدْر، ظاهر الكرامات:ـ ذكر ابن الجوزيّ في (صفة الصفوة )، وابن طلحة في كتابه ( أي: مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول )..
 وغيرهما:
 • عن شقيق البلخيّ قال: خرجت حاجّاً في سنة تسعٍ وأربعين ومائة، فنزلت « القادسيّة .. فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم، نظرتُ إلى فتىً حَسَنِ الوجه شديدِ السُّمرة، فوق ثيابه صوف، مشتمل بشملة، في رِجلَيه نعلان، وقد جلس منفرداً. فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفيّة يريد أن يكون كَلاًّ على الناس في طريقه! واللهِ لأمضينّ إليه ولأُوّبخنّه! فدنوتُ منه.. فلمّا رآني مُقْبلاً قال: ـ
 يا شقيق! اجتنبوا كثيراً مِن الظنّ، إنّ بعض الظنّ إثم! ثمّ تركني ومضى.. فقلت في نفسي: إنّ هذا الأمر عظيم! قد تكلّم بما في نفسي، ونطق باسمي، وما هذا إلاّ عبدٌ صالح، لألحقنّه ولأسألنّه أن يحلّلني. فأسرعت في أثره فلم ألحقه، وغاب عن عيني , فلمّا نزلنا ( واقصة ) وإذا به يصلّي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري، فقلت: هذا صاحبي، أمضي إليه وأستحلّه.. فصبرت حتّى جلس، وأقبلتُ نحوه، فلمّا رآني مُقْبلاً قال: ـ يا شقيق، قل « وإنّي لغفّارٌ لمَن تاب وآمنَ وعمِلَ صالحاً ثمّ اهتدى » ثمّ تركني ومضى.. فقلت: إنّ هذا الفتى لمِنَ الأبدال! لقد تكلّم على سرّي مرّتين. فلمّا نزلنا « زبالة » إذا أنا بالفتى قائم على البئر وبيده رِكْوة(35) يريد أن يستقيَ ماءً، فسقطت الرِّكوة من يده في البئر، وأنا أنظر إليه.. فرأيتُه قد رمق السماء وسمعته يقول:
إلهي أنت ربّي إذا ظمِئتُ إلى الماء، وقوّتي إذا أردتُ الطعاما.اللهمّ سيّدي مالي غيرها، فلا تَعْدِمنيها. قال شقيق: فو َاللهِ لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها.. فمدّ يده فأخذ الركوة ومِلؤُها ماء، فتوضّأ وصلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كثيبِ رملٍ فجعل يقبض بيده ويطرحه في الرِّكوة، ويحرّكه ويشرب.. فأقبلتُ إليه، وسلّمتُ عليه، فردّ علَيّ السلام، فقلت: أطعِمْني من فضل ما أنعم الله عليك. فقال: ـ يا شقيق، لم تزل نِعمُ الله علينا ظاهرةً وباطنة، فأحسِنْ ظنَّك بربّك. ثمّ ناولني الركوة، فشربتُ منها.. فإذا هو سَويق وسُكّر، فواللهِ ما شرِبتُ قطّ ألذَّ منه ولا أطيبَ ريحاً، فشبِعتُ ورُوِيت، وأقمت أيّاماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً.
 ثمّ لم أره.. حتّى دخلنا مكّة، فرأيته ليلاً إلى جانب قُبّة الميزاب في نصف الليل، قائماً يصلّي بخشوعٍ وأنينٍ وبكاء.. فلم يزل كذلك حتّى ذهب الليل، فلما رأى الفجر جلس في مصلاّه يُسبّح الله، ثمّ قام فصلّى الغداة، فطاف بالبيت أُسبوعاً ( أي سبع طوافات )، وخرج فَتَبعتُه.. فإذا له حاشية ومَوالٍ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق. ودارَ به الناسُ مِن حوله يسلّمون عليه، فقلتُ لبعض مَن رأيته بقربٍ منه: ـ مَن هذا الفتى ؟! فقال:ـ
 موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم. فقلت: قد عجبتُ أن تكون هذه العجائب إلاّ لمِثْل هذا السيّد!
 • وذكر ابنُ الأخضر وابن طلحة، عن الفضل بن الربيع أنّه أخبر عن أبيه أنّ المهديّ ( العبّاسي ) أبا عبد الله محمّدَ بن المنصور، لمّا حبس موسى بنَ جعفر رضي الله عنهما.. ففي بعض الليالي رأى المهديُّ في منامه عليَّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو يقول له: ـ
 يا محمّد « فهَل عَسَيتُم إنْ تَولّيتُم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقطّعوا أرحامَكم » ؟!(36) قال الربيع: فأرسل ( أي المهديّ ) إليّ ليلاً، فراعني وخفتُ مِن ذلك، وجئت إليه وإذا هو يقرأ هذه الآية.. فقال: علَيّ الآن بـ موسى بن جعفر. فجئتُه به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال له: يا أبا الحسن، رأيت أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب في النوم فقرأ علَيّ كذا..
 فتُؤمنني أن تخرج علَيّ أو على أحدٍ مِن ولْدي. فقال: واللهِ لافعلتُ ذلك، ولا هو مِن شأني. قال: صدقت، يا ربيع! أعطِه ثلاثة آلاف دينار ( وفي رواية ابن الأخضر: عشرة آلاف دينار ) ورُدَّه إلى أهله بالمدينة.قال الربيع: فأحكمتُ أمرَه ليلاً.. فما أصبح إلاّ وهو في الطريق..
• ورأيت في بعض الكتب: أنّ الرشيد سأل موسى بنَ جعفر رضي الله عنهما فقال: لِمَ قلتُم: إنّا ذريّة رسول الله، وجوّزتُم أن ينسبوكم إليه فيقولوا: يا بني رسول الله ؟! فأنتم بنو عليّ، وإنّما يُنسَب الرجل إلى أبيه دون جَدّه. فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: « ومَن ذُريّته داودَ وسليمانَ وأيّوبَ ويُوسُفَ وموسى وهارونَ، وكذلك نَجزي المحسنين
* وزكريّا ويَحيى وعيسى وإلْياسَ كلٌّ مِن الصالحين »(37) وليس لعيسى أب، وإنّما أُلحقَ بذريّة الأنبياء مِن قِبَل أُمّه، وكذلك أُلْحِقْنا بذريّة النبيّ صلّى الله عليه وآله مِن قِبل فاطمة ( رضي الله عنها ). وأَزيدك.. قال الله تعالى: « فمَن حاجَّك فيه مِن بعدِ ما جاءَك مِن العلمِ فقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسَنا وأنفسَكم »(38)، ولم يَدْعُ صلّى الله عليه وآله عند مباهلة النصارى غيرَ: عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ( رضي الله عنهم )، فكان الحسن والحسين هما الأبناء.
• ورُويَ عن إسحاق بن جعفر، قال: سألت أخي موسى بن جعفر ( رضي الله عنهما ) قلت: أصلحك الله، أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال: نعم. قلت: أيكون جباناً ؟ قال: نعم.
 قلت: أفيكون خائناً ؟ قال:
لا، ولا يكون كذّاباً. ومن كلماته الشريفة ـ مَن استوى يوماه، فهو مبغون. ـ مَن لم يعرف الزيادة في نفسه، فهو في النقصان.
 ـ وجدتُ علم الناس في أربع: أوّلها ـ أن تعرف ربّك .
والثانية ـ أن تعرف ما صنع بك.
والثالثة ـ أن تعرف ما أراد منك. والرابعة ـ أن تعرف ما يُخرجك مِن دينك.
 • وإنّه كان يقول في دعائه: ـ
عظُمَ الذَّنْبُ مِن عبدك، فَلْيَحسُنِ العفوُ مِن عندك. روى موسى بن جعفر رضي الله عنهما عن أبيه، وجماعة من الأعلام. وروى عنه أخوه إسحاق، وكثير من العلماء. وروى له: الترمذيّ، وابن ماجة. مات رضي الله عنه ببغداد في حبس الرشيد، يومَ الجمعة لخمسٍ خلون منه ( أي من رجب )..
 وكان عمره خمساً وخمسين سنة وأشهراً. وسبب حبسه أنّه لمّا حجّ الرشيد ودخل المدينة، توجّه إلى زيارة النبيّ صلّى الله عليه وآله ومعه الناس، فتقدّم إلى قبر رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابنَ عمّ. مُفتحِراً بذلك على غيره، فتقدّم موسى بن جعفر رضي الله عنهما وقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه. فتغيّر وجه الرشيد وتبيّن الغيظ فيه، فقبض على موسى رضي الله عنه وذهب به معه إلى بغداد وحبسه زماناً طويلاً..
 ثمّ أمر السنديَّ بن شاهَك حتّى سمّه، فوعك موسى رضي الله عنه ومات بعد ثلاثة أيّام.هذا هو المشهور،... وأمّا أولاده فعدّ ابنُ الأخضر عشرين ذكَراً وثماني عشرة أثنى.
 أمّا الذكور فـ: عليّ الرضا، وزيد، وعقيل، وهارون، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمان، وإسماعيل، وإسحاق، ويحيى، وأحمد، وأبو بكر، وعمر، وجعفر الأكبر، وجعفر الأصغر، وحمزة، والعبّاس، والقاسم.. ويقال موضع ( أي بدل ) عمر: محمّد. وأمّا الإناث فـ: خديجة، وعليّة، وأسماء الكبرى، وأسماء الصغرى، وفاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، وزينب الكبرى، وزينب الصغرى، وأمّ كلثوم الكبرى، وأمّ كلثوم الصغرى، وأمّ فروة، وأمّ عبد الله، وأمّ القاسم، وآمنة، وحكيمة، ومحمودة، وإمامة، وميمونة.
 ووافقه ( أي وافق ابنَ الأخضر ) ابنُ الخشّاب وابن طلحة ( الشافعيّ ) إذْ أنّهما ذكرا مكان أبي بكر: إبراهيم، ويُحتمَل أن يكون واحداً.. فإبراهيم اسمه وأبو بكر كنيته. وعدّ المفيد ثمانية عشر ذَكَراً وتسع عشرة أُنثى. فالذكور: عليّ الرضا، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وهارون، وسليمان، ومحمّد، وأحمد، والقاسم، والحسن، والحسين، وحمزة، والعبّاس، وجعفر، وزيد، وعقيل، وعبد الله، وعبيد الله. وأمّا الإناث فـ: فاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، ورقيّة الكبرى، ورقيّة الصغرى، وأمّ كلثوم الكبرى، وأمّ كلثوم الصغرى، وأمّ سلمة، وأمّ أبيها، وحكيمة، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعليّة وآمنة، وحسنة، وبريهة، وعائشة، وميمونة.
وعدّ صاحب ( فصل الخطاب ) اثنينِ وعشرين ولداً ذكراً: عليّ الرضا، وإبراهيم، والعبّاس، وإسماعيل، ومحمّد، وعبد الله، وعبيد الله، وجعفر، وحمزة، وزيد، وهارون، وإسحاق، والحسن، وسليمان، وعبد الرحمن، والفضل، وأحمد، وعقيل، والقاسم، ويحيى ـ والعقب مِن وُلْده في الأربعة عشر الذين عدّهم أوّلاً.
 ولكلّ واحدٍ مِن ولْد موسى بن جعفر فضلٌ ومنقبةٌ، وأفضلهم عليّ الرضا.. ومن هنا يمضي البدخشيّ في الكتابة عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام.. ويستمرّ إلى آخر كتابه ( مفتاح النجاء في مناقب آل العباء ) الذي وجدنا من خلاله أنّ مؤلّفه ـ وهو سنّيّ المذهب ـ يقرّ بفضائل أهل البيت عليهم السّلام جميعهم، بل يكاد يُفصِح عن تفضيلهم على مَن سواهم؛ لِما ورد فيهم ما لم يرد في غيرهم. ثمّ وجدناه يتسلسل في ذكْر أئمّة الهدى أوصياء رسول الله صلّى الله عليه وآله على الترتيب الذي رتّبهمُ الله فيه، وعدّهم عليه النبيّ صلّى الله عليه وآله في رواياتٍ عديدة نقلها العامة والخاصّة كما في: ( ينابيع المودّة ) للشيخ القندوزيّ الحنفيّ، و ( كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب ) للحافظ محمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ، و ( فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمّة عليهم السّلام ) للحافظ إبراهيم بن محمّد الجوينيّ الشافعيّ.. ثمّ لا يتحرّج المؤلّف البدخشيّ، وفي مواضع مهمّة وحسّاسة، أن يذكر الحقائق الخطيرة من النصّ على إمامة الأئمة عليهم السّلام ووجوب تولّيهم، وبيان شهادتهم على يد الطغاة. والحمد لله ربّ العالمين.
 المراجع :
 1 ـ سورة آل عمران:61.
 2 ـ سورة الشورى:23.
 3 ـ سورة الأحزاب:33.
 4 ـ سورة الرحمان:19.
 5 ـ سورة الرحمان:20.
 6 ـ سورة الرحمان:22.
 7 ـ سورة النور:36.
 8 ـ وهي إناء صغير يُشرَب فيه الماء، أو دَلْوٌ صغير.
 9 ـ سورة محمّد صلّى الله عليه وآله:22.
 10 ـ سورة الأنعام:84 ، 85.
 11 ـ سورة آل عمران:61.