|
الكتاب: الأئمّة الاثنا عَشَر ـ
أو الشَّذَراتُ الذَّهَبيّة في تراجمِ الأئمّة الاثنَي عَشَريّة عند الإماميّة المؤلّف:شمس الدين محمّد بن طولـون ( 880 ـ 953 هـ / 1546م ) تعريف وُلد ابن طولون في مدينة الصالحيّة القائمة على سفوح جبل قاسيون المُطلّة على دمشق، وكانت مركزاً علميّاً للحنابلة والمحدّثين. بدأ بتعلّم الخطّ في مكتب المدرسة الحاجبيّة ( إحدى مدارس الحنفيّة )، ثمّ انثني يحفظ القرآن في مكتب مسجد العساكرة، ومنه انطلق نحو العلوم المعروفة في عصره فقرأها على كبار شيوخ دمشق بذاكرة قويّة، وقد انصرف إلى الفقه الحنفيّ مذهبِ آبائه، فحفظ ودرس عدداً من كتب الفقه والحديث والقراءات، كما قرأ صحاح :
البخاريّ ومسلم والنسائيّ وابن ماجة وأبي داود والترمذيّ، إضافةً إلى مسند الشافعيّ وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والدارميّ ومُوطّأ مالك.. وكتب أصول الفقه والفرائض والنحو والبلاغة والتاريخ وبعض العلوم الطبيّة والطبيعيّة والفلكيّة. أمّا مؤلّفات ابن طولون، فهي كثيرة عدّها البعض بالمئات بحساب الفصول أو الكراريس، وكانت في شؤون التاريخ وتراجم الرجال..
وأفضلها هذا الكتاب الذي تعرّضنا لمراجعته، وهو: الشذرات الذهبية في تراجم الأئمّة ألاثني عشر عند الإماميّة ـ هكذا كما ثبّته المؤلّف بخطّه في ترجمته الذاتيّة ( الفُلْك المشحون )، وهو ـ كما يقول محقّق الكتاب: الدكتور صلاح الدين المنجّد ـ شذراتٌ مُنتقاة في تراجم الأئمّة الاثني عشر الذين تسلّلتْ فيهم الإمامة، ويعتقد الشيعةُ عصمتهم. ثمّ يضيف المنجّد ضمن بيانه لسبب التأليف: ويبدو أنّ الذي دفَعَ ابنَ طولون إلى تأليف كتابه هذا، هو حبُّه آلَ البيت.
وقد افتتح كتابه بقصيدةٍ في فضائلهم، واختتمه بأحاديث اتّصل فيها سنده بهؤلاء الأئمّة الكرام.
وكنّا رأينا في التآليف التاريخيّة التي سردناها، أنّ ابن طولون ألّف كتباً أُخرى عن آل البيت، منها: هطلُ العين في مقتل الحسين، والمُهدي إلى أخبار المَهدي.
ونبقى مع المنجّد ـ أيّها الإخوة ـ ليعطيَنا فكرة عن كتاب ( الشذرات الذهبيّة ) حيث نقرأ له في مقدمته للكتاب: سلك ابن طولون في تأليفه هذا طريقة الجمع، فجمَعَ شذراته من تواليفِ الذين سبقوه، ولم يتوسّع بها، بل آثر الإيجاز.
وذكر أحياناً أسماء المصادر التي أخذ عنها، فمِمّا ذكره: طبقات ابن سعد، تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، تهذيب الأسماء واللغات للنوويّ، مروج الذهب للمسعوديّ، المعارف لابن قتيبة، المصايد والمطارد لكشاجَم، ربيع الأبرار للمزمخشريّ، الكامل في الأدب للمبرّد، صحاح: مسلم والبخاريّ والترمذي.. وتبدو قيمة الكتاب مِن جهات مختلفة ـ والكلام ما زال للمنجّد: فهو أثر من آثار هذا المؤرّخ الدمشقيّ الذي نسعى أن تُنشرَ جميع مؤلّفاته. وهو يتناول موضوعاً لا نجد كثيرين من علماء أهل السنّة ألّفوا فيه وأفردوا له كتباً خاصة(1)، مع كبير شأن هذا الموضوع. وهو ( أي الكتاب ) جامع أخبار الأئمّة ألاثني عشر الذين يُكرّمهم ويُعظّمهم أهل السنّة لأنّهم مِن آل البيت، ويعتقد الإماميّة بعصمتهم ويأخذون عنهم، ويقتدون بهم. وقد ساق ابنُ طولون تراجمهم، وأبانَ عن شأنهم وفضلهم، فكان في تراجمه المصنِّفُ المكرِّم.
عند الباب بعد البسملة والصلاة والحمد.. يعرّف ابن طولون بكتابه، فيقول:
وبعد، فهذا تعليق سمّيتُه « الشذرات الذهبيّة في تراجم الأئمّة الاثني عشر عند الإماميّة »
وقد أشار إليهم ـ في ضمن قصيدة ـ أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصكفيّ(2) فقال..
وهنا يُورد لهذا الأديب قصيدة مطوّلة اخترنا منها هذه الأبيات:
أسـألُ عـن قلبي وعن أحبابهِ *** ومـنهـمُ كـلُّ مُـقرٍّ يَـجحَدُ.
وهـل تُجيـب أعـظُمٌ بـاليةٌ *** وأرسمٌ خـاليـةٌ مـا يُنشـَدُ ؟!.
تقاسَمُوا يـومَ الـوَداعِ كـبِدي*** فليس لـي مـنـذُ تَولَّوا كَبـِدُ.
على الجفون رحلوا، وفي الحشا *** تـقلّبوا، ومـاءَ عيـني وردوا.
وأدُمـعـي مسفوحة، وكبِدي *** مـقروحـةٌ، وغُلّتـي لا تَبردُ.
وعَبرتـي وافيةٌ، ومُقـلـتـي *** داميـةٌ، ونومُـهـا مُـشـرَّدُ.
أيقنـتُ لمّا أن حدا الحادي بهم *** ـ ولـم أمت ـ أنّ فؤادي جَلْمَدُ.
كنـتُ على القُربِ كئيباً مُغْرَماً *** صَـبّاً، فما ظنُّك بي إذْ بَعُدوا ؟!.
هـمُ الحـياةُ أغربوا أم أشأموا *** أم أتْهَموا أم أيمنوا أو أنجدوا(3).
لِيَهْنِـهـم طِيـبُ الكَرى؛ فإنّه *** حظُّهُـمُ، وحـظُّ عـيني السَّهَدُ.
همُ تولَّوا بـالفـؤادِ والكرى *** فأين صبري بَعـدَهم والجَلَدُ ؟!.
لولا الضَّنا جـحدتُ وَجْدي بهِمُ *** لـكنْ نحولـي بالغـرامِ يَشهدُ.
هيهاتَ.. مَـمزوجٌ بلحمي ودمي *** حـبُّهمُ.. وهْـوَ الهدى والرَّشَدُ.
حـيـدرةٌ والحـسنـانِ بَـعدَه *** ثمّ عليٌّ وابــنُه مـحمّـدُ(4).
وجعفرُ الصـادقُ وابـن جـعفرٍ *** مـوسى، ويـتلوهُ عـليُّ السيّدُ.
أعني الرضـا، ثمّ ابنُه محمّدُ(5) *** ثمّ عليٌّ(6)، وابـنُـه المُسَدَّدُ.
الـحسنُ التـالـي ويَتـلو تِلْوَهُ *** محمّدُ بن الحسن المـعتَقَدُ(7).
قــومٌ هـمُ أئمّـتي وسـادتي ***وإن لَحاني معشرٌ وفنّـدوا.
أئمّـة.. أكرِمْ بــهـم أئـمّةً *** أسماؤُهم مَسْـرودةٌ لا تُـطرَدُ.
هُـم حُجـج الله عـلـى عـبادهِ*** وهم إليـه مـنهجٌ ومقصدُ.
هـمُ النـهـارَ صُـوَّمٌ لـربِّـهم *** وفي الديـاجـي رُكّعٌ وسُجَّدُ.
قومٌ أتى في « هَلْ أتى » مديحُهــم *** هل شكَّ في ذلك إلاّ مُلحِدُ ؟!.
قومٌ لـهم فـي كـلِّ أرضٍ مَشـهَدٌ*** لا بل لهم في كلِّ قلبٍ مَشهدُ.
قومٌ.. مِنـى والمَشْعـرانِ لـهـمُ*** والـمَرْوتـانِ لهمُ والمسجدُ.
قـومٌ لـهم مكّةُ والأبطحُ والخَيْفُ *** وجَـمعٌ والـبقيعُ الغرقَدُ.
قومٌ لهـم فضلٌ، ومـجدٌ بـاذِخٌ *** يَعرفُه الـمُشرِكُ والـمُوحِّدُ.
ومَن يَخُنْ « أحمدَ » فـي أولادِهِ *** فخصمُه يـومَ التلاقي « أحمدُ ».
يا أهلَ بيت المصطفـى، يا عُدّتي *** ومَـن عـلـى حُبِّـهمُ أعتـمدُ.
أنتم إلى اللهِ غـداً وسـيـلتي *** فكيف أشقى وبكُـم أعـتضِدُ ؟!
وليُّكُم ـ في الخُلْدِ ـ حيٌّ خالدٌ *** والضـدُّ في نـارِ اللَّظى مُخلَّدُ.
وبهذه القصيدة لهذا العالِم السنّيّ ( الحصكفيّ ) ـ نسبةً إلى حصن كيفا(8)..
يختم شمس الدين محمّد بن طولون مقدّمة كتابه، ليفتتح أبواب تراجم الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام(9).
فضائل أهل البيت عليهم السّلام في ( الشذرات الذهبيّة) ذكَرَها ابن طولون على نحوٍ من الإجمال في إشاراتٍ سريعة، لم يفصّل ولم يفصّل، وفي الوقت ذاته ذكر أموراً مهمّة ونافعة، وبعضها كان جديراً بمزيد الاهتمام.
ونحن هنا نلتقط من شذراته الذهبيّة نظرات من أوّل الكتاب إلى آخره، متسلسلين مع أبوابه ألاثني عشر، وقد أُعِدّ لاثني عشر إماماً عرّفهم ابنُ طولون في عنوان كتابه أنّهم أئمّة الإماميّة، ثمّ أحبّ هو أن يتعرّف عليهم من خلال المصادر السُّنيّة التي يثق بها ويُصحّحها ـ أي يجدها صحيحة ـ، ثمّ أحبّ أن يُعرّف بهم من خلال ما كتب.
عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ( ت 40 هـ / 660 م) أوّلهم ( أي أوّل الأئمّة عليهم السّلام ) حيدرة.. وهو: أخو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمؤاخاة، وصِهرُه على فاطمة سيّدةِ نساء العالمين رضيَ الله عنها، وأبو السِّبطَين، وأوّلُ هاشميٍّ وَلَدَ ابنَينِ هاشميَّين، وأوّل خليفة مِن بني هاشم...
وأحدُ العلماء الربّانيّين، والشجعان المشهورين، والزهّاد المذكورين.
وأحد السابقين إلى الإسلام.. وممّن قال بأنّ عليّاً أوّلُهم إسلاماً: ابن عبّاس، وأنَسُ بن مالك، وزيد بن أرقم ( رواه الترمذيّ، ورواه الطبرانيّ عن سلمان الفارسي )، وحُكيَ مِثْلُه عن: أبي ذرّ، والمِقداد، وحِبّان، وجابر الأنصاريّ، وأبي سعيد الخُدْريّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.
قالوا: أسلَمَ وهو ابن عشر سنين. وهاجر عليٌّ رضي الله عنه إلى المدينة، واستخلفه النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين هاجر مِن مكّة إلى المدينة؛ أن يُقيمَ بعدَه بمكّة أيّاماً حتّى يُؤدّيَ عنه أمانتَه والودائع والوصايا التي كانت عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ يلحقه بأهله، ففعل ذلك.
وشهد مع النبيّ صلّى الله عليه وآله: بدراً، وأحُداً، والخندق، وبيعةَ الرضوان، وخيبر، والفتح، وحُنَيناً، والطائف.. وسائرَ المشاهد إلاّ تبوك؛ فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله استخلفه على المدينة. وله في جميع المشاهد آثارٌ محمودةٌ مشهودة. |