|
الكتاب:
"مطالب السَّؤول في مناقبِ آل الرسول "
المؤلّف: الشيخ كمال الدين أبو سالم محمّد بن طلحة القَرَشيّ الشافعيّ (
582 ـ 652هـ .
تعريف :
وُلد الكاتب ابن طلحة الشافعيّ بالعَمْريّة ( نصيبين ) بالشام،
وأخذ الحديث من شيوخ العراق، ثمّ رجل إلى نيشابور في إيران وسمع بها، وحدّث
بحلب ودمشق، وكان مؤرّخاً وأديباً، وقد ترجم له مؤلّفو السِّير والرجال في
معاجمهم:
قال اليافعيّ:
كان رئيساً محتشماً بارعاً في الفقه والخلاف، وَليَ الوزارة
مرّةً ثمّ زَهِد وجمع نفسه.
وقال: الأسنَويّ:
كان إماماً بارعاً في الفقه
والخلاف، عارفاً بالأصلَين [ بالعقائد والفقه ]، ترسّل عن الملوك، وأقام
بدمشق بالمدرسة الأمينيّة، وأجلسه الملك الناصر صاحب دمشق لوزارته وكتب
تقليده بذلك، وتَنصّل منه واعتذر.. تفقّه وشارك في العلوم، وسمع الحديث
وحدّث ببلادٍ كثيرة منذ سنة 648 هجريّة.
وقال السُّبكيّ:
الشيخ كمال الدين القرشيّ العَدَويّ النَّصيبينيّ.. تفقّه
وبرع في المذهب، وكان من صدور الناس، ووليَ الوزارة بدمشق يومين وتركها.
وقال العكّي:
محمّد بن طلحة القرشيّ... كان أحدَ العلماء المشهورين. وقد
روى عن ابن طلحة الشافعيّ جمعٌ من المحدّثين، منهم:
ـ الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يوسف الكنجيّ الشافعيّ، المقتول في جامع
دمشق سنة 658 هجريّة، وقد عبّر عنه في كتابه ( كفاية الطالب في مناقب عليّ
بن أبي طالب ص 231 ) بـ:
شيخنا حجّة الإسلام، شافعيّ الزمان.. ـ والمحدّث محمّد بن رستم معتمد خان
البَدخشانيّ الحارثيّ ـ من أعلام السُّنّة في الهند خلال القرنين 11 و 12
الهجريَّين ـ وقد عبرّ عنه في كتابه ( مفتاح النَّجاء في مناقب آل العباء )
بـ:
الشيخ العالِم ـ ومحمّد بن محبوب، روى عنه في كتابه ( تفسير شاهي.
| •
ولمحمّد بن طلحة الشافعيّ تآليف، منها كتابه الشهير ( مطالب السَّؤول في
مناقب آل الرسول )، وهو من مخطوطات مكتبة الإمام الرضا عليه السّلام في
مدينة مشهد المقدّسة، وقد طُبع بعد لأْيٍ وطول مدّة.
* * *
أهل البيت عليهم السّلام في "مطالب السَّؤول" يشرع الشيخ محمّد بن طلحة
الشافعيّ القَرشيّ في مستهلّ كتابه بهذه الخطبة التي يقول فيها: الحمد لله
الذي حلّى الصفوةَ الطاهرة مِن آل نبيّه المصطفى بأصفى المناقب، وأحَلَّهم
مِن ذُرى شرفِ العُلى وشرفِ الهدى في أعلى المعارج وأسمى المراتب، وأصفاهم
من صفات التطهير والتقديس في العاجلة والآجلة بأسنى النفايح والمواهب،
وأزلَفَهُم إلى مقام القُرب منه بمناجاتهم إيّاه في لوافح الهواجر ودياجي
الغياهب، وجعلهم أئمّةَ حقٍّ وصِدقٍ يَهدُون بأمره إلى آتّباع أقوَمِ
الطرائق وأهدى المذاهب.
وقرَنَ الصلاةَ عليهم بالصلاة على النبيّ في الصلاة وإنّها لَمِن أشرف
الرغائب، وخصّهم مِن مزايا السجايا بما نَقَله الرواة الثِّقات في مباهلة
السيّد والعاقِب، فمودّتهم في هذه الحياة الدنيا معدودةٌ في أقسام الفروض
اللوازم والأحكام اللّوازب، ومولاتُهم يوم يقوم الناسُ لربّ العالمين
جُنّةٌ مُنّجيه من أوصاب العذاب الواصب..
إلى أن يقول: فأحسَنُ ما نظمَتْه أقلام الأفهام مِن أقسام الكلام، في حسنات
المستحسنات وحملة بطون أوراق الأيّام، مِن نُطَف مياه الأقلام، مِن سلالة
الباقيات الصالحات، وحرّرَتْه فَذْلكةُ جرائد الحاسِبين، لتكميل مَراشد
الطالبين، مِن سجايا النفوس الزاكيات، وسطّرتْه أيدي كرامِ الكاتبين لمَن
نَصبَ نفسَه للقيام به في صحائف الحسنات، وأعدّه ذخيرةً يجدها إذا نُفخ في
الصُّوْر فصَعِق مَن في الأرض والسماوات.. تأليفُ آلاءِ آلِ المصطفى أئمّةِ
الهدى، أهلِ الميامنِ والنُّهى، ذوي الآياتِ والبيّنات، وتصنيفُ مناقبِ
صفاتهم، وتعريف مراتبِ طاعاتهم، وتوظيف مذاهب عباداتهم، في الأعمال
والنيّات، فشرفُهم باذخ، وقَدَم قِدَمِهم راسخ، فَهُم على الحقيقة قَرابات
السادات، وسادات القَرابات، وهمُ العروة الوثقى، ومُحبُّهم لا يَضلّ ولا
يَشقى، وسينال باقتفائهم أقربَ القُربات، ولهمُ الفضائل الناطقة، والمنازل
السامقة، وكيف لا.. وقد رَفَع قَدْرَهم رافعُ الدرجات، فمناقبُهم أبداً
تُتلى، ومحاسنهم على الأبد تَتجلّى، ومودّتهم مُنْزَلةٌ في السُّور
والآيات..
المقدّمة : يمضي ابن طلحة الشافعيّ في تبيان عقائده في آل المصطفى صلّى
الله عليه وعليهم، وتمجيدهم بما أُوتيَ من أدبٍ وبيان.. إلى أن يشرع في
التعريف بما سيتضمّنه كتابه ( مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول )،
قائلاً: إعلم أنّ المقصد المطلوب والمطلبَ المقصود في هذا الكتاب بحصره:
مقدّمة وأبواب.
أمّا المقدّمة
ـ فهي من قواعد المقاصد وأركانِها، فلهذا تعيَّن تعديمُ كشفِها وبيانها،
وفيها قسمان:
القسم الأوّل ـ في شرحِ ألفاظٍ وُصِفوا بها.
القسم الثاني ـ في إيضاحِ معانٍ خُصُّوا بموجَبِها.
في شرح الألفاظ، قد اشتهر وذاع، وقرَعَ الأسماع، وعمّ العظماءَ والرَّعاعَ،
استعمالُ أربعةِ ألفاظ يُوصَفون بها وتُطلَق عليهم السّلام:
اللفظة الأولى:آل الرسول.
الثانية: أهل البيت. الثالثة العِترة.
الرابعة: ذَوو القُربى. فهذه أربعة ألفاظ يتعلّق بكلّ واحدٍ منها مطالبُ
شتّى، ويُناط به شرفٌ عَلِيّ.
وكلُّ كلمةٍ ـ وإن كانت جليّة ( أي واضحة ) ـ ففيها معنىً خفيّ. وهذا القسم
معقودٌ لكشف معانيها، وتفصيل ما قيل فيها.
وهنا ينطلق الشيخ محمّد بن طلحة الشافعيّ في إثبات أنّ هذه الألفاظ
الأربعة مختصّة بآل رسول الله صلّى الله عليه وآله دون غيرهم، مستدلاًّ على
ذلك بآياتٍ وتفاسيرها، ورواياتٍ ومقاصدها، وإقرارات من العلماء والمحدّثين،
ومؤكّداً من خلال المعاني اللغوية والاصطلاحيّة أنّ آل النبيّ صلّى الله
عليه وعليهم هم المخصوصون دون قرابة رسول الله صلّى الله عليه واله بما نزل
فيهم من الآيات المكرِّمة، وبما صدر عنهم من الأحاديث المشرِّفة. فيقول ابن
طلحة الشافعيّ في اللفظة الثالثة " العترة ":
قيل: هي العشيرة، وقيل: العشيرة هم الذريّة.. وقد وُجِد الأمران فيهم عليهم
السّلام؛ فإنّهم عشيرته وذريّته: أمّا العشيرة فالأهلُ الأدنَون، وهم عليهم
السّلام كذلك.
وأمّا الذريّة فإنّ أولادَ بنتِ الرجل ذريّتُه؛ ويدلّ عليه قولُ الله
تعالى عن إبراهيم عليه السّلام « ومِن ذُرّيّتهِ داودَ وسُليمانَ وأيّوبَ
ويُوسُفَ وموسى وهارونَ، وكذلك نَجزي المُحسنين
* وزكريّا ويَحيى وعِيسى وإلياسَ كلٌّ مِن الصالحين »فجعَلَ اللهُ تعالى
هؤلاء المذكورين عليهم السّلام مِن ذريّة إبراهيم.. ومِن جملتهم عيسى عليه
السّلام، ولم يتّصل بإبراهيم عليه السّلام إلاّ مِن جهة أُمّه مريم...
فالعترة الطاهرة هم ذريّته صلّى الله عليه وآله وأبناؤه وعشيرته؛ فقد
اجتمعت فيهم المعاني بأسْرِها.
أمّا اللفظة الرابعة:
وهي ذوو القربى، فمستنَدُه ما رواه الواحديّ في
تفسيره يرفعه إلى ابن عباس قال: لمّا أنزل الله تعالى بمودّتهم ( أي قولَه
عزّ مِن قائل «
قُلْ لا أسألُكم عليهِ مِن أجرٍ إلاّ المودّةَ في القُربى
» سورة الشورى:23 ) قال صلّى الله عليه وآله: عليٌّ وفاطمة وابناها.
الإمامة الثابتة :
ثمّ انتقل ابن طلحة إلى القسم الثاني من مقدّمته ـ وهي
في شرح المعاني التي ذُكِر اختصاصهم عليهم السّلام بها، فقال: وهي الإمامة
الثابتة لكلّ واحدٍ منهم، فإنّه حصل ذلك لكلّ واحد ممّن قَبْله، فحصلت
للحسن التقيّ من أبيه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وحصلت بعده لأخيه
الحسين الزكيّ، وحصلت بعد الحسين لابنه عليّ زين العابدين منه، وحصل بعد
زين العابدين لولده محمّد الباقر منه، وحصلت بعد الباقر لولده جعفر الصادق
منه، وحصلت بعد الصادق لولده موسى الكاظم منه، وحصلت بعد الكاظم لولده عليّ
الرضا منه، وحصلت بعد الرضا لولده محمّد القانع منه، وحصلت بعد القانع ( من
ألقاب الإمام الجواد عليه السّلام ) لولده عليّ المتوكّل منه، وحصلت بعد
المتوكِّل ( مِن ألقاب الإمام الهادي عليه السّلام ) لولده الحسن الخالص (
أي العسكريّ عليه السّلام ) منه، وحصل بعد الخالص لولده محمّد الحجّة
المهديّ منه.
وهنا لابدّ ـ أيُّها الإخوة ـ من الإشارة إلى أنّ المؤلّف ( كمال الدين
محمّد بن طلحة الشافعيّ ) يعتقد أنّ الإمام المهديّ عليه السّلام مولود وقد
انتقلت إليه الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام الحسن العسكريّ سلام الله عليه
لأنّه عبّر عن ذلك بعبارته الواضحة: ( وحصلت بعد الخالص لولده محمّد الحجّة
المهديّ منه ).
فاستعمل الفعل على صيغة الماضي ( حَصَلَتْ ).. ثمّ قال:أمّا ثبوتها [ أي
الإمامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ] فمستقصاةٌ على
أكمل الوجوه في كتب الأصول، فلا حاجة إلى بسط القول فيها في هذا الكتاب.
وأمّا كون عدد الأئمّة منحصراً في هذا العدد المخصوص ـ وهو اثنا عشر ـ فقد
قال العلماء فيه.. وبعد صفحات قليلة يبدأ الشيخ محمّد بن طلحة الشافعيّ
بفضائل الصدّيقة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها ومناقبها ومنازلها على
قسمين:
الأوّل ـ ما انفردَتْ به من المزايا والخصائص، والثاني ـ ما اشتركت به مع
زوجها أمير المؤمنين وأولاده الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين.
فيدوّن في ذلك اثنتي عشرة صفحة، بعدها يكتب: وحيث بلغ القلم مُرادَه من
المقاصد الواضحة، في قواعد المقدّمة والفاتحة، أُردف ذلك بإثبات الأبواب
الشارحة، والفصول المشتملة على تلك المزايا الشريفة والسجايا الصالحة، وهي
اثنا عشر باباً، لكلّ إمامٍ بابٌ يخصّه: لعليٍّ المرتضى عليه السّلام للحسن
النقيّ عليه السّلام للحسين الزكيّ عليه لسلام لعليٍّ زين العابدين عليه
السّلام لمحمّدٍ الباقر عليه السّلام لجعفر الصادق عليه السّلام لموسى
الكاظم عليه السّلام لعليّ الرضا عليه السّلام لمحمّد القانع عليه السّلام
"الجواد" لعليّ المتوكّل(الهادي) عليه السّلام للحسن الخالص عليه السّلام
لمحمّد الحجّة عليه السّلام.
ثمّ يبدأ بهم سلام الله عليهم من جَدّهم فيقول: في أمير المؤمنين عليه
السّلام ـ وهو مشتمل على اثني عشر فصلاً:
1. في ولادته
2. في نسبه أباً وأمّاً
3. في اسمه وكُنيته
4. في صفته
5. في محبّة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله ومؤاخاة الرسول
إيّاه
6. في علمه وفضله
7. في عبادته وزهده وورعه
8. في شجاعته وجهاده وموافقته
9. في كرامته
10. في فصاحته وجُمَلٍ من كلامه
11. في أولاده
12. في مبلغ عمره ووفاته ومقتله.
الفضائل :
ويصول ابن طلحة الشافعيّ ويجول في ميدان المناقب، آخِذاً من
صحاح السنّة وغيرها من مصادر علمائهم، بما لا يَدَع لذي عُذرٍ عذراً، أو
لذي شكٍّ شكّاً، أنّ الإمام عليّاً عليه السّلام هو الأفضل وهو الأوّل، وهو
المقدَّم على غيره في كلّ ميدان من ميادين الكرامة والشرف والأخلاق
والمزايا السامقة، وأنّه الإمام بحقّ بنصوصٍ مستفيضة من رسول الله صلّى
الله عليه وآله بأمرٍ من الله جلّت عظمته.
وفضلاً عن ذلك فقد شهد له كلّ مَن تكلّم أو كتب أنّه كان المتفوّق على
غيره تفوّقاً عظيماً في الفضائل والخصال الطيّبة والمواقف العصيبة، ما شهد
له القرآن الكريم بآيات وفيرة، وشهدت الأحاديث الشريفة بنصوص غزيرة، اتّفق
عليها المسلمون وسجّلوها في عيون كتبهم الحديثيّة مقرّين بها ـ على الرغم
من اختلافهم في غيره عليه السّلام.
ولا ينتهي الشافعيّ محمّد بن طلحة من حياة الإمام عليّ عليه السّلام حتى
يدوّن ما يقرب من 140 صفحة من كتابه هذا ( مطالب السَّؤول ) في فضله عليه
السّلام، عندها ينتقل إلى حياة الإمام الحسن بن عليّ عليه السّلام فيفتح
اثني عشر فصلاً حوله
ـ من ولادته إلى شهادته ـ حتّى يستغرق في صفحات عديدة، لينتقل بعد ذلك إلى
أخيه الإمام الحسين بن عليّ عليه السّلام فيعقد حوله اثني عشر فصلاً كذلك،
ثمّ يقف على الفصل الأخير فيفصّل في ذلك المقتل الفجيع لسيّد الشهداء صلوات
الله عليه، وقد ضمّنه ما قيل من شعر ورَجَز، فيقف أخيراً متأسفاً أنّه لم
يستطع أن يواصل التفصيل فيكتب في آخر حياة الإمام الحسين عليه السّلام:
ولمّا وصل القلم في ميدان البيان إلى هذا المقام، أبدَتِ الأيّام من الآلام
ما منَعَ مِن إتمام المَرام على أتمِّ الأقسام، ولم يَرَ خَرْم نظام
الكلام، دون موقف الاختتام، فأختصرُ مضمون الأبواب، وأقتصر منه على اللباب،
وأقصّر مِن أطناب الإطناب، وأقصر أسباب الإسهاب.. فجاء محصول فصوله
ملخَّصاً من معانيه، ومدلول أصوله ملخّصاً من تطويل مبانيه؛ اقتصاداً
يُستغنى بمحصَّله عن النهاية فيه، وإرشاداً يكفينا بمختصره عن بسيطه
وحاويه.
ثمّ يأخذ ابن طلحة الشافعيّ في حياة الإمام أبي الحسن عليّ بن الحسين زين
العابدين عليه السّلام.. وهكذا يتسلسل مع أئمّة البيت النبويّ الشريف
واحداً بعد واحدٍ إلى آخرهم وهو الإمام المهديّ المنتظَر عجّل الله تعالى
فَرَجَه.
وحين انتهى من حياة الإمام جعفر الصادق عليه السّلام كان آخر ما كتبه:
وقبره بالمدينة بالبقيع، وهو
القبر الذي فيه:
أبوه الباقر، وجدّه زين
العابدين، وعمّ جدّه الحسن بن عليّ عليهم السّلام.
فللّهِ دَرُّه من قبرٍ ما أكرمَه وأشرفه وأعلى قَدْرَه عند الله تعالى!
بعد ذاك ينتقل إلى حياة الإمام موسى الكاظم عليه السّلام، فيكتب:
* * *
الإمام الكاظم عليه السّلام في كتاب" مطالب السَّؤول " الباب السابع ـ في
أبي الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليٍّ زين
العابدين بن الحسين بن عليٍّ عليهم السّلام.
ومن هنا نمضي مع الشيخ كمال الدين محمّد بن طلحة النصيبينيّ القَرَشيّ
الشافعيّ وهو يكتب آراءه حول الإمام موسى الكاظم عليه السّلام من ولادته
إلى شهادته.. حيث يقول معرّفاً في أوّل هذا الفصل من كتابه ( مطالب
السَّؤول في مناقب آل الرسول ):
هو الإمام الكبيرُ القَدْر، العظيم الشأن، الكثيرُ التهجّد، الجادُّ في
الاجتهاد، المشهودُ له بالكرامات، المشهورُ بالعبادة المواظبُ على الطاعات.
كان يبيت الليلَ ساجداً وقائما، ويقطع النهارَ متصدّقاً وصائما، ولفَرْط
حِلمِه وتجاوزه عن المعتدين عليه دُعِيَ ـ كاظماً ـ .
كان يُجازي المسيءَ إليه بإحسانه، ويقابل الجاني عليه بعفوه عنه. ولكثرة
عبادته كان يُسمّى « العبد الصالح »، ويُعرَف في العراق بـ « باب الحوائج
إلى الله »؛ لنُجْح مطالب المتوسّلين إلى الله به. كراماتُه تَحارُ منها
العقول، وتُقضى له عند الله تعالى قَدَمُ صِدْق لن تزول. أمّا ولادته.. فبـ
« أبواء » سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ من الهجرة، وقيل: سنة تسعٍ وعشرين ومائة.
وأمّا نَسَبه أباً وأُمّاً.. فأبوه جعفر الصادق بن محمّد الباقر عليهما
السّلام.
وأمُّه أمّ وَلَد تُسمّى « حميدة » البربريّة، وقيل غير ذلك. وأمّا اسمه..
فـ موسى.
وكُنيته.. أبو الحسن، وقد قيل: أبو إسماعيل. وكان له ألقاب كثيرة.. «
الكاظم » وهو أشهرها، والصابر، والصالح، والأمين.
وأمّا مناقبه.. فكثيرة، ولو لم يكن منها إلاّ العناية الربّانيّة لكفاه ذلك
منقبةً.
• وقد نُقل عن الفضل بن الربيع، أخبر عن أبيه أنّ المهديّ ( العبّاسيّ )
لمّا حبس موسى بن جعفر عليه السّلام، ففي بعض الليالي رأى المهديُّ في
منامه عليَّ بن أبي طالب عليه السّلام وهو يقول: يا محمّد، « فهَلَ
عَسَيتُم إنْ تَولّيتُم أنْ تُفسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامَكُم » ؟!
قال الربيع: فأرسَلَ ( المهديُّ ) إليّ فراعَني وخِفتُ من ذلك، وجئت إليه
وإذا هو يقرأ هذه الآية.. فقال:
علَيّ بموسى بن جعفر. فجئتُه به، فعانَقَه وأجلَسَه إلى جانبه وقال: يا
أبا الحسن، رأيتُ أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب في النوم يقرأ علَيّ
كذا.
فتُؤمنني أن تخرج علَيّ أو على أحدٍ من وُلْدي. فقال: واللهِ لا فعلتُ ذلك
ولا هو من شأني. قال: صدقتَ، يا ربيع أعطِه ثلاثة آلاف دينارٍ ورُدَّه إلى
أهله إلى المدينة.
قال الربيع:
فأحكمتُ أمرَه ليلاً، فما أصبح إلاّ وهو في الطريق. وقال خشنام
بن حاتِم الأصمّ: قال لي أبي ( حاتم ): قال لي شقيق البلخيّ: خرجتُ حاجّاً
في سنة تسعٍ وأربعين ومائة، فنزلتُ القادسيّة وأنا أنظر إلى الناس في
رهبتهم وكثرتهم.. فنظرتُ إلى فتىً حسَنِ الوجه شديدِ السُّمرة ضعيف، فوق
ثيابه ثوبٌ من صوف مشتملٍ بشَملة، في رِجلَيه نَعلانِ، وقد جلس منفرداً.
فقلتُ في نفسي:ـ
هذا الفتى من الصوفيّة يريد أن يكو كَلاًّ على الناس في طريقه! واللهِ
لأمضينّ إليه ولأفضحنّه! قال: فدَنَوتُ منه.. فلمّا رآني مُقْبِلاً قال يا
شقيق! اجتَنِبوا كثيراً مِن الظنِّ، إنَّ بعضَ الظنِّ إثم.
ثمّ تركني ومضى.. فقلت في نفسي: إنّ هذا الأمر عظيم!! قد تكلّم بما في
نفسي، ونطق باسمي! وما هذا إلاّ عبدٌ صالح، لألحقنّه ولأسألنّه أن
يُحلّلني. فأسرعتُ في أثره فلم ألحقه وغاب عن عيني.. فلمّا نزلنا « واقصة »
فإذا هو يُصلّي وأعضاؤه تَضطرب ودموعُه تجري، فقلت ( في نفسي ): هذا صاحبي!
أمضي إليه وأستحلّه.. فصبرتُ حتّى جلس، وأقبلت نحوه، فلمّ رآني مُقبِلاً
قال لي: يا شقيق، أُتْلُ: « وإنّي لَغفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ
صالحاً ثمّ اهتدى » .
ثمّ تركني ومضى.. فقلت: إنّ هذا الفتى لَمِن الأبدال! قد تكلّم على سِرّي
مرّتين. فلمّا نزلنا « زُبالَة » فإذا بالفتى قائم على البئر وبيده رِكوة (
وهي إناء صغير يُشرب فيه الماء، أو دَلْوٌ صغير ) يريد أن يستقي ماءً،
فسقطت الرِّكوة مِن يده في البئر.. وأنا أنظر إليه، فرأيتُه وقد رَمَق
السماءَ بطَرفه، وسمعته يقول: أنتَ ربّي إذا ظمِئتُ إلى الماء وعونـي إذا
أردتُ الطعامـا اللهمّ أنت سيّدي، مالي سواها، فلا تَعدِمْنيها. قال شقيق:
فو َاللهِ لقد رأيت البئر وقد ارتفَعَ ماؤها، فمدّ يدَه فأخذ الرِّكوة
وملأها ماءً، فتوضّأ وصلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كَثيبِ رملٍ فجعل
يَقبِض بيده ويَطرحُه في الركوة ويشرب، فأقبلتُ إليه وسلّمت عليه، فردّ
علَيّ السلام، فقلت: أطعِمْني مِن فضل ما أنعمَ اللهُ عليك.
فقال: يا شقيق، لم تَزَل نِعَمُه علينا ظاهرةً وباطنة، فأحسِنْ ظنَّك
بربّك. ثمّ ناوَلَني الركوةَ فشربتُ منها، فإذا هو سَويقٌ وسُكّر، فو اللهِ
ما شربتُ قطُّ ألَذَّ منه ولا أطيبَ ريحاً! فشبعتُ ورُويت، وقُمتُ أيّاماً
لا أشتهي طعاماً ولا شراباً. ثمّ لم أرَه.. حتٍّى دخلنا مكّة فرأيته ليلةً
إلى جنب قُبّة الشرب ( زمزم ) في نصف الليل قائماً يصلّي بخضوعٍ وخشوعٍ
وأنينٍ وبكاء.. فلم يَزَل كذلك حتّى ذهبَ الليل، فلمّا رأى الفجرَ جلس في
مُصلاّه يُسبّح، ثمّ قام فصلّى الغداةَ، وطاف بالبيت أُسبوعاً ( أي سبع
أشواط ) وخرج.. فتَبِعتُه فإذا له حاشيةٌ ومَوالٍ وهو على خلاف ما رأيته في
الطريق، ودارَ به الناس مِن حوله يسلّمون عليه، فقلت لبعض مَن رأيتُه يَقرب
منه: مَن هذا الفتى ؟!
|