بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

خواصّ الأمّة في ذِكْر مناقبِ الأئمّة

الكتاب:
تذكرة خواصّ الأمّة في ذِكْر مناقبِ الأئمّة المؤلّف:
الحافظ شمس الدين أبو المظفَّر يوسف بن فرغليّ بن عبد الله البغداديّ ـ سبط أبي الفرج عبد الرحمان بن الجوزيّ ـ الحنفيّ.
تعريف وُلد المؤلّف سنة 581 هجريّة ببغداد، ونشأ فيها، وكفله جَدّه لأُمّه عبد الرحمن بن الجوزيّ. وقد أورد له محمّد عبد الحيّ الكنويّ الهنديّ في كتابه ( الفوائد البهيّة في تراجم الحنفيّة ) ترجمةً مفصّلة، قال: تفقّه وبرع، وسمع مِن جدّه لأمّه ابنِ الجوزيّ، وكان بتربيته في صغره حنبليّاً، ثمّ رحل إلى الموصل ودمشق، وتفقّه على جمال الدين محمود الحصيريّ فصار حنفيّاً. وكان عالماً فقيهاً واعظاً، حسَنَ المجالسة مليح المحاورة، فارساً في البحث، مفرطاً في الذكاء. له تصانيف، منها:
 شرح الجامع الكبير، وإيثار الإنصاف، وتفسير القرآن، ومنتهى السَّؤول في سيرة الرسول، واللوامع من أحاديث المختصر والجامع، ومرآة الزمان.
مات سنة 654 هجريّة(1). وترجم له محيي الدين عبد القادر بن أبي الوفاء القرشيّ الحنفيّ المصريّ في كتابه ( الجواهر المُضيّة في طبقات الحنفيّة ) فقال: روى عن جدّه ببغداد، وسمع بالموصل ودمشق وحدّث بهما وبمصر، وأُعطيَ القبول من الملوك والأمراء والعلماء والعامّة في الوعظ وغيره..(2) وترجم له ابن العماد الحنبليّ في كتابه ( شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب ) في حوادث سنة 654 هجريّة، فقال: وفيها تُوفّي سبط ابن الجوزيّ العلاّمة الواعظ المؤرّخ شمس الدين يوسف بن فرغليّ التركيّ ثمّ البغداديّ الحنفيّ.. له تفسير في تسعة وعشرين مجلّداً.. ودرّس وأفتى، وكان في شبيبته حنبليّاً..(3) كذلك ترجم له إسماعيل باشا البغدادي في ( هديّة العارفين لأسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين )، وعدّ من تصانيفه: الإيضاح لقوانين الاصطلاح، وكنز الملوك في كيفيّة السلوك، ومرآة الزمان في تاريخ الأعيان ـ في أربعين مجلّداً، ومعادن الإبريز ـ في التاريخ في تسعة عشر مجلّداً، وتذكرة خواصّ الأُمّة في ذِكْر مناقب الأئمّة.. وغيرها(4).
 أصبح سبط ابن الجوزيّ في آخر الأمر مدرّساً وكاتباً وواعظاً في دمشق عند باب مشهد عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام، وقد كان الناس يبيتون بالجامع حتّى يسمعوا ميعاده؛ لأنّه كان ظريفاً مُنكِراً على أرباب الدول لِما هُم عليه من المنكرات. وذُكر أنّه كان يُنشد الشِّعر، وفيما روي عنه في المناجاة: عليك اعتمـادي يا مُفرِّجَ كربتي ويا مؤنسي في وَحدتي عند شدّتي ويا مَن نقضتُ العهدَ بيني وبينه مراراً.. فلم يُظهِر علَيّ فضيحتي أغِثْني، فإنّي قد عصيتك جاهلاً أغـثني، فقد طالت بذَنْبـي بليّتي فلو أنّ لي عيناً تـسحّ بأدمـعٍ لَنُحتُ على نفسي وطالت نياحتي ولكنْ ذنوبي أرهقَتْني جـراحُها فقلّت دموعي من شقائي وقسوتي فأصبحتُ مأسوراً بذنبي مقـيَّداً فوا سُوءَ حالي من بلائي وغفلتي! وقد أثنى عليه: شهابُ الدين أبو شامة، وأبو المؤيّد الخوارزميّ، وابن خلِّكان، وأبو الفداء، وابن الورديّ، والذهبيّ، والبدخشانيّ.. وغيرهم كثير.. في فضائله وحُسن وعظه. وقد سُئل في يوم عاشوراء أن يذكر للناس شيئاً من مقتل الإمام الحسين عليه السّلام، فصعد المنبر وجلس طويلاً لا يتكلّم.. ثمّ وضع المنديل على وجهه وأخذ يبكي، ثمّ أنشأ يقول وهو يبكي: ويـلٌ لمَن شفـعاؤُه خصماؤه والصُّوْر في نشرِ الخلائقِ يُنفَخُ لابدّ أن تَرِدَ القيـامةَ « فاطمٌ » وقميصُها بدم الحسيـن مُلطَّخُ المقدّمـة بعد الحمد والثناء على الباري تبارك وتعالى، والصلاة والسلام على النبيّ صلّى الله عليه وآله.. عرض سبط ابن الجوزيّ فحوى كتابه، فقال: وبعد: فهذا كتاب في فضل الإمام العليم، والحَبر الحليم، والسيّد الكريم، أخي الرسول، وبَعْل البتول، وسيف الله المسلول. سيّد الحنفاء، وابن عمّ المصطفى وإمام الدِّين وعالِمُه، وقاضي الشرع وحاكمه، ومنصف كلّ مظلومٍ من ظالمه، والمتصدّق في الصلاة بخاتَمِه.
مفرِّق الكتائب، ومُظهِر العجائب، ليث بني غالب، أبي الحسنَين عليِّ بن أبي طالب، رضيَ الله عنه وعن زوجته، وصلّى على أبيها وحشرنا في زمرته، ورضي الله عن أهل البيت.
 بعد هذا يبدأ سبط ابن الجوزيّ كتابه على بركة الله، مبتدئاً بأمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسلام في فصولٍ عديدة وأبوابٍ متعدّدة، وتفاصيل وافرة.. من ذِكْرِ نسبه الشريف وتسميته وأسرته وفضائله وجهاده حتّى شهادته سلام الله عليه، في سبعة أبواب استغرقت أكثر من نصف الكتاب، ليواصل بعد ذلك في ذِكر الإمام الحسن ثمّ الحسين عليهما السّلام، ويستمرّ إلى ذِكر الإمام المهديّ عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام. ونحن هنا ـ أيّها الأخوة الأعزّة ـ لا يسعنا إلاّ أن نلتقط أهمَّ الإشارات والصور من حياة الأئمّة عليهم السّلام كما سجّلها سبط ابن الجوزيّ في كتابه ( تذكرة خواصّ الأمّة في ذِكر مناقب الأئمّة.
 فضائل أهل البيت عليهم السّلام علي بن أبي طالب عليه السّلام يذكر سبط ابن الجوزيّ نسب أمير المؤمنين عليه السّلام.. حتّى ينتهيَ به إلى عدنان ليقول: وعمود النسب إلى عدنان متّفَق على صحّته، واسم أبي طالب عبد مَناف وهو أخو عبد الله والد رسول الله صلّى الله عليه وآله لأبيه وأمّه. ثمّ يذكر في تسمية الإمام بعليّ أسباباً عديدة، وأنّ من أسمائه: حيدرة، كما سمّته بذلك أُمّه. والبطين؛ لأنّه كان بطيناً من العلم، وكان يقول: لو ثُنِيتْ ليَ الوسادة لذكرتُ في تفسير « بسم الله الرحمن الرحيم » حِمْلَ بعير. ويُسمى الأنزع؛ لأنّه كان أنزعَ من الشرك.
ويُسمّى أسدَ الله ورسوله، ويعسوب المؤمنين؛ لأنّ اليعسوب أمير النَّحل وهو أحزمهم. ويُسمّى: الوليّ، والوصيّ، والتقيّ، وقاتل الناكثين والقاسطين، وشبيه هارون، وصاحب اللواء، وكاشف الكرب، وأبو الريحانتين، وبيضة البلد.. في ألقاب كثيرة.
 وفي ظلّ عنوان ( فصل ـ في ذِكر والده عليه السّلام ) كتب سبط ابن الجوزيّ: إنّ أبا طالب قام بنُصرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وكفالته أحسنَ القيام، فكان معه لا يفارقه، وكان يحبّه حبّاً شديداً ويقدّمه على أولاده، ولا ينام إلاّ وهو صلّى الله عليه وآله إلى جانبه، وكان يقول له:
 إنّك لَمبارك النقيبة، ميمون الطلعة. وذكر ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) أن أهل السِّير ذكروا أنّ أبا طالب لمّا قام بنصرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وذبّ عنه أحسن الذبّ، اجتمعت إليه قريش وقالوا: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وسفّه أحلامنا، فإمّا أن تُسْلمه إلينا، أو يقعَ الحرب بيننا. فقال لهم: بفيكمُ الحَجَر! واللهِ لا أُسلمه إليكم أبداً.. ثمّ قال ( مخاطباً رسولَ الله صلّى الله عليه وآله: واللهِ لن يصلوا إلـيـك بجمعِهم حتّى أُوسَّـدَ فـي التراب دفينا فاصدَعْ بأمرك ما عليك غضاضةٌ وابـشِرْ وقَـرّ بذاك عـيونـا وعـرضتَ دِيـنـاً لا محالةَ أنّه مِن خيـر أديـان البريـّةِ دِينا وقال ابن سعد: حدّثني الواقديّ قال: قال عليّ عليه السّلام: لمّا تُوفّي أبو طالب أخبرتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله، فبكى بكاءً شديداً، ثمّ قال: أذهب فغسِّلْه وكفّنْه ووارِه، غفر اللهُ له ورحمه. ( فصل في ذِكْر والدته ) وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتُوفّيت سنة أربع من الهجرة، وشهد رسول الله صلّى الله عليه وآله جنازتها وصلّى عليها ودعا لها، ودفع لها قميصه فألبسها إيّاه عند تكفينها.
الباب الثاني: عَنْوَنه سبط ابن الجوزيّ هكذا ( في ذكر فضائله عليه السّلام ) ليقول فيها: وهي أشهر من الشمس والقمر، وأكثر من الحصى والمَدَر. وقد اخترت منها ما ثبت واشتهر، وهي قسمان: قسمٌ مستنبَط من الكتاب، والثاني من السنّة الطاهرة التي لا شكّ فيها ولا ارتياب. وقد روى مجاهد قال:
 سأل رجلٌ ابنَ عبّاس: ما أكثر فضائل عليّ بن أبي طالب! وإنّي لأظنُّها ثلاثة آلاف، فقال له ابن عبّاس: هي إلى الثلاثين ألفاً أقرب من ثلاثة آلاف. ثمّ قال ابن عبّاس: لو أنّ الشجر أقلام والبحور مداد، والإنس والجنّ كُتّاب وحُسّاب، ما أحصَوا فضائل أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام. وروى عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أنزل الله في القرآن آيةَ « يا أيُّها الذين آمنوا » إلا وعليٌّ رأسها وأميرها. فأمّا نصوص الكتاب، فآيات.. منها:
وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاةَ واركعوا مع الراكعين(5) ـ روى مجاهد عن ابن عبّاس: أوّل مَن ركع مع النبيّ صلّى الله عليه وآله عليُّ بن أبي طالب عليه السّلام، فنزلت فيه هذه الآية. ومنها: ـ روى عكرمة عن ابن عبّاس: كان مع عليّ عليه السّلام أربعة دراهم، فتصدّق بدرهمٍ ليلاً وبدرهمٍ نهاراً، وبدرهمٍ سرّاً وبدرهم علانية.. فنزلت فيه هذه الآية : الذين يُنفُقون أموالَهم بالليلِ والنهارِ سِرّاً وعلانية »(6).
 ومنها: ـ قوله تعالى:« فُقلْ تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونَساءَنا ونساءَكم وأنفسَنا وأنفسَكم.. »(7)، ( ثمّ ذكر سبط ابن الجوزيّ قصّة المباهلة برواية جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وختام الرواية: خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله.. وعليّ عليه السّلام بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة عليها السّلام خلفه، ثمّ قال ( لنصارى نجران ): هَلِمّوا؛ فهؤلاء أبناؤنا ـ وأشار إلى الحسن والحسين، وهذه نساؤنا ـ يعني فاطمة، وهذه أنفسنا ـ يعني نفسه وأشار إلى عليٍّ عليه السّلام. فلمّا رأى القوم ذلك خافوا، وجاءوا إلى بين يديه فقالوا:
أقِلْنا أقالك الله. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده، لو خرجوا ( أي للمباهلة ) لامتلأ الوادي عليهم نارا ! ومنها: ـ قوله تعالى: « إنّما وليُّكمُ اللهُ ورسولُه والذين آمنوا الذين يُقيمونَ الصلاةَ ويُؤتُون الزكاةَ وهم راكعون »(8)، ذكر الثعلبيّ في تفسيره عن السدّي وغيره قالوا: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.. مرّ به سائل وهو في المسجد راكع، فأعطاه خاتمه. وفي رواية ذكرها الثعلبيّ أيضاً، ولكن عن أبي ذرّ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال:.. ( اللهمّ وأنا محمّد صفيُّك ونبيّك، فاشرحْ لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً اشدُدْ بي أزري ( أو قال: ظهري ). قال أبو ذرّ: فواللهِ ما استتمّ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله الكلمةَ حتّى نزل جبريل عليه السّلام من عند الله تعالى فقال: يا محمّد، إقرأ « إنّما وليُّكمُ اللهُ ورسولُه والذين آمنوا الذين يُقيمونَ الصلاةَ ويُؤتون الزكاةَ وهم راكعون ».. فقال حسّان بن ثابت: أبا حسَنٍ تَفديك روحي ومهجتي وكلُّ بطيءٍ في الهدى ومسارعِ فأنت الذي أعطيتَ إذ كنت راكعاً زكاةً.. فدتك النفسُ يا خيرَ راكعِ فـأنزل فيـك اللهُ خـيرَ ولايةٍ وبيّنها في مُـحـكَماتِ الشرايعِ ومنها: في سورة براءة: ـ قوله تعالى: « يا أيّها الذين آمنوا اتّقُوا وكونوا مع الصادقين »(9)، قال علماء السِّيَر: معناه: كونوا مع عليّ وأهل بيته عليهم السّلام. قال ابن عبّاس: عليٌّ عليه السّلام سيّد الصادقين. ومنها: إنّ الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحاتِ سيجعلُ لهمُ الرحمنُ وُدّا »(10)، قال ابن عبّاس: هذا الودّ، جعله الله لعليٍّ في قلوب المؤمنين. ومنها: إنّما يُريد اللهُ لِيُذهبَ عنكمُ الرجسَ أهلَ البيت.. »(11)، وسنذكره. ومنها: « والسابقون السابقون »(12)، روى سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أوّلُ مَن صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وآله عليٌّ عليه السّلام، وفيه نزلت هذه الآية. وعدداً آخر من الآيات يذكرها سبط ابن الجوزيّ؛ ليعرّج بعد ذلك على طائفة من أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله، هي موثّقة عنده، يذكرها بأسانيدها، نكتفي هنا بالإشارة إليها: