|
الباب
الثالث:
في حكْم لعن يزيد، وما ورد في أمثاله من الوعيد .. ويصول ويجول الشبراويّ
في بحثٍ علميّ، ينتهي فيه ـ مستدلاًّ ـ إلى أن يزيد ممّن يُلعن؛ لأنّه أمر
بقتل الإمام الحسين عليه السّلام، ورضي بقتله، وأنّه أهانَ أهلَ بيت رسول
الله صلّى الله عليه وآله.
ـ الباب الرابع: في زيارة المشهد الحسينيّ وبقيّة مدافن آل البيت رضي الله
عنهم بمصر.. وقد فصّل الشبراويّ في هذا الباب، وعرض كرامات حصلت في المشهد
الحسينيّ وموضع الرأس المقدّس لسيّد الشهداء عليه السّلام، وضمّن بحثَه هذا
قصائد رائقة، وأبياتاً شائقة، منها: نفسي الفداءُ لمشهدٍ.. أسرارُه .. مِن
دونها سترُ النبـوّة مُسبَلُ.
ورواقِ عِزٍّ فيه أشـرفُ بقعةٍ .. ظلّت تَحار لها العقولُ وتُذهَلُ.
تُغضي لبهجته النـواظرُ هيبةً.. ويَـرُدُّ عنه طَـرْفَه المتـأمِّلُ.
فسمـا علوّاً أن تُقبِّـل تُـربَه .. شفةٌ.. فأضحى بالجبـاه يُقبَّلُ.
ومنها أيضاً: يا عترةَ المختـار يا مَن بهم .. أرجو نجاتي مِـن عذابٍ
أليمْ.
حديث حبّـي لكـمُ سـائـرٌ .. وسرّ ودّي فـي هواكم مُقيمْ.
قد فزتُ كلَّ الفوز إذ لم تزلْ .. صراط حبّـي بكمُ مسـتقيم.
فمَن أتـى اللهَ بعـرفـانِكم .. فقـد أتـى اللهَ بقلبٍ سلـيم.
وقال أيضًا : آلَ طـه.. ومَـن يـقـلْ آل طـه .. مسـتجـيـراً بجـاهكـم لا
يُـرَدُّ.
حبُّكـم مذهبـي وعقـدُ يقـينـي .. ليـس لـي مذهبٌ سـواه وعقـدُ.
منكمُ أستمدّ.. بل كلُّ مَـن في الـكونِ مِـن فيض فضلكم يَسـتمـدُّ بيتكم
مَهبِط الـرسـالـة والـوحــي، ومنكم نـورُ الـنبـوّة يبـدو ولكـم فـي
العُـلى مقـامٌ رفيـعٌ مـالـكـم فـيـه آلَ يـس نِـدُّ يا ابنَ بنت الرسولِ
مَن ذا يضاهيــك افتخـاراً..
وأنت للفخر عقدُ! يا حسـينـاً، هـل مِثْـلُ أُمّـك أمٌّ لشـريفٍ.. أو مثـلُ
جَـدّك جَـدُّ رام قـوم أن يَـلحـقـوك ولكـنْ بينهم ـ فـي العـلى ـ وبينك
بُعدُ خصّك اللهُ بـالسـعـادة فـي دُنــيـاك.. ثـمّ بـالـشـهادة بَعـدُ لك
فـي القبر ـ يا حسـيناً ـ مَقامٌ ولأعداك فـيـه خـزيٌ وطـردُ.. وفي ختام
هذا الباب، يأتي الشبراويّ الشافعيّ بجملةٍ من قصائده التي نظمها في حبّ
أهل البيت عليهم السّلام، نُشير إلى بعض أبياتها:
قال: وقلت فيهم أيضاً رضي الله عنهم:
آلَ الـنبـيّ مـالي سواكم ملجأٌ
أرتجيهِ للـكـربِ فـي غَدْ.
لستُ أخشى ريبَ الزمانِ وأنتم
عُمدتي في الخطوب يا آلَ أحمدْ.
مَن يضاهي فخـارَكـم آلَ طه وعليـكم سُـرادقُ العِـزّ مُمتدّْ.
كلُّ فضـلٍ لغيركم فـإليكم
يا بني الطُّـهْر بالأصـالة يُسنَدْ.
لا عُدِمنا لكم موائدَ جودٍ كلَّ
يـومٍ لـزائـريكـم تُجـدَّدْ.
أيّ بيـت كبيتكم آلَ طه طهّر
اللهُ سـاكـنيـهِ ومَجّـدْ.
يا حسينـاً ما مِثْلُ مجـدك مجدٌ لشريفٍ.. ولا كجَدِّك مِـن جَـدّْ.
يا حسينـاً.. بحقّ جدّك عطفـاً لمحـبٍّ بـالخيـر منك تعـوّدْ.
كـلَّ وقـتٍ يَـوَدّ يلثـم قبـراً أنت فيـه بمقلتَيـه ويشـهدْ... وقال:
وقلت فيهم رضي الله عنهم:
حِمـاك قـد غرّدت فيـه الـمسـرّاتُ
وبيـت عِـزّك روضـاتٌ وجـنّـاتُ.
ومنك يا ابن أبي التخصيص قد ظهرتْ
للـوارديــن كـراماتٌ وآيـاتُ.
وفـي مُحيّـاك نـورٌ سـاطعٌ شهِـدتْ
به على أصلك السامي علاماتُ.
يا طالبَ الغـايـة القصـوى لمجـدِهمُ أقْصِرْ.. فليس لهذا
المجدغاياتُ..
وقال: وقلت فيهم أيضاً رضي الله عنهم: أبـداً تحـنُّ إليـكـمُ الأرواحُ
ولكم غُدُوٌّ فـي العُلى ورَواحُ.
يا سادةً.. لولاهمُ مـا لاح في أفُق المكـارمِ للفـلاح صباحُ.
ما الفضل إلاّ ما رأيتُ بحيّكم وعليكمُ مِـن نوره مصـباحُ.
نطق الكتاب بمجدكم وبفضلكم وأتت أحـاديثٌ بذاك صِحاحُ.
وقال: قلت فيهم أيضاً رضي الله تعالى عنهم:
قال لـي قـائل: رأيتك تهوى آلَ طـه، ودائمـاً تَرتجيـهمْ.
كان حقّاً عليك تستغرق العُمْــرَ مديحـاً فيهم وفيمن يليهم!
قلت: ماذا أقـول والكون طُرّاً يسـتمدّ الكمـالَ مِـن أيديـهم .
أيُّ معنى للمدح منّي وقـد جا ء الكتابُ العزيز بالمـدح فيهم.
أنا لا أستطيـع أمدح قـومـاً كـان جبـريلُ خـادماً لأبيهم.
متّع الله عصـرَنـا بشـريفٍ مِن بينِهم.. بل مـن أجلّ بنيهم.
هـو أبـدى لنـا كنوزَ فخـارٍ نجتليـها، كـأنّنـا نجتـليـهم.
ربِّ مالـي وسيلةٌ غيـر حبّي آلَ طه.. وكـلَّ مَـن يقتفيهم.
فـأغِثْنـي بحقّهم يـا إلهـي أنا ضيفٌ نزلتُ في ناديهم...
قال: وقلت فيهم أيضاً رضي الله تعالى عنهم:
يـا آلَ طـه مَـن أتـى حيَّكم مؤمِّـلاً إحسـانَكم لا يُضـامْ.
لُذْنـا بكم يـا آلَ طـه، وهل يُضام مَـن لاذ بقـومٍ كرامْ ؟!
تـزدحـم النـاسُ بأعتـابـكم والمنهل العـذب كثير الـزُّحام.
مـن جاءكم مستمـطِراً فضلَكم فاز من الجود بأقصـى مَـرام.
يا سادتـي، يا بضعةَ المصطفى يا مَن لهم في الفضل أعلى مَقام.
أنتم مَـلاذي وعيـاذي، ولـي قلبٌ بكم ـ يا سادتي ـ مُستهام.
وحقِّـكـم إنّـي محـبٌّ لكـم محبّـةً لا يعتـريها انصـرام.
وقفتُ فـي أعتـابكم هـائمـاً ومـا على مَـن هام فيكم مَلام.
يا سبطَ طـه يـا حسـيناً على ضريحك المأنوسِ منّـي السلام.
مشهدك السـامـي غدا كعبـةً لنـا طوافٌ حولَـه واستـلام.
تفديك نفسـي يا ضريحاً حوى حسينـاً السبطَ الإمـام الهمـام.
إنّـي تـوسّلتُ بمـا فيك مِـن عزٍّ ومجدٍ شـامخٍ واحتشـام...
وختم الشبراويّ قصائده هذه بهذه العبارات:
وقد وفّقني الله تعالى لخدمة آل هذا البيت الشريف، فنظمت ديوانَ شعرٍ في
مديحهم والتوسّل بهم وبيان كمالاتهم، وسمّيته ( منائح الألطاف في مدائح
الأشراف ).. أمَدّنا الله تعالى بمددهم، وأدخلنا في شفاعة جدّهم، محمّدٍ
صلّى الله عليه وسلّم، وشرّف وكرّم، وعلى آله أجمعين.
ـ الباب الخامس: في أخبار بقيّة آل النبوّة، ذوي المجد والفتوّة ويتعرّض
الشبراويّ الشافعيّ هنا إلى قرابة النبيّ صلّى الله عليه وآله وقُرباه،
وذريّته الطاهرة، معرّفاً وممجّداً بهم، مبتدئاً بعبد الله بن عبد المطلب
وآمنة بنت وهب والدَي رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ زوجته خديجة
عليها السّلام، ثمّ فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وبعدها ذريّتها الأئمّة
الطاهرون..
حيث يقول: وأمّا فاطمة الزهراء : أمّ الحسنَين، وسماء القمرَين، فمناقبها
لا تُحصى، ومفاخرها تجلّ عن الحصر والإحصا فقد روى أصحاب الصحيح، قال صلّى
الله عليه وآله وسلّم:
كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ أربعة: مريم ابنة عمران،
وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد.
صلّى الله عليه وآله وسلّم.
• وعن محمّد بن الحنفيّة قال:
سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب يقول: دخلت يوماً منزلي، فإذا رسول
الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جالس، والحسن على يمينه والحسين على يساره
وفاطمة بين يديه، وهو يقول:
يا حسن يا حسين، أنتما كفّتا الميزان وفاطمة لسانه، ولا تعدل الكفّتان إلاّ
باللسان، ولا يقوم اللسان إلاّ على الكفّتين، أنتما الأمان ولأمّكما
الشفاعة. وأمّا وَلَداها السيدان الشهيدان القمران المنيران، فقد تقدم
الكلام على بعض ما يتعلق بهما باختصار.
الرابع من الأئمّة: عليّ زين العابدين ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي
الله عنه، وأمّه سارة بنت كسرى أنوشروان ملك الفرس؛ ولذلك اشتهر بأنه ابن
الخيرتين.
كان رضي الله عنه عابداً زاهداً ورعاً متواضعاً حسن الأخلاق، وكان إذا
توضأَ للصلاة اصفرّ لونه، فقيل له: ما هذا الذي نراه يعتريك عند الوضوء ؟
فقال: أما تدرون بين يدَي مَن أُريد أقف.
وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة.
قال بعضهم: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين فقال له: إنّ فلاناً وقع فيك
بحضوري، فقال: انطلقْ بنا إليه. فانطلق معه الرجل وهو يرى أنّه سينتصر
لنفسه، فلمّا رأى الرجلَ قال: يا هذا، إن كان ما قلتَه فيّ حقاً فأسالُ
الله أن يغفره لي، وإن كان ما قلتَه باطلاً فالله يغفره لك.
ثمّ ولىّ عنه. وكان يتصدّق سرّاً ويقول: صدقة السرّ تُطفئ غضب الرب.
وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقَدْنا صدقةَ السرّ حتّى
مات عليّ بن الحسين.
وقال محمّد بن إسحاق:
كان يموّن أهلَ مائة بيت، وكان ناس من أهل المدينة يتعيّشون ولا يدرون من
أين معاشهم، فلمّا مات عليّ بن الحسين فقدوا ما كان يأتي ليلاً إلى
منازلهم. وخرج يوماً من المسجد فلقيه رجل فسبّه، فثارت إليه العبيد
والموالي، فقال لهم زين العابدين: كفّوا عنه. ثمّ أقبل عليه فقال له: ما
سُتر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نُعينك عليها ؟ فاستحيى الرجل، فألقى زين
العابدين عليه خميصةً كانت عليه وأمر له بألف درهم، فقال الرجل: أشهد أنّك
من بيت النبوّة.
ومن كلام زين العابدين عليّ رضي الله عنه: يا رُبّ جوهـرِ علمٍ لو أبوح به
لقيل لـي: أنت ممّن يعبد الوَثَنا. ولاستحلّ رجال مسلمـون دمي يرَون أقبح
مـا يأتونـه حَسَـنا.
إنّي لأكتم مـن علمي جواهـرَه كي لا يرى الحقَّ ذو جهل فيفتتنا.
وقد تقـدم فـي هذا أبـو حسن إلى الحسـين ووصّى قبلَه حَسَنا.
ورُوي أنّ هِشام بن عبد الملك لمّا حجّ في خلافة والده عبد الملك، وطاف
بالبيت وأراد أن يستلم الحجر لم يقدر على استلامه من الازدحام، فنُصب له
منبر فجلس عليه وأطاف به أهلُ الشام، فبينما هو كذلك إذْ أقبل عليّ بن
الحسين بن عليّ رضي الله عنهم وعليه إزار ورداء، فإذا هو أحسن الناس وجهاً
وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت، وجعل كلّما بلغ إلى موضع الحجر تنحّى له الناس
حتّى يستلم؛ هيبةً له وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً، فقال رجل من أهل الشام
لهشام:
مَن هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة وأفرجوا له عن الحجر ؟! قال هشام:
لا أعرفه.
لئلاّ يرغب الناس وأَهل الشام عن هشام، وكان الفرزدق حاضراً فقال: لكنّي
أنا أعرفه، فقال الشاميّ: مَن هو يا ابا فراس ؟
فقال الفرزدق: هذا الـذي تعـرف البطحـاءُ وطأتَـه والبيـتُ يعـرفـه
والحِـلّ والحـرمُ.
هـذا ابـن خيـرِ عبـادِ الله كلِّـهـمُ هـذا التقـيُّ النقـيّ الطاهـر
العـلَمُ. إذا رأتـه قـريـش قـال قـائلهـم:
إلـى مكـارم هـذا ينتهـي الكـرمُ.
يُنمي إلى ذَروة العـزّ التـي قَصُرتْ عـن نيلـها المللُ المـاضون
والأُممُ.
هـذا ابـن فـاطمـةٍ إنْ كنتَ تجهلُه بجـدِّه أنبـيـاءُ الله قــد
خُتـمـوا.
الله فـضّـلـه قِـدمـاً وشــرَّفـه جـرى بذاك لـه فـي لوحـهِ القـلمُ.
وليس قولك: مـن هـذا ؟ بضـائـره العُربُ تعـرف مـن أنكـرتَ والعجمُ.
عـمّ البـريةَ بالإحسـان فـانقشـعت عنهـا الـغيـاهبُ والإمـلاق
والـظُّلَمُ.
مـِن معشرٍ حبُّهم فـرض، وبغضُـهمُ كفـرٌ، وقـربُهـمُ مَنجـى ومعتصـمُ.
يُسـتدفع السـوء والبـلوى بحبِّـهـمُ ويُسـتزاد بـه الإحسـانُ
والـنِّـعـمُ.
مـقـدَّمُ بـعـد ذِكـر الله ذِكـرُهـمُ فـي كلّ يـوم، ومختـوم بـه
الكَـلِمُ.
إن عُـدّ أهـل التقـى كانـوا أئمـتَهم أو قيل: مَن خير أهلِ الأرض ؟
قيل: همُ مَـن يعـرفِ الله يَعـرفْ أوّلـيّـةَ ذا فالـدِّينُ مِـن بيت
هـذا نالـه الأمـمُ.
قال: فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق، فأُخذ مقيّداً وتُرك محبوساً بعسقلان
بين مكّة والمدينة، فبلغ ذلك زينَ العابدين عليّ بن الحسين رضي الله عنهما،
فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم.. تُوفّي الإمام عليّ زين العابدين بن
الحسين رضي الله عنه في ثاني عشر المحرم سنة أربع وتسعين من الهجرة، وله من
العمر سبع وخمسون سنة.
مات رضي الله عنه بالمدينة مسموماً، يقال: سمّه الوليد بن عبد الملك،
ودُفن بالبقيع في القبر الذي دُفن فيه عمّه الحسن داخل قبّة العباس بن عبد
المطلب رضي الله عنهم.
• وله من الأولاد خمسة عشر ما بين ذكر وأنثى، أجلُّهم وأفضلهم، بل أشرف آل
البيت وأنبلهم، وأعزّهم وأكملهم:
الخامس من الأئمّة: محمّد الباقر وُلد رضي الله عنه بالمدينة المنوّرة
ثالث صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة النبويّة قبل قتل جده الحسين بثلاث
سنين، وكُنّي أبا جعفر ولُقّب بالباقر لبَقْره العلم، يقال: بَقَرَ الشيءَ
فجَّره، سارت بذِكر علومه الأخبار، وأُنشدت في مدائحه الأشعار، فمِن ذلك
قول مالك الجهنيّ فيه: إذا طلب الناسُ علم القران كانت قـريشٌ عليه عيالا.
وإن فاه فيه ابنُ بنت النبيّ تلقّت يداه فروعـاً طوالاً. نجـومٌ تَهلّل
للمـدلجيـن فتُهدي بأنوارهنّ الرجـالا. ورُوي أنّ العلاءَ بن عمرو بن عبيد
قَدِم على محمّد الباقر يسأله عن قوله تعالى:
"أوَ لم يرَ الذين كفروا أنّ السماواتِ والأرضَ كانتا رَتْقاً
ففَتَقْناهما"، ما هذا الرتق والفتق ؟ فقال له أبو جعفر: كانت السماء رتقاً
لا تُنزل المطر، وكانت الأرض رتقاً لا تُخرج النبات، ففتقناهما بنزول المطر
وخروج النبات.
فسكت العلاء، ثمّ سأله عن قوله تعالى: "ومَنْ يَحْلُلْ عليهِ غضبي فقد
هوى" ، ما غضب الله تعالى ؟
قال: طردُه وعقابه يا ابن عمرو، مَن ظنّ أن الله يغيّره شيء فقد كفر,
ومناقبه رضي الله عنه باقية على مرّ الأيّام، وفضائله قد شهد له بها الخاصّ
والعامّ.
ـ قال محمّد بن المنكدر:
وما كنت أرى أنّ مِثل عليّ بن الحسين يَدَع خَلَفاً يقاربه في الفضل، حتّى
رأَيت ابنَه محمّداً الباقر.
ـ وقال الأسود بن كثير: شكوت إلى أبي جعفر محمّدٍ الباقر جور الزمان وجفاء
الإخوان، فقال:
بئس الأخ أخ يرعاك غنيّاً، ويجفوك فقيراً.
ـ وحكى صاحب « نثر الدرر » عن محمّد الباقر قال يوماً لولده جعفر الصادق:
يا بُنيّ، إنّ الله تعالى خبّأ ثلاثة في ثلاثة أشياء: خبّأ رضاه في طاعته،
فلا تحقرنّ مِن الطاعة شيئاً؛ فلعلّ رضاه فيه.
وخبّأ سخطه في معصيته، فلا تحقرنّ من المعصية شيئاً، فلعلّ سخطه فيه.
وخبّأ أولياءه في خَلْقه، فلا تحقرنّ من عباده أحداً؛ فلعله فيه * وكان
يقول: سلاح اللئام، قبيح الكلام.
تُوفيّ الإمام محمّد الباقر ابن الإمام عليّ زين العابدين بن الإمام
الحسين رضي الله عنهم في المدينة المنوّرة سنة سبع عشرة ومائة، وله من
العمر ثماني وخمسون سنة، وقيل: ستون.
وأوصى أن يُكفّن في قميصه الذي كان يصلّي فيه، ودُفن في البقيع بالقبة
التي فيها العبّاس بن عبد المطلب عند أبيه وعمّ أبيه الحسن. وخلّف أولاداً
ستة، أشرفُهم أبو عبد الله:
|