بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

الإتحاف بحبّ الأشراف "1"

الكتاب:
 
الإتحاف بحبّ الأشراف المؤلّف:
 عبد الله أبو محمّد جمال الدين بن عامر الشبراويّ الشافعيّ ـ 1091 ـ 1171 هجريّةـ
تعريف بالمؤلف : وُلد الشبراويّ في مصر، وبرع في العلم حتّى تقدّم على أقرانه، فصار شيخَ الجامع الأزهر. وكان من مؤلّفاته:" شرح الصدر في غزوة بدر" و" الإتحاف بحبّ الأشراف" المطبوع في مصر عامي 1313هـ وعام 1316هـ بالمطبعة الأدبيّة، وأُعيدت طباعته بالأوفسيت عام 1404هـ، وبهامشه: كتاب " حُسن التوسّل في آداب زيارة أفضل الرسُل وقد جاء في مقدمة الإتحاف، قول الشبراويّ الشافعيّ ـ
 بعد الحمد والصلاة: أمّا بعد، فما زلتُ ـ مذ كنتُ طفلاً ـ مولَعاً بحبّ آل البيت الأطهار، مُغرَماً بسَماع ما لهم من كريم الأخلاق وجميل الأخبار، شَغِفاً بمَن ينتمون إليه، وحبّاً فيَمن يحوم صادحُ شرفهم عليه، صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعظّم وكرّم.
 وقد عزمتُ على خدمة مقامه الشريف بجمع بعض ما عثرتُ عليه من مناقبهم، وإبداعِ ما يُشير إلى عالي مراتبهم؛ تطفّلاً على هذا الإيوان العالي، وتجسّراً على أعتاب ذلك الديوانِ المحجوب عن أمثالي، رجاءَ الاندراج في لمحات مجدهم، والدخولِ في عمومِ شفاعةِ جَدّهم. وجعلتُ واسطةَ عقد هذا التأليف، وقطبَ رَحى هذا التصنيف، خدمةَ سيّديَّ: الإمامِ الحسين وأخيه الإمام الحسن..ثمّ يعرض الشبراويّ أبواب كتابه الثمانية من كتابه ( الإتحاف بحبّ الأشراف )، فنمضي معه في بعضها. الباب الأول: في نبذةٍ من فضائلهم، وقطرةٍ من شمائلهم : ذكر فيه الشبراويّ الشافعيّ جملةً من النصوص والأخبار في حبّ النبيّ وآله صلوات الله عليه وعليهم، كان منها قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: "معرفةُ آل محمّدٍ براءة من النار، وحبُّ آل محمّدٍ جوازٌ على الصراط ، والولاية لآل محمّدٍ أمان من العذاب ", ثمّ جاء بأخبارٍ وحكايات في فضل قُربى رسول الله محمّدٍ صلّى الله عليه وآله، وشرفهم ووجوب توقيرهم، تخلّلها هذه الفقرات والتعليقات، كتبها الشبراويّ عن عمق،
 قائلاً: وهذا كلّه؛ لِما وجب لآل بيته صلّى الله عليه وآله من الشرف والمجد؛ لنسبتهم إليه صلّى الله عليه وآله، وسريان لحمه ودمه الكريمين فيهم، فهُم بعضه وبعضه ـ في وجوب الإجلال والتعظيم ـ كجميعه، وحرمتُه ميّتاً كحرمته حيّاً صلّى الله عليه وآله، قال تعالى: "قُلْ لا أسألُكم عليهِ أجْراً إلاّ المودّةَ في القُربى "ـ سورة الشورى ـ .
 والأنسب في تفسير الآية، أنّ المعنى: قُلْ يا محمّد لأمّتك: لا أطلبُ منكم على ما جئتكم به من الهدى، والنجاةِ من الرَّدى، عِوَضاً ولا أُجرةً ولا جزاءً.. إلاّ أن تُجازوني بأن تَوَدّوا قرابتي، وتُحبّوهم، وتعاملوهم بالمعروف والإحسان، ويكون بينكم وبينهم غايةُ الودّ والمحبّة والصلة. ثمّ يستدلّ الشبراويّ الشافعيّ على حصر القُربى في عددٍ خاصّ حينَها، ولم تتّسع ـ بهذا المصطلح القرآنيّ ـ إلى غيرهم، فيكتب: أخرج الطبرانيّ والحاكم،
 عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسولَ الله، مَن قرابتك هؤلاءِ الذين وجبَتْ علينا مودّتُهم ؟ فقال: عليٌّ وفاطمةُ وابناهما. وروى البزّاز والطبرانيّ، أنّ الحسن بن عليّ رضي الله عنهما خطب يوماً فقال: مَن عَرَفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا: الحسن بن محمّد صلّى الله عليه وآله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن آل البيتِ الذين افترض اللهُ مودّتَهم على كلّ مسلم، وأنزل فيهم: " قلْ لا أسألُكم عليهِ أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى"، و" مَن يَقترِفْ حسنةً نَزِدْ له فيها حُسْنا "، فاقتراف الحسنات مودّتنا آلَ البيت. وقال تعالى: " إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عنكمُ الرِّجْسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكُم تطهيرا "
ـ سورة الأحزاب:33 .. وروى الترمذيّ، عن عمرو بن أبي سلمة ربيب النبيّ صلّى الله عليه وآله، قال: لمّا نزلت هذه الآية في بيت أمّ سلمة رضي الله عنها، دعا فاطمةَ وحسناً وحسيناً وخلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره، ثمّ قال: اللهمّ هؤلاء أهلُ بيتي، أذهِبْ عنهمُ الرجسَ وطهِّرْهم تطهيرا. ـ وقال تعالى: " فمَن حاجَّك فيهِ مِن بعدِ ما جاءَك مِن العلمِ فقل: تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسَنا وأنفسَكم، ثمّ نبتهلْ فنجعَلْ لعنةَ اللهِ على الكاذبين " سورة آل عمران: 61..قال الزمخشريّ: لا دليلَ أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم: عليٌّ وفاطمة والحسنان؛ لأنّها لمّا نزلت دعاهمُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله، فاحتضن الحسنَ وأخذ بيد الحسين، ومشت فاطمة خلفَه وعليٌّ خلفها، وذلك في ذَهابه إلى المباهلة. وأخرج الطبرانيّ، عن فاطمة الزهراء قالت: قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: لكلِّ بني أُنثى عصبة ينتمون إليها، إلاّ وُلْدَ فاطمة؛ فأنا وليُّهم، وأنا عصبتُهم. وبعد ذِكْر الشبراويّ لجملةٍ من المناقب والخصائص لأهل البيت النبويّ الشريف، يقول منبّهاً: واعلمْ أنّ لآل البيت الشريف حقوقاً على الناس..
 نسأله تعالى أن يوفّقنا للقيام بها، منها: أن يُؤثروهم على أنفسهم بالتعظيم والتوقير والاحترام؛ فإنّ ذلك من تعظيمهم للنبيّ صلّى الله عليه وآله، ويُظهِروا الخشوع عند الحضور معهم؛ لما تقدّم أنّهم بعضُ رسول الله صلّى الله عليه وآله، ويُبغضوا مَن يُؤذيهم؛ لأنّه يُؤذي رسولَ الله صلّى الله عليه وآله.. ويُخلصوا في ودّهم، وينصروهم، وينشروا محاسنهم، ويتوسّلوا بدعاء صالحهم إلى الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله.
 وهنا يجمع الشبراويّ ـ إلى أهل البيت وأئمّة الهدى ـ ذريّتَهم السادة، فيجعل لهم حقوقاً على الناس بحقّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وكرامته على الناس.. ثمّ يقف عند بعض مناقب أمير المؤمنين عليٍّ عليه السّلام، فيقول: أخرج الحاكم، عن ثابت أنّ أنسَ بن مالك كان شاكياً ( أي مريضاً )، فجرى بين أصحابه عند حديث انتقص فيه ابنُ الحجّاج من عليّ، فقال أنس: من هذا فأقعِدوني. فأقعدوه، فقال: يا ابنَ الحجّاج؛ أراك تنتقص عليَّ بن أبي طالب! والذي بعث محمّداً صلّى الله عليه وآله بالحقّ، لقد كنتُ خادمَ رسول الله صلّى الله عليه وآله بين يديه، فجاءت أمُّ أيمن بطيرٍ فوضعته بين يدَي رسول الله، فقال: اللهمّ جئْني بأحبّ خَلْقك إليَّ وإليك، يأكل معي من هذا الطير. فضُرب الباب، فقال: يا أنس، انظرْ مَن بالباب. فقلت: اللهمّ اجعلْه رجلاً من الأنصار، فذهبتُ فإذا عليٌّ بالباب، فقلت له:
إنّ رسول الله على حاجة ( أي مشغول )، وجئتُ حتّى قمتُ مقامي، فلم ألبث أن ضُرِب الباب، فقال رسول الله: اذهبْ فانظرْ مَن على الباب، فقلت: اللهمّ اجعلْه رجلاً من الأنصار، فإذا عليّ بالباب، فقلت: إن رسول الله على حاجة.
وجئت حتّى قمت مقامي، فلم ألبث أن ضُرِب الباب، فقال: يا أنس، أدخِلْه، فلستَ بأوّل رجلٍ أحبَّ قومَه، ليس هو من الأنصار.
 فذهبتُ فأدخلته. فقال صلّى الله عليه وآله: يا أنس، قرّبْ إليه الطير. فوضعتُه فأكلا جميعا.. قال ابن الحجّاج: يا أنس، كان هذا بمحضرٍ منك ؟!
 قال: نعم.
 قال: أُعطي اللهَ عهداً ألاّ أنتقص عليّاً بعد مقامي هذا، ولا أسمع أحداً ينتقصه إلاّ أشنتُ له وجهه.
 وأخرج الترمذيّ، عن أبي بُرَيدة عن أبيه قال: كان أحبَّ النساء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فاطمة، وأحبَّ الرجال إليه عليّ. وعن ابن عبّاس قال: كنتُ جالساً عند رسول الله.. إذ دخل عليٌّ فسلّم، فردّ عليه النبيّ السلامَ عليه، وقام إليه وعانقه وقبّل ما بين عينَيه وأجلسه عن يمينه، فقلت: يا رسول الله، أتُحبّه ؟ فقال: يا عمّ، واللهِ للهُ أشدُّ حبّاً له منّي، إنّ الله عز وجل جعل ذريّةَ كلِّ نبيٍّ في صلبه، وجعل ذريّتي في صُلْب هذا.
 "وهذا ـ أيُّها الإخوة ـ يدلّ على أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يكن له من الأبناء والذريّة إلاّ فاطمة الزهراء صلوات الله عليها".
 ـ الباب الثاني: في أخبار الإمام الحسن وأخيه الإمام الحسين السعيدين الشهيدين ـ وهما ابنا فاطمة الزهراء، وفرعا الشجرة المثمرة الغرّاء.
 السيّد فاطمة ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمّها خديجة بنت خويلد. تُوفّيت بعد وفاته صلّى الله عليه وآله بستّة أشهر، وهناك أقوال أُخَر، ويقال: إنّها غسّلت نفسها قبل وفاتها، وهي أوّل مَن غطّت نعشَها في الإسلام.. ومناقبها رضي الله عنها كثيرة، وفضائلها شهيرة. وقد ولدت الحسنَ رضي الله عنه منتصَف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فهو سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وريحانته، وسيّد شباب أهل الجنّة، الخليفة بن الخليفة، سمّاه جدّه صلّى الله عليه وآله « الحَسَن » ولم يُعرَف ذلك الاسم في الجاهليّة.. قال رجل من الأزد: رأيت رسولَ الله صلّى الله عليه وآله واضعَه في حبوته وهو يقول: مَن أحبّني فلْيُحبَّه، وليبلّغِ الشاهدُ الغائب ( رواه أحمد بن حنبل ).. ولما تُوفّي أبوه عليّ رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفاً من أهل الكوفة على الموت، وبقي نحو سبعة أشهر أو ستّة أشهر خليفة بالحجاز واليمن وخرا سان وغير ذلك...
 ورُوي أنّه لمّا قدم معاوية المدينة قبل أن تشتعل نار الحرب، صعد المنبر فنال من الحسن ومن أبيه عليّ، فقام الحسن فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله لم يبعثْ نبيّاً إلاّ جعل الله له عدوّاً.. قال تعالى: "وكذلك جعْلْنا لكلِّ نبيٍّ عدوّاً من المجرمين" ـ سورة الفرقان:31 ـ .
 وأنا ابن عليّ وأنت ابن صخر، وأمُّك هند وأُمّي فاطمة، وجدّتك قيلة وجدّتي خديجة، فعلنَ اللهُ ألأمَنا حسباً وأخملَنا ذِكْراً، وأعظمَنا كفراً، وأشدَّنا نفاقاً. فصاح أهل المسجد: آمين ـ ثلاثاً.
 فقطع معاوية خطبته وفرّ إلى منزله.. تُوفّي بالمدينة سنة خمسين، ودُفن بالبقيع.
 ولمّا تُوفّي رضي الله عنه ارتجّت المدينة صياحاً، فلا تلقى إلاّ باكياً، وقام أبو هريرة في مسجد المصطفى ونادى: يا أيّها الناس، مات اليومَ حِبُّ رسول الله، فابكوا.
 لمّا حضرته الوفاة، قال للحسين: ادفنوني عند أبي ( يعني المصطفى صلّى الله عليه وآله ) ولكنّ الناس سِراعٌ إلى الفتنة، فإن خفتُم فتنةً فلا تسفكوا دماً، فادفنوني في مقابر المسلمين. وأمّا أخوه الحسين رضي الله عنه فوُلد لخمس خلون من شهر شعبان سنة أربع من الهجرة.. وكان فاضلاً، كثيرَ الصلاة والصوم والحجّ، ذا كراماتٍ ظاهرة، ومكارمِ أخلاقٍ باهرة.
 قُتل لعشرٍ خلت من المحرّم يوم الجمعة ـ وهو يوم عاشوراء ـ سنة إحدى وستّين من الهجرة، بموضعٍ يُقال له « كربلاء » من أرض العراق، قتَلَه: سنان بن أنس النَّخَعي، وقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن ـ وكان أبرصَ وأجهر ـ وساعَدَه عليه خُولّى بن يزيد الأصبحيّ مِن حِمْير، فحزّ.. وأتى به عبيدَ الله بن زياد يقول له: أوقِرْ ركابي فضّةً أو ذَهَبا إنّي قتلتُ السـيّدَ المحجَّبا قتلتُ خيرَ النـاسِ أُمّاً وأبا وخيرَهم إذ ينسبون نسـبا قال ابن عبّاس: رأيت النبيَّ صلّى الله عليه وآله فيما يرى النائمُ نصفَ النهار وهو قائم أشعث مغبرّ، بيده قارورة فيها دم.
 قلت: بأبي وأمّي أنت يا رسول الله، ما هذا ؟!
 قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألتقطه.
 فلمّا استيقظتُ وجدته قد قُتل في ذلك، وسُمع قائل يقول: أترجو أمّـةٌ قتلَتْ حسينـاً شفاعةَ جَدّه يومَ الحسابِ ؟! وممّا ظهر يومَ قتله من الآيات: أنّ السماء أمطرت دماً، وأنّ أوانيهم مُلئت دماً، وأنّ السماء اشتدّ سوادها لانكساف الشمس حينئذ حتّى رُؤيت النجوم، واشتدّ الظلام حتّى ظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت، وأنّ الكواكب ضرب بعضُها بعضاً، ولم يُرفع حجرٌ إلاّ رُؤي تحته دمٌ عبيط ( أي طريّ )، وانقلب ( الأشياء ) رماداً، واظلّمت الدنيا ثلاثةَ أيّام، ثمّ ظهر فيها الحمرة.
 ـ عن ابن سيرين: إنّ الحمرة التي مع الشفق لم تكن، حتّى قُتل الحسين! وقال ابن الجوزيّ: وحكمة ذلك، أنّ غضَبَنا يؤثّر حمرة الوجه، والحقُّ سبحانه تنزّه عن الجسميّة، فأظهر تأثير غضبه على قتل الحسين بحُمرة الأفق؛ إظهاراً لعظيم الجناية.
وغاية أمر يزيد أنّه جائر فاسق متغلّب.. وبعد هذه العبارة.. يبدأ الشبراويّ الشافعيّ بسرد قصّة شهادة الإمام الحسين صلوات الله عليه، هو وأهل بيته وأصحابه، أعقبها بقصّة السبي والرحيل إلى الكوفة والشام، إلى أن قال: قالت دبا ـ حاضنة يزيد: دنوتُ من رأس الحسين حين شمَّ منه يزيد رائحة، فإذا تفوح من الرأس رائحة مِن روائح الجنّة كالمِسْك الأذفر، بل أطيب.. والذي ذهب بنفسه، وهو قادرٌ على أنّ يغفر لي، لقد رأيت يزيد وهو يقرع ثناياه بقضيب في يده ويقول ـ مخاطباً غرابه ـ :
 
يــا غرابَ البَين مـا شئتَ فقلْ       إنّمـا تندب أمـراً قـد حَصَلْ
إنّ أشيـاخي ببـــدرٍ لـو رأوا      مصرعَ الخزرج مِن وقع الأثل
لأهلّـوا واسـتهلّـوا فَـرَحـاً ثمّ      قالـوا: يـا يزيدُ لا تسـل
قتلَـتْ فتيـانُنـا سـاداتَـهم         وقتَلْنا فـارسَ القـوم البـطل
 لعـبتْ هاشـمُ بالمُـلْك فـلا         مَلَكٌ جاء ولا وحـيٌ نـزل!

 علّق الشبراويّ ـ بعد إيراده هذه الأبيات ـ قائلاً: أخزاه الله في هذه الأبيات ـ إن كانت صحيحةً عنه ـ فقد كفر فيها بإنكار الرسالة.
 ولا ريب أنّ الله سبحانه قضى على يزيد بالشقاء؛ فقد تعرّض لآل البيت الشريف بالأذى، فأرسل جنده لقتل الحسين وسَبْي حريمه وأولاده، وهم أكرم أهل الأرض حينئذ على الله سبحانه، بعد أن كان قد دسّ على الإمام الحسن مَن قتَلَه بالسمّ، وذلك أنّه أرسل إلى زوجة الحسن جِعدة الكِنْديّة أنّها تسمّه ويتزوّجها، وبذل لها ألف درهم، ففعلت، فمَرِض الحسن أربعين يوماً ومات، فبعثت إلى يزيد بما وعدها، فأبى، وكانت وفاة الحسن سنة خمسين من الهجرة وعمره سبع وأربعون سنة...وكان من بيانات الشبراويّ الشافعيّ ـ وهو ما يزال في فصل الإمام الحسين عليه السّلام ـ أن قال:
 قال بعض أهل العلم:
 إنّ آل البيت حازوا الفضائل كلّها:
علماً وحلماً، وفصاحةً وصباحةً، وذكاءً وبديهةً، وجُوداً وشجاعة.. فعلومهم لا تتوقّف على تكرار درس، بل هي مواهبُ مِن مولاهم، مَن أنكرها وأراد سترها كان كمن أراد ستر الشمس، فما سألهم في العلوم مستفيد ووقفوا، ولا جرى معهم في مضمار الفضل قوم إلاّ عجزوا وتخلّفوا، وكم عانَوا في الجِلاد والجدال أموراً فتلقَّوها بالصبر الجميل وما استكانوا وما ضعفوا.
 تفرّ الشقاشق إذا هدرت شقاشقُهم، وتُصغي الأسماعُ إذا قال قائلهم ونطق ناطقهم، سجاياهم خصَّهم بها خالقُهم.
 وقد حلّ الإمام الحسين رضي الله عنه من هذا البيت الشريف في أوج ذُراه، وعلا فيه علوّاً تطامنت الثريّا عن أن تصل إلى معناه.
ولمّا انقسمت غنائم المجد كان له منه السهم الأوفر، والحظُّ الأكبر.
والحسين رضي الله عنه، أقدَمَ بقوّة الجَنان، إلى مقارعة الأبطال الشجعان، ومنازلة السيف والسنان، فكان ـ رضي الله عنه ـ في حرب أعدائه كرّاراً صبّارا، يرى الفرار دناءةً وعارا، فلم يزل خائضاً غمراتِ الأهوال بنفسٍ مطمئنّة، وعزيمة مُرْجحنّة، يرى مصافحة الصفاح غنيمة، ومراوحةَ الرماح فائدةً جسيمة، وبَذْلَ المهج في نيل العِزّ ثمناً قليلا، ويأبى الدنيّة وإن تركَتْه قتيلا: يرى الموتَ أحلى مِن ركوب دنيّةٍ وليس بعيشٍ عيشُ مَن ركب الذُّلاّ