|
مع نجاح آل سعود في ضم المناطق الحجازية وعلى رأسها مكة والمدينة وجدة إلى حكمهم وسلطانهم الإجرامي المتعفّن, بدأت شمس الحجاز المتنوعة بالغروب لصالح أحادية التمثيل والسيادة النجدية المتحالفة مع المذهب الوهابي المتشدد؛ على أن ذلك الغروب لم يكن مودياً إلى اندثار أو موت الهوية الحجازية التي ظلت تشتعل كما كانت, وإن يكن بهدوء أو من دون ضجيج .
لكن كيف "صمدت" الهوية الحجازية إلى هذا الوقت وظلت تحافظ على خصوصياتها رغم المحاولات الفوقية للنظام لفرض "سعودة" شاملة تطال كل مناطق شبه جزيرة العرب؟
إن تلك الهوية لم تختر الصدام المباشر مع السلطة المركزية وحكم آل سعود , ولا التعبير عن نفسها بشكل مباشر أو فج , إذ لم يكن لها أية أجندة سياسية, ولم تدع إلى الصدام والعنف مع النظام والعودة بالتاريخ إلى الوراء.
هنا , وعند نفي " مي يماني" الواضح لأي تفسير لكتابها قد يُفهم منه أنها تدعو إلى ذلك, صحيح أن دعوتها لإعادة الاعتبار للهوية الحجازية فيها تحقيق القوة الحقيقية للحجاز, كما تقول, أي أن الاعتراف بالتنوع وتقديره وعدم محاولة لجمه بقوة السياسة أو قوة المذهب يعطي منعة لأي مشروع تصالحي على عكس ما قد يُظن ظاهراً.
فالمجتمعات برمتها, وليس العربية والإسلامية فحسب, ليست مفصّلة على مقاس واحد, بل فيها تنويعات واختلافات وطوائف وتجمعات متباينة, وهذا مما لا يضيرها بالتعريف.
وبخلاف ذلك فإن محاولة قمع الهويات المحلية ومطاردة تعبيراتها الثقافية والاجتماعية والدينية هو المهدد الأكبر للوحدة الوطنية المأمولة؛ فالذي يحدث في هذه الحالات هو أن تلك التعبيرات لا تختفي, ولكنها تغيب عن الواجهة المرئية فيما تظل تعمل في الخلفية الاجتماعية لهذه الشريحة أو تلك.
وهكذا فإن الأشكال المميزة لأية هوية تخلق لنفسها فضاء خاصاً بها وطرائق لتموّه على أنماط القسر والرغبة الفوقية الحاكمة بصهر الهويات الفرعية في هوية دخيلة بالقوة.
وهذا في الواقع الممارس تاريخياً لا يقود إلا إلى نتيجة معاكسة لما تريده السلطة الفارضة, أي أنها تعزّز خصوصية تلك الهويات بدل أن تخفف من حدتها ؛ وتاريخ القرن العشرين يعج بالأمثلة الساخنة, أبرزها المشروع السوفيتي في تخليق هوية قومية جامعة للمجتمعات المنضوية تحت اتحاده, والمشروع اليوغسلافي الذي قام على فكره مشابهة, وكليهما فشل فشلا ذريعاً, حيث عادت الهويات الوطنية والفرعية إلى الظهور والتعبير عن نفسها بتطرف وحدة جارفة في أكثر الأحيان.
في المقابل كان النجاح حليف الاتحادات الديمقراطية التي لم تكن مهووسة بجرف الهويات الفرعية والإقليمية بل تركتها على حالها وراهنت على الزمن وتبادل المصالح وحركة المجتمع الذي مع مرور السنين هذّب من تلك الهويات واستوعبها, وبالتالي لم تعد مصدر خطر على الوحدة الوطنية لكن من دون قسر أو قمع, كما في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا.
لكن ما يُراد الإشارة إليه هنا هو مسألة كيفية التعامل مع الهويات الفرعية وهو تعامل يجب أن لا يحكمه التوتر والقهر ومحاولة التهميش.
إن ما تشير إليه " مي يماني " من ظواهر وسياسيات لمحو "الحجازية" من فضاء شبه جزيرة العرب, مع تأكيدنا بأن ما أشارت إليه يحدث فعلاً على أرض الواقع, لا يمكن بحال أن يخدم الهوية الوطنية العامة.
فما الفائدة من محاولة النظام لتغيير اسم الحجاز إلى "المنطقة الغربية" سوى إثارة "النعرة الحجازية"؟
وماذا يخدم تفادي استخدام اللفظ بحد ذاته في وصف بعض العادات أو أنواع الأكل أو اللباس, فلا يُقال مثلاً هذا الطعام حجازي أو هذه العادة حجازية؟ لكن, لم يؤد ذلك, كما تشير يماني, إلا إلى عودة الهوية الحجازية بشكل أكثر ترسخاً.
وتحاول الكاتبة إثبات ذلك في الفصول التي خصصتها لتقاليد الزواج, وتقاليد الموت والدفن, وتقاليد اللباس, وتقاليد الطعام, وسائر تفاصيل الحياة الاجتماعية.
إضافة لذلك فهي تنظر باهتمام وانتباه إلى دور العوائل الحجازية في الحفاظ على الهوية الحجازية وتعبيراتها المختلفة, بدءا بالأسماء التي تطلق على المواليد الجدد وحتى أساليب دفن الموتى.
والعوائل تلك تتوزع على أكثر من فئة, فمنهم فئة الأشراف أي السادة الهاشميين, وفئة المطوفين, وفئة العلماء, وفئة التجار.
وكل تلك الفئات الحجازية وغيرها استوعبت الآن حقيقة ما يفعله ويخطط له النظام, وبالتالي فهي تهيأت للعمل ضده وضد استهدفاته الخفية والمعلنة معًا.
|