|
بعد احتلال مكة المكرمة عام 1924 من قبل قوات ابن سعود انتهى من الناحية العملية ألف عام تقريباً من الحكم الهاشمي في الحجاز، ووجد المجرمون النجديون أنفسهم مسيطرين على أعقد نظام إداري في الجزيرة العربية مما اضطرهم للجوء إلى البيروقراطية الحجازية كما تدير مؤسسات الدولة الجديدة.
فقد كان الحجاز يشتمل على هيكلية سياسية موحّدة لقرون عديدة، وكان هناك مجلس للشورى يتربع على إدارة مركزية حيث تضطلع الميزانية السنوية بتمويل المدارس الثانوية، والجيش النظامي، وقوات الشرطة، وقد أفاد عبد العزيز بن سعود من هذه المؤسسات في تدشين بنى دولته الجديدة, كما أن الحجاز كانت تتمتع لفترات طويلة بنشاط ثقافي وإعلامي
ـ صحافي متطور بالمقارنة مع نجد التي كانت إلى حد كبير قبلية، وبدوية، وأميّة وغير متأثرة بأي نفوذ خارجي, في الوقت نفسه كانت لدى الحجازيين صحف والعديد من المكتبات العامة الكبيرة, وكانت الجريدة الرسمية (القبلة) تنشر مواد حول التطورات خارج الجزيرة العربية وتغطي الأحداث الأوروبية بصورة واسعة, أما الجريدة الثانية في تلك الفترة فكانت (صوت الحجاز) التي أصبحت فيما بعد (البلاد) بعد استيلاء آل سعود على بلاد الحجاز.
وعلى العكس من ذلك لم تكن في نجد جرائد قبل تشكيل نظام آل سعود، وأن أول جريدة نجدية كانت "اليمامة" التي تأسست في الخمسينيات من القرن الماضي, وكذا الحال بالنسبة للمدارس الابتدائية الحديثة التي كانت تعمل في الحجاز في بداية القرن الماضي, فقد كان في مكة المكرمة المدرسة الراقية، والمدرسة الفخرية، والمدرسة السلطانية، وفي جدة مدرسة الفلاح التي فتحت أبوابها سنة 1903 ثم فتحت فرعاً لها في مكة سنة 1905م, في المقابل لم يدخل التعليم الحديث إلى نجد قبل عام 1938م وفي واقع الأمر، إن ما يعكس ويعزز الخصوصية الحضرية الحجازية أن الطواقم الدبلوماسية إلى جانب العديد من المؤسسات الحكومية كانت قائمة في جدة حتى عام 1985، حيث تقرر أخيراً نقلها إلى العاصمة، الرياض.
إن الازدهار النسبي في الحجاز وكذا النفوذ السياسي للنخب الحجازية يعكس المكانة العالية المشتقة من السيادة التاريخية للمدن الإسلامية المقدّسة, فمنذ عام 1916م أصبحت مكة تحت حكم الأشراف المتحدّرين من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويرجع الأشراف نسبهم إلى بنت النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فاطمة, والى ابن عمه علي بن أبي طالب, ويقول الأشراف بأنهم يتحدّرون من هاشم بن عبد مناف، جد بني هاشم من قريش, وأن ابني فاطمة الحسن والحسين أصل الفرعين الرئيسيين للسلالة الشريفة المعروفة باسم الحسينيين والحسنيين, ومنذ عام 1916 وحتى سيطرة آل سعود عام 1924 كان الأشراف الحسنيون يحكمون مكة، فيما كان الأشراف الحسينيون يحكمون المدينة.
وفي عام 1517 اعترف الشريف بركات شريف مكة بالسلطان التركي كخليفة، وتم تعيين باشا عثماني على جدة وأن بعض الحاميات الصغيرة قد تموقعت فيها وفي مكة والمدينة ومدن أخرى.
وفي معظم فترات حكمهم، فقد أطلق العثمانيون يد الشريف كيما يدير شؤون مكة والمدينة، فيما تسلّم سكّان الحجاز معونات من السلطان وكانوا معفيّين من الضرائب والخدمة العسكرية الإلزامية, وقد حظي السلطان بلقب خادم الحرمين، فيما كان الشريف الأكبر يكسب المال والوجاهة بوصفه رئيساً للحج, وأن سلطاته تعتمد جزئياً على قدرته على المناورة في مقابل الحكومة العثمانية، وكان تحدّر الشريف من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد منحه مقاماً عالياً في العالم الإسلامي، إلى حد أن السلاطين العثمانيين حافظوا على المظهر الخارجي من الاحترام والتقدير للشريف.
وفي غضون ذلك بدأت الأطماع النجدية تتجه صوب الحجاز، لأسباب عديدة, كان من أهمها كما تذكر المصادر التاريخية (أن المصادر المالية لآل سعود أصيبت بنكبة بعد أن قرر البريطانيون وقف مساعداتهم الشهرية وهي عبارة عن 5,000 جنيه إسترليني عام 1924) وهي المساعدة التي كانت تدفعها المخابرات البريطانية لأبن سعود حتى يتمكن من شراء ذمم الناس, والصرف منها على عصابته, وعندما رأت منه تخاذلاً في تنفيذ رغباتها قطعت عنه تلك المنحة المالية, وهو ما أدى بابن سعود للتطلع إلى المناطق الأكثر ازدهاراً من حوله, حيث لم تكن غير الحجاز مكاناً مغرياً، يمكن له أن يسدّ الحاجة الملحّة، حيث أن الدخل المحصّل من ضريبة الحج وجبي الجمارك في جدة يفوقان بمرات ما يحصل عليه من دخل محدود في نجد والأحساء.
إن فكرة الخلافة الشريفة العربية كانت منتشرة على نطاق واسع في البلاد العربية ولكنها بدأت تضمر في سنوات غروب الدولة العثمانية, وعلى أية حال، فقد اعتبر آل سعود احتلال الحجاز مهمة تاريخية بالنسبة لهم.
وفي عام 1924 هاجمت عصابات آل سعود الطائف فيما انسحب جنود الشريف حسين بقيادة ابنه إلى مكة تاركين سكّان الطائف دونما دفاع، مما أدى لاحقاً إلى وقوع مجزرة في أهالي الطائف, وحين وصلت قوات آل سعود مكة، انسحبت قوات الشريف علي إلى جدة، فاستسلمت مكة دون قتال، وذلك في أكتوبر 1924 ودخل عبد العزيز مكة, وقد أصبح موقع الملك حسين واهٍ فيما كان وجهاء الحجاز، والتجار الكبار، والعلماء يضغطون عليه من أجل التنازل لصالح ابنه علي, وقد غادر الحسين الحجاز إلى العقبة وثم أخذه البريطانيون إلى قبرص حيث مات هناك, أما المدينة فاستسلمت في ديسمبر 1925 ثم سقطت جدة بعد ذلك في يناير 1926، وذهب علي إلى بغداد لينهي بذلك حكم الهاشميين في الحجاز.
|