بسم الله الرحمن الرحيم (أنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)صدق الله العظيم

 

دور القبيلة ومستقبلها في شبه جزيرة العرب ـ 7 ـ

خالد عمران/ الدمام

هناك خمسة أسباب يمكن الإشارة إليها كأسباب لانبعاث دور القبيلة مجدداً في شبه جزيرة العرب تمهيدًا لإسقاط نظام آل سعود العميل وهي :
 أولاً ـ افتقار نظام آل سعود إلى مشروع لتنمية الثقافة والانتماء الوطنيين, وتعود جذور هذا الأمر إلى طبيعة نشأة النظام التي كانت قائمة على التوسّع العسكري، وطبيعة المجتمع في شبه جزيرة العرب شديدة التنوّع ثقافيا وطائفياً ومناطقياً، إضافة إلى مشكلة النظرة البدائية لموضوع الحكم والسلطة التي رسّخها النظام في عقول قبائل شبه جزيرة العرب خدمة لأهدافه ، والتي تحاول التأكيد بأن كلا الامتيازين هما امتيازان فريدان ومغلقان على المنتصرين فقط ، وهذا ما جعل نظرة النظام إلى موضوع الوطنية بوصفه خطراً قد يفضي إلى إفراز قيادة على أسس مختلفة، والى تعزيز وحدات داخلية قادرة على إضعاف من يمسك بالقرار السياسي, كان آل سعود يعرفون منذ البداية أن مواجهة الروح القبلية كان يتطلّب تأسيس مشروع وطني أوسع، وهذا المشروع لا شك له كلفة عالية من وجهة نظر ذلك النظام, فهو يعني إقحام مجاميع السكان في العملية السياسية المحلية، مستنداً إلى ثقافة تعطي الأفراد والجماعات حقوقاً سياسية, وهذا ما ستقلّص من سيطرة السلطة المطلقة, وهذا أمرٌ لم يكن مرغوباً فيه من قبل آل سعود بكل تأكيد لا في الماضي ولا في الحاضر, ولا في المستقبل أيضًا .
 وكان من ميزة فشل النظام في إيجاد مشروع وطني شامل حتى في حدوده الدنيا، أن ترك فراغاً كبيراً ملأته الثقافات والانتماءات الفرعية غير الوطنية (وبينها القبلية) وتربعت على عرشه لمدّة طويلة دون مزاحم حقيقي, ومن أجل تحجيم الخطر الماثل من القبيلة والانتماءات القبلية، اتبع نظام آل سعود منهجاً موحداً لمكافحتها، شمل تقويض الانتماء القبلي من أساسه وليس هيكل القبيلة الظاهري ونزع أظفارها وأنيابها العسكرية وتمثيلها السياسي لشريحة من الناس فقط, وفي شبه جزيرة العرب، لم يكن هدف آل سعود سوى العمل على تحجيم خطر القبيلة على الصعيد الأمني، ولذلك قام النظام بهندسة سياسات وبرامج اجتماعية انحصر هدفها في هذا الإطار, بمعنى آخر، فإن نظام آل سعود تعمّد العمل على محاولة إلغاء الانتماء القبلي والثقافة القبلية, كما حاول من جهة أخرى البناء على هذا الكيان الاجتماعي وتوظيفه لمصلحته، وعلى الرغم من نجاحه النسبي في ذلك إلا أن النظام قد فشل في نفي الخطر عليه بشكل كامل .
 إن تجربة ما يسمّى بالوهابية في مراحل تكوين نظام آل سعود الثلاث، ورغم التأكيد على الانتماء الديني، فإنها لم تستطع أن تلغي القبلية, بل بَنَت عليها قواعدها، وشذّبت بعض تصرفات القبليين، دون الحرص على إيجاد ثقافة بديلة أوسع تذوب في بوتقتها الثقافات والانتماءات الفرعية.
 إن هذا الاستثمار للقبيلة بعد تحييد خطرها، أو جعلها سلبية غير قادرة على النهوض بمشروع, يشكل خطراً على النظام، كما أنه استثمار مؤقت يرتهن بقاؤه بعاملين أساسيين هما:
المال والقوة.. ولذا استعمل آل سعود سياسة العصا والجزرة مع القبائل عامة، فالمال مُهدّئ بلا شك، وقد سكب النظام الكثير منه عبر العطايا المباشرة والتوظيف في أجهزة الأمن والعسكر، كما أن النظام يبدي دائماً مظاهر القوة تجاه القبائل الرافضة له، مما جعل القبائل غير ميّالة إلى الانشقاق عن النظام وتهديد الأمن سواء توجه التهديد مباشرة إلى أجهزة النظام أو إلى قبائل أخرى تتنافس معها أو لا تزال بسبب الثارات القبلية التي لازالت موجودة بينها.
 يضاف إلى ذلك أن حكومة آل سعود اعتمدت إناطة الإدارة المحلية كرؤساء البلديات والمحافظين ورؤساء المراكز في المناطق التي تسكنها قبائل، أناطتها بأشخاص من خارج القبيلة غرباء لا يدينون بالولاء إلاّ للسلطة المركزية، خاصة بين قبائل تعتبر معادية تاريخياً لآل سعود(شمّر مثلاً) وقد لوحظ أن "جميع زعماء القبائل في شبه جزيرة العرب لا يتكلمون على ممثل الحكومة إلا بنبرة استهجان في صوتهم" بل أصبحوا موضع احتقارهم وإن لم يعلنوه، ويسعى أفراد القبيلة دائماً إلى "تهميش دور ممثل الحكومة قدر الإمكان" من خلال تقوية دور شيوخهم بالرجوع إليهم لفضّ المنازعات, إن إمارة الزعماء القبليين هي الأكثر إثارة للجدل، فهناك الجميع ضد الجميع والى حد ما ضد النظام، حيث أعصاب النظام تكون مشدودة إلى أقصى حدود التوتر.
 وأخيرًا وبهذه البسطة الموجزة عن الدور الخطير الذي قام به شراذم آل سعود تجاه قبائلنا العربية المجيدة , فإننا نرجو أن نكون قد سلّطنا الضوء ولو بشكل يسير على جزء من ذلك الدور وما أريد به, وما كان يستهدفه, لتتمكن تلك الشراذم التي لا يعرف لها أصل ولا فصل من الاستحواذ على بلداننا في شبه جزيرة العرب, والتسلّط بالتالي على رقاب شعوبنا العربية فيها, بعد أن عملت سيوف غدرهم في رقاب الآلاف من أسلافنا نساءً ورجالاً قتلاً وتشويهًا ما تخجل حتى كتب التاريخ من سرده .
 وبهذه البسطة الموجزة أردنا إعادة إحياء تاريخ أراد له آل سعود أن يختفي من ذاكرة التاريخ للأبد حتى يواصلوا السير على نفس منهجهم التكفيري, الاستعلائي, المتجبّر, والمتسلّط .
 ومن خلال إعادة كتابة هذه التاريخ نريد لقبائلنا العربية المجيدة في شبه جزيرة العرب أن تستفيق من غفلتها التي طالت, وأن تسارع إلى إعادة انتزاع حريتها وكرامتها وشخصيتها المنزوعة, وأن تسارع بالتصدّي لجبروت آل سعود والعمل على إسقاطهم, تمهيدًا لعودة جزيرة العرب تسامحًا وعدلاً وكرامة وعزّة لأبنائها وللمسلمين جميعًا.

(انتهى)